ملخص:
تبحث الدراسة في السِّجِلَّات اللغوية لخطابات الإعلام الغربي والسرديات التي يُنْشِئُها، خلال تغطيته للحروب وظروفها وتطور مساراتها وتداعياتها، وتستقصي التزامَه بتَمْثِيل الواقع الفعلي وحدودَ توظيفه لخدمة أجندات سياسية وجيوسياسية معينة. وتستند الدراسة إلى فرضية أساسية ترى أن الخطاب الإعلامي الغربي يُوظِّف استعمالات لغوية متنوعة تشمل الاستعارات والتصنيفات الانتقائية والمفردات المُشْبَعَة عاطفيًّا وسياسيًّا. كما يستخدم أطرًا إعلامية ثنائية، مثل “الإنسانية” مقابل “التهديد”، و”الضحية الشرعية” مقابل “الضحية المشروطة”. وتُحلِّل الدراسة عينة قصدية من خطابات الإعلام الغربي، خلال الحرب الروسية-الأوكرانية (2022) والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023)، باعتماد مقاربة مقارنة تستند إلى التحليل النقدي للخطاب، وتستعين أيضًا بمفهوم “الهيمنة الثقافية” لتفكيك الكيفية التي تُنْتِج بها السرديات الإعلامية تَمْثِيلات غير متكافئة للذات والآخر. وتكشف المقارنة عن ازدواجية عميقة في بنية هذه الخطابات؛ إذ اعتمدت التغطية في سياق الحرب الروسية-الأوكرانية أُطُرًا إعلامية ترتبط بمبادئ القانون الدولي وإرث الصراع الأيديولوجي في الحرب الباردة، وهي تُقَدِّم أوكرانيا بوصفها ضحية تستحق الدعم غير المشروط. أما في سياق الحرب على غزة، فقد غلب الصمت النسبي أو التأييد الضمني، لاسيما في المراحل الأولى من الحرب، مع تجاهل متعمد للسياق التاريخي للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ولأبعاده الاستيطانية. وتخلص الدراسة إلى أن هذه الازدواجية تُحوِّل وسائل الإعلام الغربية إلى أدوات دعائية فعَّالة تستخدمها النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية الغربية لخدمة مصالحها الجيوسياسية، من خلال التأثير في الرأي العام عبر التلاعب بالحقائق، وتشويه المفاهيم، وإقصاء السياقات التاريخية والمحلية للصراعات والحروب. وفي الوقت ذاته، تُبْرِز الدراسة دور التوسع الرقمي وتنوع المنصات الإعلامية في السنوات الأخيرة في تحدي هيمنة الخطاب الإعلامي الغربي في تغطية الصراعات والحروب، من خلال ظهور روايات مضادة قوية أسهمت في إعادة تشكيل التعددية في الرؤية حول هذه الصراعات والحروب، وعزَّزت إمكانية الوصول إلى منظورات بديلة.
كلمات مفتاحية: الخطاب الإعلامي الغربي، الحرب الروسية-الأوكرانية، الحرب على غزة، ازدواجية المعايير، الإعلام الرقمي.
Abstract:
This study examines the linguistic registers of Western media discourse and the narratives it constructs in its coverage of wars—their conditions, trajectories and repercussions. It probes the extent of this discourse’s commitment to representing lived reality, as well as the limits of its instrumentalisation in service of specific political and geopolitical agendas. The study is grounded in a central hypothesis: that Western media discourse deploys a range of linguistic strategies, including metaphor, selective categorisation, and emotionally and politically charged vocabulary. It also relies on binary framing devices such as “humanitarianism” versus “threat”, and “legitimate victim” versus “conditional victim”. The study analyses a purposive sample of Western media discourse during the Russia-Ukraine war (2022) and the Israeli war on the Gaza Strip (2023), adopting a comparative approach rooted in critical discourse analysis. It also draws on the concept of “cultural hegemony” to unpack how media narratives produce unequal representations of the self and the other. The comparison reveals a deep duality in the structure of these discourses. Coverage of the Russia–Ukraine war relied on frames tied to principles of international law and the ideological legacy of the Cold War, presenting Ukraine as a victim deserving of unconditional support. In contrast, coverage of the war on Gaza was marked, particularly in its early stages, by relative silence or implicit endorsement, alongside a deliberate neglect of the historical context of Israel’s occupation of Palestinian territories and its settler-colonial dimensions. The study concludes that this duality effectively turns Western media into powerful instruments of propaganda, utilised by Western political, military and economic elites to advance their geopolitical interests. This occurs through shaping public opinion by manipulating facts, distorting concepts and excluding the historical and local contexts of conflicts and wars. At the same time, the study highlights the role of digital expansion and the proliferation of media platforms in recent years in challenging the dominance of Western media discourse, through the emergence of strong counter-narratives that have helped reintroduce pluralism into perspectives on these conflicts and expanded access to alternative viewpoints.
