محددات وآليات اشتغال الإعلام الدولي في تغطية الحرب على غزة
تُقَدِّم مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام في العدد الثامن (يوليو/تموز 2026) لقرائها ملفًّا بحثيًّا خاصًّا بأعمال المؤتمر العلمي، الذي عقده مركز الجزيرة للدراسات، وقسم اللغة والثقافة والاتصال بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة حمد بن خليفة، بعنوان: “الإعلام الدولي والحرب على غزة: مُوجِّهات الخطاب وصراع السرديات”، يومي 29 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وقد اهتمَّ الباحثون والأكاديميون، في معظم الدراسات والبحوث التي قُدِّمَت خلال أعمال المؤتمر، بدراسة العوامل المؤثرة في الإعلام الدولي، من خلال رصد مُحَدِّدات إنتاج الخطاب التي تكشف رؤيته وموقفه من الحرب وتطوراتها، للإجابة على سؤال: ما الذي يؤثر في أطروحات هذا الإعلام وفي إنتاج خطاباته؟ كما ركز اهتمام المشاركين في أعمال المؤتمر على البحث في آليات اشتغال الإعلام الدولي في تنظيم بنياته الخطابية، ودراسة المعايير والأطر التي تُحَدِّد اختياره للأحداث وصياغتها، وتمثُّلاته للحرب ومساراتها وهوية الفاعلين فيها. واهتم الباحثون أيضًا بدراسة النماذج الإخبارية وسماتها في تغطية الحرب على غزة ومقارنتها بتغطية الحرب الأوكرانية-الروسية أو الحرب على العراق (1991-2003)، ورصد أشكال الدعاية وتزييف الحقائق للتلاعب بالرأي العام الدولي، وتحليل دور الإعلام الإسرائيلي والمؤسسات الإعلامية الدولية والشبكات الاجتماعية في الحرب، ومعضلة التوفيق بين أخلاقيات المهنة وخدمة الأجندات خلال الحرب. ويعني البحث في هذه الأبعاد (محددات وآليات اشتغال الإعلام الدولي) دراسة منطق الإعلام الدولي وقواعده بما يُسْهِم في إبراز المُوجِّهات التي تؤثر في بنية الخطاب وتكشف مضمراته خلال التغطية، وتحديد الواسمات التي تُبيِّن وجهة نظر مُنْتِج الخطاب إزاء الفاعلين في الحرب وهوياتهم وتصرفاتهم، ورصد مجموع القيم الإخبارية والأطر التي تؤثر في تشكيل السرديات الإعلامية وتنوعها وتنافسها.
وفي هذا السياق، يركز الأكاديمي، نادر داغر، على دراسة السرديات المتناقضة والمتنافسة في التغطية الصحافية التي نشرتها وسائل الإعلام الأميركية لهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة، من خلال الإجابة على هذا الحقل الاستفهامي: كيف قَدَّمَ خطاب الإعلام السائد، وإعلام النشطاء، هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة؟ وما نوع هذا الخطاب وما أُطُرُه؟ وما الذي يُميِّز إعلام النشطاء عن الإعلام السائد في الولايات المتحدة في بناء سرديات الحرب على غزة؟ وكيف تتفاعل هاتان السرديتان من حيث التأثير أو التحدِّي أو التكيُّف مع بنى القوة الجيوسياسية المحلية أميركيًّا والإقليمية والعالمية؟ وتبحث الدكتورة شهيرة بن عبد الله مُحدِّدات تغطية الإعلام الغربي لمبادرات التضامن الإنساني مع غزة، من خلال مبادرة سفينة “مادلين”، في يونيو/حزيران 2025، من أجل كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع. وتهدف الدراسة إلى تقصِّي الجدارة الإخبارية لهذه المبادرة في وسائل الإعلام الغربية الرئيسية، والبحث في مستوى حضور المقاربة الحقوقية الإنسانية في معالجتها، ودراسة تأثير المعتقدات الأيديولوجية والتحالفات الجيوسياسية للقائم بالاتصال في تَمْثِيلها السردي وبنائها الخطابي في التقارير الإخبارية لموقعي “فرانس 24″ و”بي بي سي”. وتقع الدراسة في نقطة تقاطع بين الحرب والإعلام وحقوق الإنسان، وترتكز على مفهوم “التشكيل الميديائي لحقوق الإنسان” انطلاقًا من تَمَثُّلِها للأخبار بنيةً أيديولوجيةً، وحقوق الإنسان بنيةً مرجعيةً إدراكيةً قويةً في المجتمعات الغربية.
