محددات الخطاب السياسي اللبناني في الجمهوريتين الأولى والثانية: كيف يقارب المتطلبات لاجتراح عقد اجتماعي جديد؟

Determinants of Lebanese Political Discourse in the First and Second Republics: How It Addresses the Requirements for a New Social Contract

إعداد by

عباس محمد الحاج ضاهر Abbass Mohamad Hajj Daher 

إشراف Supervisor

د. وفاء أبو شقرا Dr. Wafaa Abu Chakra

الجامعة اللبنانية، المعهد العالي للدكتوراه

في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية

Lebanese University

Doctoral School of Literature, Humanities & Social Sciences 

السنة – Year

2024 – 2025

اللغة: العربية –  Language: Arabic

 

تمهيد   

أسهم الخطاب السياسي في تَشَكُّل النظام السياسي في لبنان، في مراحل ما قبل الإعلان عن الدولة، وأثناء الانتداب الفرنسي، وعهد الاستقلال، وصولًا إلى زمن اتفاق الطائف. فقد كانت سيرورة هذا التَشَكُّل زاخرة بالأحداث، بدءًا من رفض كيانية لبنان، وإصرار المسلمين على الوحدة مع سوريا، ثم اندماجهم بالصيغة اللبنانية التي يظهر شكلها الجامع في وثيقة الوفاق الوطني، التي تمَّ الاتفاق عليها في زمن الاستقلال.

جرى طرح مشاريع عدة بشأن تركيبة النظام السياسي؛ حيث كانت تلك المشاريع جزءًا أساسيًّا من عناوين الصراع الداخلي في مرحلة الحرب اللبنانية. واستمرت الطروحات بعد إقرار اتفاق الطائف، ولم تغب عن الأزمة اللبنانية السياسية بكل مراحلها.

لقد تعدَّدت الخطابات في مقاربة موضوع العقد الاجتماعي، وأسهمت في توجيه السياسات وتحديد التموضعات اللبنانية. ولا تزال قواعد النظام السياسي خاضعة للنقد والمطالبة بالتطوير أو التعديل أو التغيير، بعد فشل اللبنانيين في تطبيق كل بنود اتفاق الطائف الإصلاحية، وخصوصًا ما يتعلق بإلغاء الطائفية السياسية، ووضع قانون انتخابات، وتأسيس مجلس للشيوخ.

يؤدي الخطاب السياسي دورًا رئيسيًّا في تأسيس، أو تصحيح أي نظام، والترويج له، انطلاقًا من السرد الذي يُورِده الخطاب السياسي عن الأزمة المرتبطة بطبيعة النظام وأسبابها والجدلية القائمة حول توصيفاتها. ويأتي الكلام التداولي، في الخطاب السياسي هنا أيضًا للحثِّ على تثبيت أو تغيير أو تعديل النظام؛ إذ يتداول السياسيون في لبنان، في خطاباتهم، وجهات نظرهم وما يتوافق مع مصالحهم، وهي عملية تواصلية مع بعضهم ومع الجماهير. ولا يمكن تجاوز أهمية الدور الذي يقوم به الخطاب في حمل العناوين السياسية، المحدَّدة الأهداف؛ إذ تُعرف مقاصد السياسيين في خطاباتهم التي تُغيِّر أحيانًا مسارات أحزاب وشخصيات، وتُكَوِّن رأيًا عامًّا.

ولدراسة محدِّدات الخطاب السياسي اللبناني في مقاربة متطلبات اجتراح عقد اجتماعي جديد، لم تقتصر العيِّنة على الشخصيات الموجودة في السلطة العليا، بل شملت شخصيات أو مكوِّنات سياسية قامت بدور في الحياة السياسية اللبنانية وحاولت تثبيت أو تغيير أو تعديل النظام السياسي، وكانت خطاباتها مؤثرة في المسار اللبناني.

احتلَّت المؤثرات الخارجية دورًا رئيسيًّا في مضمون الخطاب السياسي في لبنان خلال تناوله النظام الحاكم، انطلاقًا من الأبعاد الثقافية والطائفية والمذهبية والاجتماعية والمناطقية والتاريخية والشخصية والإقليمية والمصلحية، وهي قد حدَّدت مسارات أساسية في الخطاب السياسي اللبناني، وطبيعة العلاقة بين الخطيب والمتلقي. لذلك لا يرتبط الخطاب السياسي في الدراسة بالشخص الصادر عنه بل بموروثاته وموقعه الطائفي أو السياسي أو الحزبي وبأبعاد بيئته والأطر الظرفية في المكان والزمان للخطاب. وهو ما جعل الدراسة لا تحصر تحليل الخطاب السياسي في مقاربته للنظام في لبنان بعوامل اللغة والمضمون فحسب بل باستحضار بيئة الخطاب السياسي، أي السياق العام ومؤثراته.

 

  1. الإطار المنهجي والنظري للدراسة

إشكالية الدراسة

تعدَّدت الخطابات في لبنان، على اختلاف مشاربها وأهدافها، وذلك تبعًا للجهة السياسية أو الحزبية أو الطائفية التي صاغتها، في سعي واضح إما لترسيخ مطالب القوى الموجودة في النظام القائم أو لتغيير هذا النظام بما يتلاءم مع مصالحها (المتناقضة أحيانًا)؛ مما وَلَّد سجالات أبرزتها الخطابات السياسية في لبنان، والتي قادت إلى حروب وتسويات. ونظرًا لحجم الدور الذي يقوم به الخطاب السياسي في ترسيخ النظام الطائفي في البلد، ومساهمته في صناعة رأي عام لبناني يُفصَّل على قياس الجهات المشتغلة بتلك الخطابات، فإن السؤال الإشكالي يبحث شروط وسياقات إنتاج الخطاب السياسي لإضفاء الشرعية على سياسات النظام السياسي: إذا كانت إحدى أهم وظائف الخطاب السياسي، بعامة، المشاركة في التأثير على صنع القرار السياسي في أي بلد في العالم، فكيف يستخدم السياسيون اللبنانيون الخطاب السياسي، في أبعاده البراغماتية والسياقية، لإنتاج خطاب يُضفي الشرعية على سياسات النظام السياسي أو يُؤسِّس لتغييرها؟