Keywords: Western Media Discourse, Russia-Ukraine War; War on Gaza, Double Standards, Digital Media.
مقدمة
يشهد العالم المعاصر صراعات مسلحة معقَّدة تتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية لتشمل حروبًا سردية تتشكَّل عبر الخطابات الإعلامية والسياسية، التي تؤثر بشكل عميق في الرأي العام العالمي. هذه السرديات غالبًا ما تكون انتقائية، تخدم مصالح جيوسياسية وثقافية بدلًا من أن تعكس الحقائق الميدانية. فالعلاقة بين الإعلام والحرب تمتد في التجربة الإنسانية؛ إذ يُعَد الإعلام فاعلًا محوريًّا في ظروف الحرب، فلا يقتصر دوره على نقل أحداث التدمير فحسب، بل يتغلغل في الأذهان ليُشَكِّل القناعات والأحكام والتصورات عن الواقع. وقد عبَّر نابليون بونابرت عن هذه القوة بقوله: “إن أربع صحف معادية تُحْدِث ضررًا يفوق ما يُسَبِّبُه مئة ألف جندي في حملة عسكرية”(1).
في هذا السياق، برز الخطاب الإعلامي الغربي أداةً مركزيةً لِشَرْعَنَة التدخلات العسكرية للدول الغربية. فقد استثمر الهيمنة الثقافية والتفوق التكنولوجي لصياغة روايات تُبَرِّر السياسات الخارجية لهذه الدول، وتُسوِّق للرأي العام العالمي شرعية تدخلاتها العسكرية في مناطق عديدة من العالم بذرائع مختلفة، مثل “محاربة الإرهاب”، و”الدفاع عن قيم الديمقراطية والحرية”، أو الدفاع عن “الروح الغربية” كما ذكر إدوارد سعيد في كتابه: “الثقافة والإمبريالية”(2). لكن الحرب الروسية-الأوكرانية (فبراير/شباط 2022)، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2023)، كشفت تناقضًا صارخًا في خطابات الإعلام الغربي. فبينما تبنَّت هذه الخطابات روايات تستند إلى مبادئ القانون الدولي، وتنهل من سرديات الحرب الباردة التي جسَّدت الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي لدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، أبدت صمتًا وتأييدًا للحرب على غزة، خاصة في الأيام الأولى. فقد اعتمد الإعلام الغربي أُطُرًا إخبارية منحازة لإسرائيل، مُبَرِّرًا الحرب في تحدٍّ واضح للسياق التاريخي لهذا الصراع، الذي يتمثَّل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحوُّلًا ملحوظًا في هيمنة الخطاب الإعلامي الغربي وتغطيته للحروب والصراعات بسبب ظهور روايات إعلامية مضادة. فقد أبرز التوسع الرقمي، وتنوع منصات الإعلام، كيف يتم تَمْثِيل أطراف الصراع والضحايا في الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب على غزة، بشكل متفاوت بناء على اعتبارات سياسية وثقافية وإستراتيجية.
وهنا، تكمن أهمية الدراسة في الكشف عن توظيف الإعلام الغربي لسجلٍّ لغوي وأُطُر إعلامية مزدوجة في تغطيته لهاتين الحربين. فالهدف لا يقتصر على تشكيل الرأي العام العالمي بل يتجاوز ذلك إلى التأثير في تطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي؛ إذ في الوقت الذي تُحَمَّل فيه روسيا المسؤولية عن الحرب الأولى، تعمل وسائل الإعلام الغربية ذاتها على تبرئة إسرائيل من المسؤولية الدولية عن الحرب على غزة، متجاهلة ضرورة تطبيق القانون الدولي في حقِّها. ويعكس هذا التناقض استمرار هيمنة النزعة المركزية الغربية، التي تقوم على تقسيم العالم إلى أمم “متحضرة” ممثلة في الدول الغربية التي تحتكر السلطة الأخلاقية لتطبيق القانون الدولي، وأخرى “بربرية” محرومة من تطبيقه(3).