وتتقصَّى الدراسة التي أعدَّتها الدكتورة بشرى زكاغ التحولات التي أحدثتها الشبكات الاجتماعية في تَمْثِيل الحروب والنزاعات المعاصرة، انطلاقًا من حالتي الحرب على العراق (1991–2003) وقطاع غزة (2023)، والمقارنة بين خطابات الإعلام الغربي ومنظوره للتغطية الإخبارية في هاتين الحالتين من خلال الإجابة على هذا الحقل الاستفهامي: ما الفارق بين بغداد وغزة وهما تُقْصَفَان في وسائل الإعلام الغربية؟ وهل يعود هذا الفارق إلى عامل زمني فقط أم إلى تحولات تكنولوجية وجيلية أعادت تشكيل المجال الإعلامي العالمي؟ وكيف تمكَّن جيل الشبكيين من تقويض هيمنة السردية الإسرائيلية ودفع الرواية الفلسطينية إلى الواجهة على صعيد عالمي؟ وتبحث دراسة للدكتور لحسن الحسناوي في السِّجِلَّات اللغوية لخطابات الإعلام الغربي والسرديات التي يُنْشِئُها، خلال تغطيته للحروب وظروفها وتطور مساراتها وتداعياتها، وتستقصي التزامَه بتَمْثِيل الواقع الفعلي وحدودَ توظيفه لخدمة أجندات سياسية وجيوسياسية معينة. وتستند الدراسة إلى فرضية أساسية ترى أن الخطاب الإعلامي الغربي يُوظِّف استعمالات لغوية متنوعة تشمل الاستعارات والتصنيفات الانتقائية والمفردات المُشْبَعَة عاطفيًّا وسياسيًّا. كما يستخدم أطرًا إعلامية ثنائية، مثل “الإنسانية” مقابل “التهديد”، و”الضحية الشرعية” مقابل “الضحية المشروطة”.
وتهتم دراسة للدكتور فريد أبوضهير بمقاربة تأثير البيئة السياسية في تغطية الإعلام الإسرائيلي للحرب على غزة، من خلال الإجابة على هذا السؤال المركَّب: ما تداعيات البيئة السياسية، التي نشأت بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على المعالجة الإعلامية للحرب على غزة في الإعلام الإسرائيلي؟ وكيف تأثرت تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية بالبيئة السياسية خلال الحرب على غزة؟ وتتناول الدراسة التي أعدَّها الدكتور إسلام هلال ظاهرةَ تحوُّلِ منصات التواصل الاجتماعي إلى “سلطة قانونية موازية” تُمارِس تأثيرًا يتجاوز نطاق السلطات القانونية الوطنية والدولية التقليدية. وتركز الدراسة على تطبيقات هذه الظاهرة في سياق الحرب التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ حيث برزت أنماط واسعة من تقييد المحتوى المرتبط بالسردية الفلسطينية على مختلف المنصات الرقمية.