ويتفرَّع عن هذا السؤال الإشكالي عدد من القضايا يمكن إجمالها في هذا الحقل الاستفهامي: أين تكمن أهمية الخطاب السياسي في توجيه الجماهير؟ وكيف تقلَّبت مفاهيم الخطاب السياسي بين 1919 و2019؟ وما دور الخطاب السياسي في الأزمات التي عاشها لبنان؟ وهل استولدت الطائفية السياسية خطابًا تسويقيًّا للنظام؟ وهل راعى الخطاب المسؤولية الوطنية طيلة عمر “لبنان الكبير”؟ ومتى وكيف تتمظهر الاستمالات في الخطاب اللبناني؟ ومتى وكيف أشار الخطاب السياسي اللبناني إلى الصيغة التي قام على أساسها لبنان؟ وهل يُسْهِم الخطاب السياسي اللبناني في التحضير لوضع عقد اجتماعي جديد؟

الفرضيات

تسعى الدراسة إلى التحقُّق من الفرضيات التالية:

أ- استطاع النظام الطائفي اللبناني أن يستولد خطابات سياسية فرضت واقعًا في خدمة نفوذ القوى وليدة هذا النظام، لكنه فشل في المحافظة على وحدة الشعب ومنعة الهيكلية السياسية التي حكمت البلد وكل مؤسساته العاملة.

ب- يزيد مستوى الطائفية في الخطاب السياسي اللبناني كلما تعدَّدت الخطابات المتضاربة المصالح، ولم يُهيِّئ السياسيون الأرضية لتبلور خطاب وطني جامع وقادر على فرض تغيير السلوك الطائفي للنظام القائم في لبنان.

ج- توالُد الأزمات في لبنان جعل المطالبة بعقد اجتماعي جديد يوجِد حلولًا مُستدامة أمرًا حتميًّا، لكن الصيغة التي سيتشكَّل وفقها هذا العقد بقيت غامضة ومثار خوف لدى “الطوائف”.

أهداف الدراسة

تسعى الدراسة إلى التعرُّف أولًا إلى ما يُبْرِزه الخطاب السياسي في لبنان من إشارات إلى النظام اللبناني، وضرورة أو عدم ضرورة تغييره. وثانيًا، رصد طبيعة ما يُثيره هذا الخطاب، ومدى تلبيته، لمتطلبات عقد اجتماعي جديد في لبنان. وفي هذا السياق، تركز الدراسة على هذه الأهداف:

أ- التعرُّف على مضامين الخطابات السياسية، التي أُنْتِجَت منذ تأسيس دولة لبنان التي تُشير تلميحًا، أو تصريحًا، إلى طبيعة النظام القائم والموقف منه.

ب- تقصِّي كيفية استخدام صنَّاع القرار السياسي لـ”الخطاب” للتأثير على الرأي العام في ظل نظام طائفي.

ج- تحديد أثر العلاقة المتبادلة بين غياب الخطاب الوطني وطبيعة النظام السياسي السائد في لبنان، وانعكاسها على الساحة السياسية.

د- استشراف ما إذا كان اشتغال الخطاب السياسي اللبناني قد قارب نية إرساء الدولة المدنية، واجتراح عقد اجتماعي جديد.

الإستراتيجية المنهجية

اعتمدت الدراسة منهج التحليل النقدي الذي يعتمد على رصد العلاقة المباشرة بين التحليل ومحتوى النصوص، مستندًا إلى العديد من الشهادات والاقتباسات. ويعمل هذا المنهج على اتباع خطة في قراءة العمل (نص الخطاب)، لاستكشاف الدلالات والبنيان، وإجراء تقييم شامل، لكشف النقاط، وفهم العمل بعمق، والمقارنة مع نصوص أخرى. ويتميَّز المنهج النقدي بطابعه المركَّب؛ إذ يعتمد منذ البداية على نظام ثابت ومحدَّد ينتقيه الباحث، وفقًا لموضوع بحثه، وليس وفقًا لتسلسل وترتيب الموضوعات الواردة في كل خطاب. كما أن هذا المنهج التركيبي، يدرس الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي تدور فيها الأحداث، ويقوم بتحليل بناء النص.

ومن أجل تحليل التوجهات السياسية التي سادت، بشأن النظام السياسي في لبنان، والتي عبَّر عنها الخطاب السياسي، اختار الباحث خطابات سياسية صدرت في محطات مفصلية في عمر الدولة اللبنانية، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1919 و2019، وصنَّفها بحسب الجهات الصادرة عنها، والتي طبعت توجهاتها المرحلة التاريخية والسياسية في البلد. وبعد هذا التصنيف “الموضوعاتي” للخطابات، استخرج الباحث، بالاعتماد على الاقتباسات المأخوذة من نصوص الخطابات، مُحَدِّدات الخطاب السياسي اللبناني في الجمهوريتيْن، الأولى والثانية، ومدى مقاربة تلك الخطابات لمتطلبات اجتراح عقد اجتماعي جديد.

لا يعتمد التصنيف على ما هو مستقل، أو مؤيد للنظام القائم، أو معارض له، في الجمهوريتين، بقدر ما يستند إلى واقع اعتراف القوى والشخصيات السياسية، كما تُبيِّن خطاباتهم، بوجود أزمة في النظام السياسي، ورغبة كل فريق منهم بفرض رؤيته في مقاربة العقد الاجتماعي الجديد. ومن ثم، فإن مقاربة المتطلبات، اعتمدت على البحث عن الافتراق والاتفاق بين القوى، بعد إجراء دراسة نقدية لكل خطاب، في تحديد إمكانيات بناء نظام سياسي على أساس الطروحات التي يحتويها كل خطاب.

 

مجتمع البحث وعيِّنته

ترتبط حدود الدراسة بالخطاب السياسي الصادر عن شخصيات سياسية وقوى لبنانية، خلال مراحل أساسية منذ عام 1919، تاريخ مؤتمر فرساي الذي وضع أسس دولة “لبنان الكبير”، لغاية عام 2019، الذي شهد مظاهرات شعبية حاشدة طالبت بإسقاط النظام اللبناني ومنظوماته. أما العيِّنة فهي قصدية وتتمثَّل في اختيار الباحث مجموعة من 30 خطابًا سياسيًّا صادرًا بين 1919 و2019 عن القوى اللبنانية الأساسية المرتبطة، بشكلٍ أو بآخر، بالنظام القائم (هذه الخطابات تراوحت بين خُطب سياسية وبيانات إعلامية و”وثائق إصلاحية” وتصريحات ومقابلات صحفية).