تتناول الدراسة سؤالًا إشكاليًّا مركَّبًا يتَمَثَّل في: كيف يصوغ الخطاب الإعلامي الغربي سرديات الحروب المعاصرة؟ وهل تعكس هذه السرديات الحقائق أم تُسْتَخْدَم لخدمة أجندات سياسية وثقافية؟ وتتفرَّع عن هذا السؤال الإشكالي المركَّب قضايا تُحيط بتناقضات خطاب الإعلام الغربي: كيف يختلف تَمْثِيل الحرب الروسية-الأوكرانية عن الحرب على غزة في التغطية الإعلامية الغربية؟ ما الإستراتيجيات اللغوية والسردية والبصرية المستخدمة لتشكيل تصورات “الضحية” و”العدو”؟ كيف تؤثر هذه السرديات في الرأي العام والسياسات الدولية؟ وما تأثير الإعلام الرقمي في خطاب الإعلام الغربي بشأن هاتين الحربين؟
وتفترض الدراسة أن الخطاب الإعلامي الغربي في تغطية الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب على غزة، يستخدم إستراتيجيات وأساليب لغوية (مثل الاستعارات والمصطلحات الانتقائية) وأطرًا إعلامية (مثل الإنسانية مقابل التهديد) لتَمْثِيل الأوكرانيين بوصفهم “ضحايا شرعيين”، والفلسطينيين بوصفهم “ضحايا مشروطين”، أي ضحايا يخضع تَمْثِيلُهم لشروط سياسية وثقافية. ويؤدي هذا التفاوت إلى رأي عام منحاز يدعم التدخل لمساعدة الأوكرانيين في مواجهة روسيا، ويُبَرِّر التقاعس في مواجهة الحرب على غزة. كما تفترض أن السرديات المضادة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تكشف هذه التناقضات وتُعَزِّز خطابًا بديلًا يدعو إلى العدالة الاجتماعية وتطبيق القانون الدولي.
وخلافًا للدراسات السابقة التي ركزت على التحيزات الإعلامية في سياق صراع واحد، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم تحليل مقارن للسرديات الإعلامية الغربية في الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب على غزة، مع دمج منظور نقدي يربط الآليات اللغوية بالسياقات السياسية والثقافية. ويُبْرِز البحث دور الإعلام الرقمي في تعزيز السرديات المضادة، مما يوفر رؤى جديدة حول ديناميكيات القوة في الخطاب العالمي. وتستند الدراسة إلى التحليل النقدي للخطاب وفق مقاربة نورمان فيركلوف (Norman Fairclough)، التي تربط النص بالممارسة الخطابية والممارسة الاجتماعية. فعلى مستوى النص يتم تحليل التركيب المعجمي، وأنماط التسمية، وإستراتيجيات الحذف والتضمين، بهدف كشف آليات إسناد المسؤولية أو إخفاء وإعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين. أما على مستوى الممارسة الخطابية، فيتم دراسة آليات إنتاج الخبر وانتقاء المصادر وبنية التأطير؛ مما يكشف أساليب اختيار وبناء السردية الإعلامية. وفي المستوى الثالث، أي الممارسة الاجتماعية، يربط الخطاب بسياقه الجيوسياسي والأيديولوجي لفهم كيفية إعادة بناء المعرفة بالحروب وخدمة تمثُّلات محددة وإعادة إنتاج علاقة القوة داخل النظام الدولي.
وتستعين الدراسة بمفهوم الهيمنة الثقافية عند إدوارد سعيد لتفكيك الكيفية التي تُنْتِج بها التغطية الإعلامية تمثُّلات غير متكافئة للذات والآخر. فالخطاب، وفق هذا المنظور، ليس ناقلًا محايدًا للواقع بل ممارسة رمزية تُعيد إنتاج مركزية غربية تُعَرِّف نفسها معيارًا للحضارة والعقلانية مقابل تَمْثِيل الآخر ضمن قوالب نمطية تربطه بالعنف أو اللاعقلانية. ومن خلال تتبُّع أنماط الوصف، واستدعاء الخلفيات التاريخية، وانتقاء الصور والسرديات، يتسنَّى تفكيك السردية التي تُشَرْعِن اختلال موازين القوى وتُضفي شرعية أخلاقية انتقائية على بعض الحروب دون سواها.