وتبحث دراسة للدكتور نصر الدين لعياضي سؤالًا إبستمولوجيًّا حول الطريقة التي يعتقد الباحثون أنهم قادرون من خلالها على معرفة التغطية الإعلامية للحرب على غزة، وكيف يُقَدِّمون هذه المعرفة لقُرَّاء بحوثهم في ضوء نظريات ومفاهيم الدَّرْسِ الإعلامي. ويتلخَّص هذا السؤال في: ماذا قدَّمت بحوث الإعلام عن التغطية الإعلامية للحرب على غزة؟ وكيف أَوَّلَت هذه التغطية؟ وتتقصى الدراسة التي أعدَّتها الأكاديمية وفاء أبو شقرا أداء وسائل الإعلام أثناء النزاعات التي تعصف بالعالم، والدور الذي يمكن أن تقوم به انطلاقًا من قدرتها على التأثير في الجمهور، من خلال تغطياتها للأحداث النزاعية وكيفية استخدامها للمفاهيم والمضامين المرتبطة بحلِّ النزاعات. انطلقت الدراسة من فرضيات ترى أن الإعلام، وعلى مدار التاريخ، كان دائم الصلة بالنزاعات والصراعات والحروب ومُؤَجِّجًا لها، وأن قدرته على المساهمة في تهدئة النزاعات وحلِّها محدودة جدًّا، باعتبار أن وسائل الإعلام كيانات غير مستقلة، وهي تَتْبَع، بغالبيتها، لجهات فاعلة، محلية أو إقليمية أو دولية، وتتعامل مع أي نزاع تبعًا لأجندات المُمَوِّلِين ومصالح الجهات التي ترتبط بها. وتبحث دراسة للدكتور عبد الله بخاش سرديات الدعاية الإسرائيلية وتحولاتها وإستراتيجياتها في الحرب على غزة في الفترة الممتدة بين 2008 و2025، من خلال تحليل نوعي من المستوى الثاني للدراسات العلمية التي تناولت خمس حروب كبرى، وهي “الرصاص المصبوب” (2008–2009)، و”عمود السحاب” (2012)، و”الجرف الصامد” (2014)، و”حارس الأسوار” (2021)، و”السيوف الحديدية” (2023-2025). وتستكشف الدراسة تحولات الدعاية الإسرائيلية عبر مقاربة أربعة مداخل: السرديات المركزية، والسياقات السياسية، والوسائط الاتصالية، والجماهير المستهدفة.
وفي زاوية “المعجم الإعلامي الحديث”، يُشارك الدكتور محمد أحمد إبراهيم بمادة علمية مساهِمًا في بناء لبنات هذا المعجم الذي يُمثِّل إسهامًا معرفيًّا لمركز الجزيرة للدراسات في صناعة معجمية تُحقِّق التراكم المعرفي الإعلامي. وتزداد أهمية هذا المشروع بوصف هذه الصناعة وسيطًا علميًّا يُوثِّق الصلة بمجال اشتغاله، ويُكْسِب المتلقي وعيًا عميقًا بالكيفية التي يُعَبِّر بها النسق المعجمي عن صيرورة الظواهر والقضايا الإعلامية التي يُعالجها من خلال البحث في أصول الكلمات وتَشَكُّل المصطلحات وبلورة المفاهيم واستقصاء تطورها التاريخي.
ويُقدِّم الأكاديمي محمد أوريا قراءة في كتاب: “ترخيص بالقتل. غزة: إبادة جماعية، إنكار وهسبارا”، للباحث الفرنسي المتخصص في الجيوبوليتيك، باسكال بونيفاس. ويسعى هذا التحليل إلى تفكيك الآليات السياسية والإعلامية والقانونية المنتجة لـ”ترخيص ضمني” يمنح إسرائيل الإفلات من العقاب في حربها على غزة. يعتمد الكتاب على ثلاث ركائز: الإفلات الدبلوماسي (عبر الفيتو الأميركي)، والإفلات الإعلامي (عبر إستراتيجية “الهسبارا”)، والإفلات المعياري (عبر تطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي). ورغم قوة أطروحته في فضح التناقض الأخلاقي الغربي (يبكي أوكرانيا ويتجاهل غزة)، وصياغة مفاهيم تحليلية مؤثرة، إلا أن الكتاب يُعاني بعض الثغرات الإبستمولوجية مثل غياب التحليل الاقتصادي-السياسي، وإهمال الجيوسياسية الإقليمية. ويخلص التحليل إلى أن الكتاب ينجح في طرح السؤال الوجودي الأعمق حول انهيار الضمير الإنساني، ويبقى أداةً فكرية ضرورية في زمن التطبيع مع الإبادة.