واختار الباحث مفردات العيِّنة التي عدَّها ملائمة لتقديم صورة واضحة حول مسار نظام الدولة في لبنان، وتفسير السلوك السياسي للقوى الفاعلة المقررة ضمن إطار النظام الطائفي، سواء من حيث ترسيخه أو محاولة نسف أُسُسِه، عبر توسل الخطاب السياسي. ويُبرِّر الباحث اختياره للشخصيات السياسية التي صدرت عنها تلك الخطابات ببعض المعايير التي تميزها عن غيرها، مثل معايير مستوى التمثيل والفاعلية والقدرة على التأثير والدور الذي قامت هذه الشخصية أو تلك…إلخ.

المقاربات النظرية

تُحاول الدراسة تقصِّي كيفية مقاربة الخطاب السياسي للنظام الذي تحكم السلطة بظلِّه لبنان منذ التأسيس والاستقلال والتعديلات التي أُدْخِلَت على دستوره في النص والممارسة. لذلك ستكون المقاربة النظرية في هذه الدراسة مقاربة تاريخية لعرض طبيعة الخطاب خلال المراحل الأساسية التي مرَّ بها لبنان منذ انعقاد مؤتمر فرساي في فرنسا، عام 1919، وما تبعه من إعلان دولة “لبنان الكبير”، عام 1920. من شأن تلك المقاربة استحضار محطات تاريخية مهمة، تُقَدِّم صورة واضحة ووافية للمشهدية اللبنانية، في الأزمات والحروب والتسويات، للاستفادة في الدراسة من تحليل مسار الخطاب في مراحل أساسية من عمر الدولة. وتُستخدم المقاربة التاريخية، في دراسة علوم الإعلام والتواصل وكل العلوم الإنسانية بوصفها أداةً علمية لتحليل الظواهر وفهم الأسباب. كان الاستناد إلى المقاربة التاريخية، باعتبار أن أهمية التاريخ تكمن في الكشف عن الحقيقة، كما وقعت، وكتابة التاريخ كما حدث فعلًا، لإجراء دراسة نقدية.

وتعتمد الدراسة أيضًا المقاربة التداولية التي ترتبط بالخطاب السياسي، بوصفها تركز على دراسة استعمال المعنى المُتداول، وفقًا لسياقه. لذلك فإن لهذه المقاربة أهمية، لأنها تتعدَّى مجرد دراسة الجملة وتحليلها إلى دراسة الخطاب والنص. وترى أن الخطاب تبادل أدلة بين ذات مُرْسِلَة، وذات مُسْتَقْبِلَة؛ إذ تنطلق الرسالة من الذات الأولى (المُرْسِل)، نحو الذات الثانية (المُتلقي). كما أن تحليل الخطاب ومعرفة مقاصده يُعَدُّ المهمة الأولى للتداولية، واعتبار أن اللغة ليست مجرد أداة لوصف الواقع بل أداة لإنجاز أفعال. كما أن المقاربة المختارة للدراسة تحتاج لتطبيقها الاعتماد على نظريتي الغرس الثقافي والتأطير الإعلامي.

 

  1. مسارات تكريس الطائفية

تُحاجِج الدراسة بأن الطائفية تكرَّست في النظام السياسي بلبنان منذ تأسيسه بعد أن ورثت الدولة اللبنانية مفاهيم وممارسات الطائفية منذ ما قبل إعلان دولة لبنان الكبير؛ وهو ما تجلَّى في الأعراف التي حكمت المجتمع اللبناني وتجاوزت النصوص الدستورية. وإذا كانت غالبية المسلمين رفضت شكل الكيان اللبناني وعارضت الانفصال عن سوريا إلا أنها عادت وانخرطت في إطار الدولة اللبنانية، لكن على أساس أن الطائفية هي قاعدة بناء النظام. ثم ثبَّت الانتداب الفرنسي الطائفية؛ فاستندت الغالبية المسيحية في لبنان على الانتداب لمنع الاندماج مع العمق العربي المسلم، وتعدَّدت نظريات الكيانية اللبنانية عند المفكرين والبارزين الموارنة، فطُرِحت مشاريع التقسيم والفيدرالية عند كل أزمة وأثناء الحرب. بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني، جاءت الصيغة التوافقية في حكم البلاد على أساس طائفي، وتمَّ اتخاذ الطائفية درعًا لحماية المحاصصات داخل جسم الدولة اللبنانية، وتحوَّلت نعمة التعدُّد الطائفي نقمة أسهمت في نشوء أزمات لبنانية متتالية على مرِّ السنين.

وترى الدراسة أن أحكام الدستور السابق كانت تتناقض في بعض الأمور الأساسية مع العُرف والتقليد والممارسة الدستورية، وهو ما جعل الدستور غير عملي وغير مطبق، وحوَّل الممارسة السياسية إلى سلسلة أزمات متلاحقة يسهل الدخول فيها ويصعب الخروج منها إلا بموجب تسويات سياسية. ومن خلال الاطلاع على مواقف القوى السياسية بشأن النظام الطائفي يتبيَّن أن شخصيات مسيحية هي التي كانت من أوائل الذين طالبوا بإلغاء الطائفية السياسية في النظام اللبناني لكن أدوارها لم تكن تقريرية لأسباب عدة، ستتضح في مقاربة الخطاب السياسي في لبنان خلال مختلف المراحل.

 

  1. تعدد الخطابات السياسية في لبنان

تتعدَّد الخطابات السياسية في لبنان بسبب كثرة الولاءات والانتماءات، وأيضًا الارتباطات الخارجية، فأدَّت الخلافات إلى حصول تناقضات جوهرية في الخطابات، التي أصبحت مساحات صراع سياسي مفتوح، بدا جليًّا منذ ما قبل نشوء الكيان اللبناني. وعلى الرغم من غلبة الخيار الطائفي في لبنان، لم يعلن أي من الأحزاب والسياسيين طائفيته في الخطاب منذ تأسيس الكيان اللبناني بل استنكروا جميعًا “الطائفية” في خطابهم، وتخفَّوا خلف عناوين التعددية والخصوصية، والأهمية. حتى عندما جرى الترويج للصيغة الطائفية، بوصفها حلًّا للتنوع الطائفي اللبناني، بقيت تحمل دلالات سلبية واحتمالات الإلغاء في المستقبل، وتبرير بقائها في زمانها.