تتألَّف العيِّنة القصدية للدراسة من ستين مقالة نُشِرَت في وسائل إعلام غربية رئيسة ومؤثرة، منها صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times)، و”الواشنطن بوست” (The Washington Post)، وقناة “سي أن أن” (CNN)، و”فوكس نيوز” (Fox News)، و”الغارديان” (The Guardian) و”بي بي سي” (BBC). وتشمل الفترة الزمنية للعينة بداية الحرب الروسية-الأوكرانية، في 24 فبراير/شباط 2022، ثم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 في سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حتى نهاية 2025، مع التركيز على الأشهر الأولى لكل نزاع لتحديد الأطر الإعلامية الأولية. وقد تمَّ اختيار المقالات وفق معايير موضوعية تشمل الانتشار الواسع، والتنوع في الموضوعات، مثل الضحايا المدنيين واتهامات جرائم الحرب، والروايات السياسية، وتوافرها عبر المنصات الرقمية للصحف والقنوات الإخبارية المعنية.
- محددات نظرية لدراسة التغطية الإعلامية للحروب
اكتسبت دراسة التغطية الإعلامية للحروب والصراعات في العصر الحديث أهمية بالغة، نظرًا للتطورات المتسارعة التي شهدتها وسائل الإعلام، وجعلتها تؤدي دورًا محوريًّا في تشكيل وتوجيه الرأي العام، والتأثير في صياغة السياسات الخارجية للدول. لهذا تركز الأدبيات العلمية المعاصرة على تحليل التغطية الإعلامية للحروب والصراعات من خلال محورين أساسيين(4)؛ الأول: مدى استقلالية الإعلام وحرية الممارسة المهنية خلال أوقات الحرب، والثاني: آليات تَمْثِيل الحروب وكيفية بناء السرديات الإعلامية المرتبطة بها.
1.1. الإعلام في الحرب بين الهيمنة والتوجيه
لدراسة الإعلام في ظروف الحرب، تَبْرُز ثلاثة نماذج نظرية تفسيرية أساسية: يركز النموذج الأول على هيمنة الإعلام على السياسة، ويؤكد النموذج الثاني سيطرة السياسة على الخطاب الإعلامي، فيما يُظْهِر النموذج الثالث الاعتماد المتبادل بين الإعلام والسياسة، مشيرًا إلى ديناميكية العلاقة بينهما.
أ- نموذج هيمنة الإعلام واستقلاله
برز نموذج “هيمنة الإعلام” إطارًا تحليليًّا في دراسات الاتصال السياسي خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، تزامنًا مع التوسع السريع لوسائل الإعلام الجماهيرية، وخاصة التليفزيون. وقد اكتسب هذا النموذج زخمًا كبيرًا مع التطور التكنولوجي لوسائل الاتصال التي ساعدت على ظهور شبكات الأخبار العالمية التي أدخلت مفهوم التغطية الإخبارية المباشرة للحروب والصراعات، مثل “سي أن أن”. لذلك ارتبط بروز هذا النموذج بشكل وثيق بمصطلح “تأثير سي أن أن”، الذي ظهر خلال حرب الخليج الثانية، عام 1991؛ إذ لُوحِظ أن التغطية المباشرة للقنوات التليفزيونية لأحداث هذه الحرب أثَّرت في تصورات الجمهور والضغط على صانعي السياسات(5). وهنا، لم يَعُد الإعلام في المجتمعات الحديثة، وفقًا لأولريش ساكسر (Ulrich Saxer)، مجرد ناقل للمعلومات والأخبار بل أصبح ظاهرة اجتماعية شاملة تؤثر في جميع جوانب الحياة الفردية والجماعية أي بات يُشكِّل إطارًا أساسيًّا لإنتاج المعنى الثقافي وإعادة إنتاجه(6).