وفي نافذة الرسائل الجامعية، تبحث أطروحة الباحث عباس ضاهر، بعنوان “محددات الخطاب السياسي اللبناني في الجمهوريتين الأولى والثانية: كيف يقارب المتطلبات لاجتراح عقد اجتماعي جديد؟”، سؤالًا إشكاليًّا حول شروط وسياقات إنتاج الخطاب السياسي لإضفاء الشرعية على سياسات النظام السياسي: إذا كانت إحدى أهم وظائف الخطاب السياسي، بعامة، المشاركة في التأثير على صنع القرار السياسي في أي بلد في العالم، فكيف يستخدم السياسيون اللبنانيون الخطاب السياسي، في أبعاده البراغماتية والسياقية، لإنتاج خطاب يُضفي الشرعية على سياسات النظام السياسي أو يُؤسِّس لتغييرها؟ ويتفرَّع عن هذا السؤال الإشكالي عدد من القضايا يمكن إجمالها في هذا الحقل الاستفهامي: أين تكمن أهمية الخطاب السياسي في توجيه الجماهير؟ وكيف تقلَّبت مفاهيم الخطاب السياسي بين 1919 و2019؟ وما دور الخطاب السياسي في الأزمات التي عاشها لبنان؟ وهل استولدت الطائفية السياسية خطابًا تسويقيًّا للنظام؟ وهل راعى الخطاب المسؤولية الوطنية طيلة عمر “لبنان الكبير”؟ ومتى وكيف تتمظهر الاستمالات في الخطاب اللبناني؟ ومتى وكيف أشار الخطاب السياسي اللبناني إلى الصيغة التي قام على أساسها لبنان؟ وهل يُسْهِم الخطاب السياسي اللبناني في التحضير لوضع عقد اجتماعي جديد؟
ويناقش الباحث عبد الرحيم بلشقار بنعلي في رسالته المعنونة بـ”حقوق النشر والتأليف الصحفي في زمن الذكاء الاصطناعي: تحديات الواقع ورهانات الحماية”، ظاهرة سرقة حقوق النشر الصحفي في العصر الرقمي، من خلال تحليل تجلياتها ومظاهرها وأشكالها المختلفة، واستكشاف العوامل المساهمة في انتشارها، سواء كانت قانونية أو تقنية أو ثقافية، في سياق المشهد الإعلامي المغربي. كما يهدف البحث إلى تقييم مدى ملاءمة الإطار القانوني لمواجهة هذه الظاهرة، والوقوف عند حدود فاعليته، واقتراح بعض السبل الكفيلة بالحدِّ منها وتعزيز حماية حقوق المُؤَلِّف في المجال الصحفي. ويتفرَّع عن هذه الإشكالية عدد من القضايا تتلخص في: ما حجم ظاهرة سرقة المقالات الصحفية واستنساخها وإعادة نشرها باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟ وما مدى امتدادها؟ وما سمات المقالات الصحفية المسروقة التي يُعاد نشرها باستخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي؟ وما أكثر الأجناس الصحفية التي تتعرَّض لظاهرة السطو والسرقة والاستنساخ؟ وكيف تتعامل المواقع الإخبارية الرصينة مع هذه الظاهرة الجديدة؟ وهل القوانين الحالية، وعلى رأسها قانون حقوق المُؤَلِّف، توفر حماية قانونية فعَّالة أم توجد بها ثغرات؟