لكن المرجعية الطائفية للخطاب اللبناني كانت عاملًا حاسمًا في شكله وأبعاده، لأن النص السياسي اللبناني يُعبِّر دومًا عن هموم الجماعات المذهبية أكثر مما يُعبِّر في حقيقته وجوهره عن الهمِّ الوطني. ولأن القضية الطائفية تجذَّرت عميقًا في تاريخ لبنان السياسي، منذ ما قبل ولادة الكيان، باعتبار أن هذا البلد، كان قد تكوَّن اجتماعه السياسي في ظل حكم السلطنة العثمانية، التي أعطت شرعية للانتماء الطائفي والمذهبي، وعدَّت أن أية جماعة دينية هي شعب حسب النظام العثماني، وبات مفهوم “المِلَّة” الرَّحِمَ الأساس الذي وَلَّد الخطاب السياسي في لبنان.

ولذلك يرى الباحث أن خطابات الكيانات الطائفية والمذهبية تبلورت انطلاقًا من شعور كل منها أنها شعب مستقل عن الآخرين في المنابع الدينية والثقافية والاجتماعية تبعًا لنظام المِلَل. لذا، انطلق صانعو الخطاب السياسي في لبنان، تاريخيًّا، من المرتكزات المجتمعية القائمة على انقسام طائفي بين مسلمين ومسيحيين، ولاحقًا بين مذاهب، رغم رسم عنوان عريض هو العيش الوطني المشترك أو الواحد في ظل التجربة السياسية التي استدعوا لها معادلة: الديمقراطية التوافقية. وحفلت المرحلة الممتدة من تأسيس الكيان اللبناني إلى عام 2019، بخطابات مواجهة وحِجَاج تُبَيِّن خلفيات التباين السياسي القائم، والذي اتَّخذ أشكالًا متعددة من السياق. فساد خطاب حادٌّ بين القوى مهَّد -في نظر الباحث- للحرب الأهلية، ويقوم على خلافات أيديولوجية بين يسار ويمين، ثم ما بين انتماء سياسي لغرب فرنسي وأميركي، أو شرقي وعربي، ليسود بعدها بشكل مباشر خطاب طائفي بين السياسيين المسيحيين والمسلمين، ويترك آثاره المدمِّرة على لبنان بانقسامات في الجيش والمؤسسات والإدارات، في ظل عناوين كبرى تتعلق بالنظام السياسي؛ تثبيته أو تعديله أو تغييره.

كما تُبَيِّن المراحل حدَّة الخطابات بين القوى المسيحية التي قادت إلى حروب فيما بينها: توحيد البندقية، وأمن المجتمع المسيحي، والإلغاء… إضافة إلى انقسامات في الخيارات عبَّرت عنها محطات الوثيقة الدستورية، والاتفاق الثلاثي، ومؤتمرات لوزان وجنيف والطائف. في وقت كان الخطاب الإسلامي يتشدَّد أيضًا نحو العناوين الدينية، لحين حلَّت وثيقة الوفاق الوطني التي أرست مرحلة غابت عنها القوى السياسية المسيحية الوازنة، ثم انخرطت فيها، بينما اقتصرت بنود تطوير النظام على الخطاب الذي واجهته خطابات أخرى رافضة، فتجمَّد التطوير، ولم يستطع حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 الذي حمل شعار تغيير النظام أن يفرض شيئًا.

 

  1. القوى “المصدِّرة” للخطاب في سنوات مفصلية

تعدَّدت الشخصيات والقوى المصدِّرة للخطاب السياسي في لبنان، خلال سنوات مفصلية منذ بدأت ملامح الكيان اللبناني، لكن اختيار الباحث لعيِّنة من هؤلاء بناء على فاعلية خطاباتهم جعل الدراسة تركز في كل مرحلة على شخصياتها الأساسية، انطلاقًا من الخطابات التمهيدية لحسم هوية لبنان، التي قام فيها كل من شكري غانم، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والبطريرك إلياس الحويك، بأدوارهم عبر الخطاب السياسي لرسم الكيان اللبناني. وخطابات ولادة لبنان، التي كان فيها كل من الرئيسين، شارل دباس وإميل إده، والشيخ محمد الجسر، الأبرز بين مجموعة سياسيين لبنانيين بارزين، في تلك المرحلة.

أما مرحلة الاستقلال، فكانت خطابات الرئيسين، بشارة الخوري ورياض الصلح، والبطريرك أنطوان عريضة ترسم معالم المرحلة. فيما الأحزاب التأسيسية أطلَّت بخطابات متناقضة بشأن لبنان، من الحزب الشيوعي الذي اهتم بداية بقضايا العمال قبل أن يُحاول فرض رؤيته السياسية العلمانية، والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي بقي يؤمن بالأمة السورية ولا يعترف في خطاب مؤسِّسه أنطوان سعادة بلبنان الدولة. وانحاز حزب الكتائب إلى القومية اللبنانية، بينما كان حزب النجادة غير طائفي يُنادي بالمناصفة الكاملة أو إلغاء الطائفية السياسية.

ورغم تعدُّد الشخصيات السياسية القيادية، يرى الباحث أن بعضها رسم نهجًا سياسيًّا واضحًا في مقاربته للنظام السياسي، وكان الأبرز كمال جنبلاط الذي أراد علمانية “مؤمنة” للدولة، والرئيس كميل شمعون الذي تبدَّل خطابه بين ما قبل الرئاسة وما بعدها، وصولًا إلى طرحه نظامًا فيدراليًّا، بينما انحاز الرئيس فؤاد شهاب إلى العدالة الاجتماعية على حساب التموضعات بشأن هوية النظام، فيما حمل الإمام موسى الصدر نهجًا مختلفًا، يقوم على أساس إلغاء الطائفية السياسية مع الحفاظ على دور الطوائف في التركيبة اللبنانية. وفي الحرب الأهلية، ساد خطابان أساسيان: الحركة الوطنية التي طالبت بتغيير النظام لوقف الامتيازات، والجبهة اللبنانية التي ردَّت عليها بوجوب المحافظة على التعددية اللبنانية. وحلَّت بعد الطائف خطابات كان أبرزها خطاب الرئيس إلياس الهراوي الذي أراد مدنية الدولة، وإلغاء طائفية النظام السياسي، ليُظْهِر خطاب الرئيس رفيق الحريري انحيازه للطائف، من دون أن يخوض معركة تطبيق بنوده العالقة. بينما تولَّى الرئيس نبيه بري مهمة تنفيذ تلك البنود، بدءًا مما يتعلق بإلغاء الطائفية السياسية، فيما أراد الرئيس ميشال عون تحضير الشعب اللبناني وتأهيله أولًا قبل تغيير طبيعة النظام السياسي، لكن حراك 17 أكتوبر/تشرين 2019 حمل عنوان “تغيير النظام والذهاب إلى دولة مدنية”، غير أن القوى الفاعلة في هذا الحراك لم تضع خطة تتفق عليها نتيجة تعدُّد أجنداتها وهوياتها السياسية.