ويعتمد نموذج قوة الإعلام على مجموعة من الافتراضات الأساسية التي تُبْرِز الدور المتزايد لتأثير وسائل الإعلام في السياسة وصناعة القرار. وأول هذه الافتراضات هو هيمنة ما يُعْرَف بـ”منطق الإعلام”، الذي يفرض على السياسيين وصانعي السياسات التكيُّف مع آليات عمل الإعلام التي تركز على إنتاج محتوى جذاب، وسريع التداول، ومبسط في كثير من الأحيان، بهدف ضمان الظهور الإعلامي. وهذا ما قد يؤدي إلى تَشَكُّل الأجندة السياسية بناء على متطلبات التغطية الإعلامية وليس على أسس سياسية موضوعية(7). ويُظْهِر هذا النموذج الإعلامَ وسيطًا قويًّا يُوجِّه الرأي العام، ويدفع السياسيين إلى الاستجابة لضغوط الجمهور المتأثر بالتغطية الإخبارية. ويُشير العديد من الدراسات إلى أن التغطية التليفزيونية، ولاسيما ما يُعرف بـ”تأثير سي أن أن”، تمتلك قدرة كبيرة على التأثير على عملية صنع القرار السياسي، من خلال تقديم صورة بصرية مؤثِّرة تسلط الضوء على “المعاناة الإنسانية”. وهو ما يدفع الحكومات إلى التدخل في “الأزمات الإنسانية”. لذلك عَدَّ الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق، بطرس بطرس غالي، شبكة “سي أن أن” العضو السادس عشر بمجلس الأمن الدولي(8). وفي هذا السياق، أشار لورانس فريدمان (Lawrence Freedman) إلى أن التدخلات العسكرية الغربية في كلٍّ من حرب الخليج الثانية، والصومال (1994)، وكوسوفو (1998)، جاءت نتيجة تسليط الإعلام الضوء على “المعاناة الإنسانية” التي رافقت هذه الأزمات؛ الأمر الذي ولَّد ضغوطًا من الرأي العام على صانعي القرار السياسي لاتخاذ قرار التدخل العسكري فيها(9).
ورغم وجاهة بعض الافتراضات التي قام عليها هذا النموذج فقد تعرَّض للعديد من الانتقادات؛ إذ بالغ في قوة الإعلام واستقلاليته؛ إذ إن الاعتراف بتأثير الإعلام لا يعني الإيحاء بأن وسائل الإعلام تُحَدِّد جوهر السياسة، أو تُسيطر على العملية السياسية، بما في ذلك اتخاذ قرارات الحرب(10). فهذه العملية تتأثر بمجموعة من العوامل، أهمها المصالح الإستراتيجية والاقتصادية(11). ولذلك فإن تفسير التدخلات العسكرية الغربية في العديد من الأزمات الدولية وتبريرها بعامل المعاناة الإنسانية لا يتَّسق مع الوقائع الدولية. فقد كانت المصلحة القومية للدول الغربية، ومصالح شركاتها مُحَرِّكًا أساسيًّا لهذه التدخلات، في حين استُخدمت المعاناة الإنسانية غطاءً لتبريرها. وهذا السلوك لا يعدو أن يكون استمرارًا لما أسماه هوغو جروتسيو (Hugo Grotius) قديمًا “قانون الغنيمة”؛ إذ كانت الرغبة في الاستيلاء على موارد وثروات الشعوب الأخرى تتستر دائمًا خلف قناع “نشر الحضارة”، في الأراضي “البربرية” أو “الهمجية”. ومن هنا يتضح استمرار استخدام الحجج ذاتها -“التدخل الإنساني”- أداةً لتوسيع الهيمنة الغربية على مناطق وحضارات أخرى في العالم(12).
ب- سيطرة السياسة على الخطاب الإعلامي
يفترض نموذج هيمنة السياسة على الإعلام أن النخبة السياسية تمتلك سيطرة شبه كاملة على صياغة الخطاب الإعلامي وتوجيهه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال إستراتيجيات مثل “إدارة التصورات”. وفي هذا السياق، تَبْرُز فرضية “التوجيه أو الفهرسة” التي طرحها لانس بينيت (W. Lance Bennett)، والتي تؤكد أن الإعلام يميل إلى مواءمة أخباره مع النقاشات الحكومية متجاهلًا الرأي العام؛ مما يجعله تابعًا للمصالح المؤسسية ومُعَبِّرًا عن آراء النخب أكثر، بدلًا من كونه قوة مستقلة(13).