 

  1. نزعات الخطاب بين تكريس هوية النظام والمطالبة بتغييره

تُبَيِّن قراءات الخطابات أن هناك تكرارًا عند القوى السياسية وورثتها بشأن النظام السياسي اللبناني، حيث تدور الأفكار ذاتها منذ السنوات الأولى من عمر لبنان من دون أن يُقنِع أحدٌ أحدًا.

لقد انقسمت مراحل الخطاب بين تمهيدية لحسم هوية النظام؛ حيث تباينت الخطابات بشأن موقع لبنان السياسي، وخطاب ولادة لبنان حيث حصل التدرُّج لانخراط الرافضين لاستقلاليته عن سوريا في الصيغة الكيانية، وخطابات الاستقلال التي وضعت قواعد الطائفية السياسية، ثم كانت الأحزاب التأسيسية تتناقض في الطروحات بشأن الصيغة، لتحلَّ النهوج التي رسمت طرق السياسيين النافذين في لبنان.

وأتت الحرب الأهلية نتيجة تضارب مصالح ورؤى طرحي “الجبهة اللبنانية” و”الحركة الوطنية”، ثم حلَّ اتفاق الطائف بدستور جديد لم تُطبَّق كل بنوده، وخصوصًا ما يتعلق بالطائفية السياسية وقانون الانتخابات. وأعقبت المرحلة التي تلته خلافات سياسية تمسَّك خلالها كل فريق سياسي برؤيته الإنقاذية، ولا يزال. وإذا كان حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 بعث الأمل بشأن تغيير النظام السياسي في لبنان، فإن قوى وشخصيات الحراك لم تتفق على مقاربة موحَّدة بشأن كيفية تطوير النظام السياسي، وانشغلت بمطلب تغيير المنظومة السياسية، التي وجدت في النظام حماية لها من السقوط.

 

  1. أطروحات الخطاب السياسي وتحولاته

ثبَّتت كل المراحل في لبنان، منذ ما قبل تأسيس الكيان عام 1920، ولا تزال، أهمية الخطاب السياسي وسيلةَ اتصالٍ لتوجيه الجماهير نحو تبنِّي الرؤى والتوجهات السياسية التي تتعلق بالنظام اللبناني عند كل فريق، أو شخصية قيادية. فقد عملت القوى السياسية في خطاباتها على غرس أفكارها الثقافية، المتعلقة بالنظام، لتثبيت العقد الاجتماعي القائم أو تعديله أو تغييره بشكل جذري. كما أن خطاباتها ترجمت نظرية التأطير الإعلامي، انطلاقًا من سعي صاحب الخطاب لتسليط الضوء على رؤيته فقط، بشأن تركيبة وطبيعة النظام السياسي ومحاولته إبراز حسنات طرح تثبيت أو تطوير العقد الاجتماعي.

وعند تفكيك عنوان الدراسة “محددات الخطاب السياسي اللبناني في الجمهوريتين الأولى والثانية: كيف يقارب متطلبات لاجتراح عقد اجتماعي جديد؟”، بالاستناد إلى وقائع وتحليل الخطاب وفق البراغماتية، القول والفعل، التي درس الباحث عبرها الخطاب السياسي، برزت مجموعة من الأطروحات يُلخِّص الباحث صيرورتها وتحولاتها في الآتي:

  1. منذ إطلالة أول خطيب على منبر مؤتمر فرساي للحديث عن لبنان حدث تغيير جوهري في الخطاب خلال مقاربة الكيانية اللبنانية، وتبعًا نظام الدولة؛ إذ بدَّل شكري غانم خطابه من عنوان الاتحاد السوري، ولبنان فيدرالية ضمنه، إلى الكيانية اللبنانية. كما عدَّل الخطباء السياسيون المسلمون خطاباتهم، من اعتبار لبنان جزءًا من الوحدة مع سوريا، بقيادة عربية، إلى تقبُّل ثم الانخراط بالكيانية اللبنانية المستقلة. وكذلك، تغيَّر خطاب الرئيس إميل إده، من تبنِّي الرأي الفرنسي بشأن نظام لبنان ورعايته سياسيًّا، إلى مباركة الاستقلال عن فرنسا، مع ما يتطلَّبه ذلك من تجسيد للوحدة الوطنية في خطابه الجديد.

وتجلَّى التغيير في خطاب الرئيس كميل شمعون، الذي كان يُطلق عليه “فتى العروبة الأغرَّ”، بسبب طبيعة خطابه، الذي يتبنَّى العناوين السياسية العربية، لكن خطابه أصبح ينسجم مع الدول الغربية وأحلافها، أثناء ولايته الرئاسية، ثم تركيزه في الخطاب على قيادة وتبنِّي المشروع السياسي الماروني في مواجهة الخطاب السياسي المقابل، اليساري والإسلامي. كما بدَّل “حزب الله” خطابه الذي انطلق، على أساسه، في مقاربة الانتماء إلى “الأمة الإسلامية”، نحو الانخراط في “اللَّبننة”، تدريجيًّا، والإقرار بنهائية لبنان الوطن. أما خطاب الرئيس ميشيل عون، الذي خاض على أساسه مواجهات ضد الطائف، فتغيَّر عنده إلى خطاب الانخراط في دستور الجمهورية الثانية، أي اتفاق الطائف، الذي وصل على أساسه، إلى منصب رئاسة الجمهورية.

  1. يُطلق صاحب الخطاب السياسي مواقفه بناء على ظروف الخطاب. فقد كان غانم يُدافع عن الانتماء اللبناني إلى سوريا، لكن تشدُّد القوى الكيانية (يتزعمهم البطريرك الماروني إلياس الحويك)، في المطالبة بكيان لبناني، في ظل تفهُّم دول مؤتمر فرساي، لهذه المطالب، دفع غانم إلى التراجع عن خطابه السياسي، بسبب تغيُّر الظروف.

كما استعان الزعيم الشيعي، كامل الأسعد “الكبير”، بالزعيم الروحي الشيعي، السيد عبد الحسين شرف الدين، لتغيير خطابه، من مناصرة الفرنسيين، إلى الارتماء في أحضان الحكومة العربية، في دمشق (كما ظهر في مؤتمر وادي الحجير)، بعد تغيُّر الظروف وحدوث ضغوطات ميدانية وعشائرية على أبناء جبل عامل. ثم تدرَّجت الزعامات الشيعية نفسها، في الابتعاد عما كانت أعلنته في مؤتمر وادي الحجير، واتجهت نحو “اللبننة”، بعدما فرضت ذلك الظروف التي ثبَّتت جبل عامل في الكيان اللبناني الوليد، عام 1920، وهي ظروف الكيان نفسه، التي قادت إلى خطاب شيعي بأبعاد كيانية وطنية عبَّر عنه، بشكل رئيسي، الإمام موسى الصدر ثم الرئيس نبيه بري في ذات السياق.

فيما كانت الظروف، المتعلقة برفض الهيئات الروحية، لأي طرح علماني، لا تسمح للرئيس شارل دباس بترجمة خطابه الذي دعا فيه إلى دولة علمانية، بسبب رفض البطريركية المارونية، علمنة الدولة الوليدة يومها، وعدم قدرة دباس على مواجهة الموقع المسيحي الماروني الأول.

وسمحت الظروف أيضًا للشيخ محمد الجسر بإمكانية الوصول إلى رئاسة الدولة اللبنانية، فكان من أوائل الشخصيات الإسلامية التي أعلنت الانخراط الكامل بالكيانية اللبنانية بعد أن كان بعيدًا عنها، بعكس خطابات السياسيين المسلمين آنذاك، الذين أيَّدوا نظامًا تابعًا للحكومة العربية. كما أن عدم انتخاب الجسر لرئاسة البلاد، جعله يُعدِّل خطابه من موضع الدفاع عن النظام اللبناني إلى ممارسة الحياد والصمت.

وفرضت ظروف الاستقلال على الرئيس إميل إده أن يُغيِّر خطابه رأسًا على عقب نحو تبني النظام اللبناني المُستقل بعد أن كان يرى أن الانتداب الفرنسي ضرورة لبنانية. كما أن الظروف اللبنانية التي اقتضت أن يكون رئيس الدولة لكل اللبنانيين، فرضت على الرئيس بشارة الخوري أن “يُدَوزن” خطابه السياسي، ويحاول أن يطرح مخرجًا لموضوع الطائفية في النظام، عبر فكرة تقديم الطوائف أفضل كفاءات لديها للعب أدوارها في الحياة السياسية اللبنانية.

وفرضت الظروف نفسها على رئيس حكومة الاستقلال، رياض الصلح، بعد الاتفاق مع رئيس الجمهورية، بشارة الخوري، أن يُعدِّل في خطابه الوطني بشأن مدنية الدولة إلى الاكتفاء بـ”الأمل بإلغاء الطائفية السياسية” في زمن تمنَّاه قريبًا.

وإذا كان الحزب الشيوعي يؤمن بعلمانية الدولة، فإن ظروف لبنان السياسية والعمالية، وظروف الحزب نفسه وأولوياته النقابية من جهة، وارتباطه مع الحزب الشيوعي السوري من جهة ثانية، والبُعْد النضالي مع الفلسطينيين من جهة ثالثة، جعلته لا يُعطي الأولوية في خطابه للنظام اللبناني، إلا بعد خمسين سنة من تأسيس الحزب؛ إذ عاد لطرح إلغاء الطائفية السياسية في خطابه. كما فرضت الظروف السياسية بعد أزمة 1958 والحساسيات الطائفية التي أنتجت انقسامات حادة، على الرئيس فؤاد شهاب، ألا يطرح موضوع النظام السياسي في خطابه بل يركز على العدالة الاجتماعية والإصلاحات الإدارية لتجنُّب إثارة الأزمات السياسية والطائفية.

وكانت ظروف الانقسام الطائفي نفسه، دفعت الإمام موسى الصدر كي يُعبِّر في خطابه عن وجوب تطوير النظام السياسي بإلغاء الطائفية السياسية، مع المحافظة على التوازن في مقارباته بعيدًا عن الصراع الذي كان قائمًا بين فريقي “الحركة الوطنية” و”الجبهة اللبنانية”. وهي الأسباب نفسها، التي بقيت تتكرر في محطات النزاع السياسي اللبناني، وجعلت الرئيس نبيه بري يلتزم بذات الخطاب بشأن تطوير النظام السياسي (قبل الطائف)، وتطبيق الإصلاحات المتعلقة بهذا الإطار التي وردت في الطائف.

كما أن ظروف ما بعد الحرب دفعت الرئيس رفيق الحريري إلى أن يختصر خطابه على تبنِّي الطائف، من دون أن يُقدِم على إدراج ما تبقى من بنوده المجمدة على طاولة البحث بل عمد إلى التعامل مع ظروف المطالبة الدينية الإسلامية بمنع توقيع الزواج المدني، الذي أقرَّه مجلس الوزراء، بأن وضع الملف في الأدراج.

وفرضت الظروف أيضًا على قوى 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 ألا تذهب بعيدًا بموضوع تغيير النظام نتيجة التباينات في خطابات شخصياتها، وعدم الاتفاق فيما بينها على أولوية تغيير النظام، أو تقديم رؤية موحَّدة لعقد اجتماعي جديد بل التركيز على تغيير المنظومة السياسية.

  1. عبَّرت الخطابات السياسية عن حسابات الطوائف؛ إذ جاء خطاب البطريرك إلياس الحويك مطابقًا لمعيار تصدُّر الموارنة المسيحيين، في النظام اللبناني، رغم أن خطابه العلني في فرساي، كان يركز على الكيانية اللبنانية، لكن مفهومها، انطلق أساسًا من اعتبار مفكريها، والوفد الذي رافق البطريرك إلى فرساي أنها تعطي الموارنة وطنًا لهم منفصلًا عن الدول العربية ذات الغالبية المسلمة. وهو ما تُرجِم أيضًا في مطالبات البطريرك الحويك أن يكون رئيس الجمهورية من حصة الموارنة المسيحيين. كما تَثَبَّت ذلك نفسه في خطاب البطريرك أنطوان عريضة، الذي كان يُطالب بتمثيل الطوائف بشكل عادل والمساواة بحقوقها “بنسبة أهميتها”؛ مما أكد تمسُّك الموارنة بامتيازات النظام التي سموها ضمانات.