وتظهر هذه الهيمنة في التدخلات العسكرية الأميركية والفرنسية في العديد من المناطق مثل فيتنام، وغرينادا، وأفغانستان والعراق (1991-2003) وإفريقيا. ويشير باري غان (Baary Gan) إلى أن هذه الحروب ما كانت لتحظى بالدعم لولا تَسَيُّس وسائل الإعلام، التي روَّجت لروايات السلطة السياسية وأهملت الأصوات المعارضة(14)، وهو ما يُبَرِّره الصحفيون بحجة الولاء للوطن(15). على سبيل المثال، أسهمت المعلومات المُضَلِّلَة حول امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، عام 2003، في خلق دعم شعبي لحرب كانت غير مقبولة سابقًا؛ إذ أدَّت وسائل الإعلام دورًا محوريًّا في تأطير التدخل العسكري الأميركي ضمن “الحرب العالمية على الإرهاب”(16). وبالمثل ركَّز الإعلام الفرنسي في تغطية التدخلات العسكرية الفرنسية في إفريقيا على تعزيز الرواية الرسمية التي تُقدِّم هذه العمليات “تدخلات إنسانية” لمحاربة الجماعات الإرهابية، بينما يتم تهميش الانتقادات المتعلقة بالنيوكولونيالية والمصالح الاقتصادية(17).
منذ حرب فيتنام، اتسمت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والإعلام بتزايد احترافية التوجيه الإعلامي. وبعد عام 2001، أصبح الإعلام يُسْتَخْدَم أحيانًا أداة في الصراع بدلًا من كونه وسيطًا محايدًا، مع انتقال السيطرة من الجيش إلى السياسيين في حرب العراق، عام 2003، مما عزَّز “فهرسة التغطية الإعلامية” وفق أولويات النخب السياسية(18).
ومع تطور التكنولوجيا، اكتسبت هيمنة السياسة على الإعلام أبعادًا جديدة في العصر الرقمي. فبينما توفر وسائل التواصل الاجتماعي فضاء أوسع للتعبير، أصبحت أيضًا أداة للتلاعب بالرأي العام عبر نشر المعلومات المغلوطة؛ إذ تستغل الجهات السياسية خوارزميات هذه المنصات لخلق “غرف الصدى” (Echo Chambers) و”فقاعات التصفية” (Filter Bubbles)؛ مما يُعزِّز الاستقطاب ويُسَهِّل فرض الأجندة(19). ويواجه هذا النموذج انتقادات تُبْرِز تبسيطه لدور الإعلام بوصفه مجرد ناقل سلبي للأخبار والمعلومات، متجاهلًا قدرته على القيام بأدوار رقابية أو توفير منبر للمساءلة.
ج- الإعلام والسلطة: اعتماد متبادل
يفترض نموذج الاعتماد المتبادل بين السياسة والإعلام وجود علاقة تبادلية تتسم بالتكامل والتفاعل الديناميكي؛ إذ تتشكَّل البنية الإعلامية للواقع نتيجة تفاعل معقَّد بين الفاعلين السياسيين ووسائل الإعلام. وفي هذا النموذج، لا يتمتع أي من الطرفين بالسيطرة المطلقة على الآخر بل يتشاركان في عملية بناء الخطاب العام بناءً على ديناميكيات القوة والتأثير المتبادل(20).
ويُثير هذا الإطار النظري تساؤلات جوهرية حول العوامل التي تُحَدِّد هذه التفاوتات في العلاقة بين السياسة والإعلام. فالتفاعلات والتغذية الراجعة في هذا النظام معقَّدة للغاية؛ إذ يتفاعل الصحفيون والسياسيون مع مراعاة طرف ثالث في الحسبان، وهو الجمهور (الرأي العام) الذي لم يَعُد متلقِّيًا سلبيًّا بل فاعلًا نشطًا يؤثر في دينامية التواصل من خلال اختياراته الانتقائية للمعلومات وتفسيراته المستقلة للمحتوى الإعلامي. ويسعى الفاعلون السياسيون إلى توجيه النقاشات العامة من خلال إستراتيجيات، مثل تقديم المعلومات أو حَجْبِها، وبناء أجندة إعلامية، وتأطير الأحداث لتشكيل التصورات العامة، وتَثْبِيت آرائهم في وسائل الإعلام. وفي المقابل، تُمارِس وسائل الإعلام تأثيرًا مماثلًا من خلال اختيارها المستقل للمعلومات، وتحديد الأجندة، والتأطير، بالإضافة إلى تقديم تعليقات نقدية على السياسات العامة بما في ذلك السياسات المتعلقة بالحروب(21).