وجاء خطاب “النجادة” يُترجِم أيضًا البُعْد الطائفي، من خلال مطالبة عدنان الحكيم بالمشاركة في الحكم على قاعدة “نص بنص”، بين المسيحيين والمسلمين، وإقامة إحصاء عام للبنانيين لتبيان الأحجام (الطائفية)، رغم أن تأسيس النجادة كان عبر شخصيات سياسية مسيحية رفعت شعار العروبة والوطنية ونبذ الطائفية.

كما اعتمد خطاب “الجبهة اللبنانية” على أساس حماية “ضمانات” المسيحيين الموارنة في النظام السياسي، ورفعوا شعار “التعددية” في خطابهم، أي التمسك بخصوصيات المسيحيين لطرح التقسيم أو الفيدرالية أو الكونفدرالية مقابل مشاريع تغيير أو تعديل النظام السياسي، التي طالبت بها قوى يسارية وسياسية إسلامية، هدفت في جوهرها إلى إلغاء تلك الامتيازات للموارنة في النظام بحسب ما أظهر خطاب “الحركة الوطنية”.

وجاءت خطوة الرئيس رفيق الحريري بشأن وضع قانون الزواج المدني في أدراج مجلس الوزراء لتُعبِّر عن التزامه تجاه الطائفة الإسلامية التي ينتمي إليها؛ إذ رفض عبر دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية إقرار الزواج المدني، “لأنه يتعارض مع الزواج الشرعي الإسلامي”.

  1. أظهرت الخطابات ثوابت سياسية عند قوى وشخصيات لم تُبَدِّل آراءها، بحسب تغيُّر الظروف والمراحل، فبقيت “الحركة الوطنية”، وكمال جنبلاط، يناديان بالعلمانية في النظام اللبناني، ونبذ العصبية الطائفية. كما أصرَّ أطراف “الجبهة اللبنانية” على رفض المسِّ بصلاحيات المسيحيين الموارنة في النظام، أو إجراء تعديلات جزئية لا ترتقي إلى اعتماد المدنية أو العلمانية الشاملة ومنها في الأحوال الشخصية.

وثبَّت الإمام موسى الصدر خطابه حول لبنان وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه، مع مطلب إلغاء الطائفية السياسية، في النظام السياسي، وطرح لبنان دائرة انتخابية واحدة. وهي العناوين ذاتها أيضًا التي تبنَّاها الرئيس نبيه بري، في خطاباته بكل المراحل من دون تغيير. وهو ما جعله يُكرِّر في خطابه الدعوة إلى تنفيذ بند تأليف الهيئة الوطنية لدراسة سبل إلغاء الطائفية السياسية، ووضع قانون انتخابات على أساس لبنان دائرة واحدة، وتأسيس مجلس للشيوخ، وفق مضمون وثيقة الطائف.

كما أن الرئيس إلياس الهراوي لم يتراجع في خطابه، بشأن الالتزام بالدولة المدنية، وعبَّر عن ذلك بتبنِّي موضوع الزواج المدني، وإرسال خطاب إلى مجلس النواب، لحثِّ ممثلي الأمة، على المضي في بند دراسة سُبُل إلغاء الطائفية السياسية.

يتضح من خلال تحليل الخطابات وجود عمق في التباينات اللبنانية، التي عكسها الخطاب السياسي بشكل واضح، في مقاربة المتطلبات بشأن النظام في لبنان، إلى حدِّ الافتراق الجوهري بين أكثر من تيار، بعدما أثبت، أيضًا، تحليل عينة الخطابات بالمفردات والعبارات والسياق والظروف والممارسة، ما يلي:

أن الخطابات السياسية في لبنان التي أسهمت في صنع توجُّهات الجمهور بشأن نظام لبنان السياسي ومقاربة ملف العقد الاجتماعي للجمهورية اللبنانية تتغيَّر بحسب المصالح الخاصة والطائفية وموازين القوى السياسية. فقد زاد مستوى الطائفية في الخطاب السياسي اللبناني نتيجة تعدُّد الخطابات متضاربة المصالح.

– القوى السياسية المسيحية المارونية الفاعلة ترغب عمليًّا (منذ الاستقلال) في بقاء النظام السياسي الذي حفظ النفوذ الماروني تحديدًا، دون تغيير ولا تعديل، توجُّسًا من الأكثرية العددية المسلمة، وتضع التعددية عنوانًا لحفظ ما تبقَّى لها من امتيازات من جهة، وخوفًا من فقدان الدور المسيحي في النظام اللبناني، ومن ثم الوجود من جهة ثانية (الجبهة اللبنانية)، ولكنها تطرح العلمانية الشاملة لا “المجتزأة”، لأنها تعرف أن هذا الطرح غير قابل للصرف عند المسلمين، بدليل احتجاز مشروع الزواج المدني (بعد الطائف) في أدراج مجلس الوزراء. كما تطرح التدرُّج في التعامل مع إلغاء الطائفية السياسية، بدءًا من النفوس، قبل النصوص، أو تأهيل المواطنين وطنيًّا قبل فرض البند الدستوري المتعلق بدراسة إلغاء الطائفية السياسية (الرئيس ميشال عون). وهي مسألة بقيت في إطار الشعارات؛ إذ لم تعمل الشخصيات نفسها، التي طرحت عنوان “النفوس قبل النصوص”، من أجل ترجمة شعارها لا بتثقيف مناصريها ولا بتوليف خطابها السياسي بما يتناسب مع هذا الطرح. كما أن مؤيدي الطائف (سمير جعجع)، يرون أن المشكلة اللبنانية تكمن في أداء المنظومة السياسية وليست في طبيعة النظام الحالي الذي لا يحتاج إلى تغيير.

– القوى السياسية المسلمة تتوزَّع في اتجاهين كما يرى الباحث: فريق يتصدَّره رئيس مجلس النواب، نبيه بري، وهو يريد إلغاء الطائفية السياسية (منذ ما قبل الطائف)، كقناعة وطنية وترجمة لبند دستوري (بعد الطائف)، وفريق آخر يتصدَّره كلٌّ من تيار “المستقبل” و”حزب الله”، على اختلاف أجنداتهما، فيُحبِّذ هذا الفريق فكرة تطوير النظام ويكتفي بما تحقَّق في تطبيق بنود الطائف، ويرى أن “التوافقية” الحالية هي أفضل الممكن.