وهنا، يظهر نظام مترابط ثلاثي الأضلاع (السياسة، والإعلام، والرأي العام) يتسم بالتفاعل والتعقيد، متجاوزًا النماذج التقليدية التي تفترض إما هيمنة الإعلام أو هيمنة السياسة. ويُسلِّط هذا النظام الضوء على أهمية السياقات الظرفية، مثل طبيعة الصراع، والديناميات السياسية، والمعايير المهنية للصحافة. ومن ثم يُقدِّم نموذج (الاعتماد المتبادل) إطارًا نظريًّا أكثر شمولية من النماذج السابقة؛ إذ يعترف بالطبيعة التفاعلية والسياقية للعلاقة بين الإعلام والسياسة، مما يُتِيح فهمًا أعمق لكيفية تَشَكُّل الخطاب العام في سياقات الحروب والصراعات؛ حيث تتداخل العوامل السياسية والإعلامية والثقافية لتحديد طبيعة التغطية الإعلامية وتأثيرها.
1.2. التغطية الإعلامية للحرب: ترتيب الأجندة والتأطير الإخباري
تعدَّدت النظريات التي سعت إلى فهم وتحليل التغطية الإعلامية للحروب والصراعات، نظرًا لتأثيرها العميق في تشكيل الرأي العام وتوجيه الانتباه العالمي. ومن أبرز هذه النظريات نظرية ترتيب الأجندة التي تُفَسِّر كيف يُحَدِّد الإعلام أولويات الجمهور، ونظرية التأطير الإخباري التي توضح كيف تؤثر آليات تقديم الأخبار في تشكيل التصورات المعرفية للمتلقين. غير أن تطور الإعلام الرقمي أثار تحديات معقَّدة تواجه الافتراضات النظرية التي تقوم عليها هذه النظريات.
أ- ترتيب الأجندة وتوجيه الرأي العام
ترجع أصول نظرية ترتيب الأجندة إلى الباحث والتر ليبمان (Walter Lippmann) في كتابه: “الرأي العام” الذي ظهر في عشرينات القرن الماضي. وتقوم فرضيتها الأساسية على وجود علاقة طردية إيجابية بين درجة الإبراز التي تمنحها وسائل الإعلام لقضية ما، من خلال حجم التغطية وتكرارها وأوَّليتها في العرض، وبين مستوى إدراك الجمهور لأهمية تلك القضية وتركيزه عليها. وتُعرَّف النظرية بأنها عملية نقل أهمية القضايا من أجندة الإعلام إلى أجندة الجمهور؛ إذ يقوم الإعلام الإخباري بإبراز قضايا محددة بوصفها ذات أهمية قصوى من خلال اختياره اليومي للمواضيع وعرضها بشكل بارز؛ مما يجعلها محور الاهتمام العام والتفكير، ويُحَفِّز ردود الفعل من الجمهور والحكومة والجهات المعنية(22).
وتُعَد دراسة ماكسويل ماكومبس (Maxwell McCombs) ودونالد شو (Donald Shaw) من الدراسات التأسيسية التي أُجْرِيَت خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية، عام 1968، ودعَّمت هذه النظرية تجريبيًّا. فقد أظهرت أن وسائل الإعلام تؤدي دورًا حاسمًا في تحديد القضايا التي يركز عليها الناخبون؛ مما يؤثِّر في الأهمية النسبية لهذه القضايا في أذهانهم. وجدت الدراسة علاقة ارتباط قوية بين التركيز الإعلامي على قضايا الحملة وتصورات الناخبين حول أهميتها؛ مما يُعَزِّز فكرة أن الإعلام يُحَدِّد “ما يُفَكِّر فيه الجمهور” أكثر مما يُوجِّه نحو “ما يُفَكِّر به”(23). ووفقًا لهذه النظرية، تُمارِس وسائل الإعلام تأثيرًا متدرجًا ومنظمًا على ترتيب أولويات الجمهور من خلال مستويين نظريين متمايزين. يتمثَّل المستوى الأول في نقل أهمية القضايا من أجندة الإعلام إلى أجندة الجمهور؛ إذ يُحَدِّد حجم التغطية وكثافتها وتكرارها ودرجة بروزها في عرض القضايا التي يُدركها الجمهور بوصفها أكثر