– أعطت كل الزعامات والقوى السياسية الأولوية لاستمراريتها في مناصبها القيادية والرسمية على حساب مضمون برامجها السياسية، المتعلقة برؤيتها للنظام السياسي. ولم تضع الخطاب المتعلق بالنظام ومتفرعاته أولوية في عملها السياسي الفعلي، منذ نشوء الكيان اللبناني، ولغاية حصول حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

– لم يستطع الرئيس شارل دباس ترجمة خطابه السياسي في الدعوة لاعتماد التجربة الفرنسية العلمانية في الدولة، بسبب رفض البطريركية المارونية ذلك. وعندما جاء خطاب القوى اليسارية التي شكَّلت “الحركة الوطنية”، وعمادها كمال جنبلاط، ليفرض تغيير النظام السياسي اصطدم بالهواجس المسيحية فوقعت حرب أهلية مع قوى “الجبهة اللبنانية”. ولم يستطع خطاب اليسار أن يُغيِّر المعادلات بشكل جذري بسبب الأبعاد الطائفية التي تتحكَّم بالكيان اللبناني، رغم نتائج الحرب، التي أنتجت وثيقة الطائف.

وعندما طرح الإمام موسى الصدر في خطابه مشروع تطوير النظام السياسي اصطدم أيضًا بخطابات الطوائف رغم إقرار بعض طروحاته لاحقًا في وثيقة الطائف. كما أن الرئيس نبيه بري، بحسب الباحث، واظب على المطالبة بتطبيق بنود الطائف، المتعلقة بإصلاحات النظام السياسي ودارسة سُبُل إلغاء الطائفية السياسية ووضع قانون انتخابي موسع وتأسيس مجلس الشيوخ، لكنه اصطدم بمعوقات الطوائف، وخصوصًا المسيحية، التي وضعت قواها السياسية شروطًا (النفوس قبل النصوص) أو اعتبرت ضمنًا شخصياتها الروحية أن تلك الطروحات تستهدف النفوذ الماروني والدور المسيحي في لبنان؛ مما جمَّد العمل في شأن تطوير النظام السياسي في لبنان.

– لم تكن الأحزاب العلمانية فاعلة بشأن فرض خطابها السياسي المتعلق بالعقد الاجتماعي. فاقتصرت مطالباتها على خطاباتها وكأنها أعلنت الاستسلام عمليًّا أمام الحسابات الطائفية، خصوصًا أن غالبية اللبنانيين توزَّعوا في التموضعات السياسية الطوائفية بحسب نتائج الانتخابات النيابية. وإذا كانت القوانين الانتخابية عزَّزت التمثيل الطائفي لا الوطني فإن الأحزاب العلمانية، أو التي تطالب بقانون انتخابي وطني وعصري، عجزت عن فرض القانون الانتخابي المطلوب الذي يُتيح لها تأليف كتلة نيابية وازنة تفرض إجراء تغييرات في النظام السياسي. ولم تستطع تهيئة الأرضية لإجراء متغيرات وطنية جامعة وقادرة على فرض تغيير السلوك الطائفي.

– يُعطِّل الخطاب السياسي، بأبعاده الطائفية أو “المصلحية”، آلية الحكم، عبر تجميد ومنع تنفيذ بنود أساسية في الطائف؛ مما يجعل التأرجح الدستوري هو الغالب بين مشاريع واقتراحات لم تُعتمد، ويجعل حكم لبنان غير ثابت يشبه المراحل الانتقالية.

 

خاتمة

شكَّلت الخطابات السياسية وسيلة تواصل ناجحة بين القوى والشخصيات وجماهيرها، فزاد صاحب الخطاب من تكرار مقولاته وعباراته التي أراد من خلالها أن يؤثر في الجمهور ليصطحبه معه في مشاريعه السياسية المتعلقة بالنظام تحديدًا، والتي غالبًا ما كانت تُعبِّر عن المصالح الفردية والطائفية والمذهبية في سباق سياسي لبناني طويل لم يستقر منذ عام 1919 لغاية عام 2019، وبقيت الطروحات تتوالى في مرحلة تأسيس الكيان والاستقلال، وفي السلم والحرب، وفي الجمهوريتين الأولى والثانية، وكأن القوى السياسية تتوارث الخطاب، جيلًا بعد جيل، فتتغيَّر الأسماء والمراحل وتبقى العناوين السياسية الطائفية هي ذاتها منذ ما قبل الاستقلال.

لقد نجح الخطاب في التعبير عن الرؤى السياسية بشأن النظام اللبناني والتأثير في الجمهور عبر هذه الوسيلة الاتصالية. لذلك، يؤدي الخطاب السياسي في لبنان دورًا أساسيًّا في تحديد المسار اللبناني المطلوب بشأن اجتراح عقد اجتماعي جديد، بعدما أثبت مضمون الخطابات السياسية، موضع الدراسة، أن لبنان أمام خيارات، لاعتماد أحدها:

– إصلاح النظام عبر استكمال تطبيق وثيقة الطائف، وتنفيذ كل الإصلاحات الواردة في تلك الوثيقة، وتثبيت مسار الجمهورية الثانية، بما يتعلق بقانون الانتخابات، وتأسيس مجلس للشيوخ، وإلغاء الطائفية السياسية، واللامركزية الإدارية. وهو الخيار الأسهل، نتيجة تبنِّي الفرقاء السياسيين الأساسيين في طوائفهم لاتفاق الطائف. بينما ينحصر التباين حول كيفية وتوقيت التنفيذ.

– وضع نظام سياسي جديد، في جمهورية ثالثة، لا يقتصر على اللامركزية الموسعة بل يصل إلى الفيدرالية، وهو مستبعد الحصول نتيجة رفض طائفي وسياسي وازن لهذا الطرح وصعوبة تنفيذه بسبب المساحة اللبنانية الجغرافية والديمغرافية التي تتداخل فيما بينها بشكل متزايد.

– استمرار فاعلية الديمقراطية التوافقية بشكل يُبقي الأزمات السياسية اللبنانية قائمة. ويكون اللجوء إلى التسويات المؤقتة كما حدث طوال سنوات الجمهورية الثانية. وتكمن مخاطر هذا الوضع في أنه يُبقي أزمة النظام قائمة تتوارثها الأجيال.