أهمية نسبيًّا؛ مما يؤثر مباشرة في ترتيب أولويات الاهتمام العام والنقاش الجماعي(24). أما المستوى الثاني فيتعلق بنقل أهمية السمات أو الخصائص المرتبطة بالقضايا أو بالأشخاص، سواء كانت سمات موضوعية أو لأبعاد عاطفية وتقييمية، ويتداخل غالبًا مع آليات التأطير التي تُوجِّه كيفية تنظيم وتفسير الجمهور لتفاصيل القضايا وطرق تقييمها(25). ومن ثم يُسْهِم الإعلام من خلال اختياره المتعمد والمكثف لقضايا وسمات محددة مقابل تجاهل أو تقليل أهمية غيرها، في بناء واقع رمزي أو بيئة إعلامية وسيطة يعتمد عليها الجمهور في تشكيل تصوراته المعرفية والعاطفية وفي صياغة تقييماته للقضايا والأحداث والفاعلين السياسيين(26). وفي هذا السياق، تتميز قضايا السياسة الخارجية في نظرية ترتيب الأولويات بأهميتها الناتجة عن عدم ارتباطها المباشر بالجمهور الداخلي؛ مما يجعل وسائل الإعلام المصدر الأساسي لمعلوماته. ويعتمد الجمهور على الإعلام بشكل أكبر في القضايا الخارجية التي تتسم بالغموض بسبب وقوعها خارج نطاقه المحلي مقارنة بالقضايا المحلية المألوفة لديه(27).
ورغم ذلك، تواجه نظرية ترتيب الأولويات انتقادات بسبب تباين نتائج الدراسات وصعوبة تأكيد دورها في تحديد أولويات الجمهور، نظرًا لغياب علاقة سببية واضحة بين أجندة الإعلام وأجندة الجمهور. ويصعب تحديد مصدر التأثير بسبب تعدُّد الأجندات (الفردية، والجماعية، والمجتمعية، والمؤسسية) وتداخل عوامل مثل الاتصال الشخصي، وتأثير السياسيين، والخبرات السابقة(28).
ب- التأطير الإخباري وتشكيل التصورات
يُعَد التأطير الإخباري (News Framing) إطارًا نظريًّا مركزيًّا في دراسات الاتصال السياسي؛ إذ يوفر أداة تحليلية قوية لفهم كيفية تشكيل وسائل الإعلام للواقع الاجتماعي والسياسي من خلال التغطية الإخبارية. وتكمن أهمية نظرية التأطير الإخباري في قدرتها على تقديم تفسير عملي ومُنَظَّم لكيفية حدوث التأثيرات المعرفية والوجدانية لوسائل الإعلام في الجمهور بمختلف فئاته وخصائصه الديمغرافية(29).
ويُعَرِّف إرفينغ غوفمان (Erving Goffman) الأطر بأنها “مبادئ تنظيمية تتحكَّم في الأحداث… وتفاعلها الذاتي معها”(30). بينما يُحَدِّد روبرت إنتمان (Robert Entman) الإطار بـ”اختيار بعض جوانب الواقع المدرَك وجعلها أكثر بروزًا في نصٍّ تواصلي بطريقة تُعَزِّز تعريفًا معينًا للمشكلة، أو تفسيرًا سببيًّا، أو تقييمًا أخلاقيًّا وتوصية بالعلاج”(31). فالأطر الإعلامية تُسْهِم في بناء أطر الجمهور فيما يتعلق بالموضوعات أو القضايا التي يتم إبرازها في المحتوى الإعلامي. ويعني ذلك -كما أشار إنتمان- إلى أن الأطر تنقسم إلى نوعين: يتعلق الأول بإطار المعالجة الإعلامية والتي يتميز بها النص الإعلامي، بينما يُشير النوع الثاني إلى الأطر التي يتبنَّاها الجمهور ويُكَوِّنُها تجاه الحدث أو القضية المطروحة في وسائل الإعلام(32).
وخلافًا للتصور الأولي لغوفمان (1994) الذي يرى التأطير عمليةً غير واعية تركز على التحولات العفوية للظواهر بين أطر مختلفة، يؤكد الباحثون المعاصرون أن التأطير غالبًا ما يكون عملية مقصودة وترتبط بهياكل اجتماعية وسياسية(33). فوسائل الإعلام تقوم بصياغة “حزمة تفسيرية” تعكس مواقف وأجندات الجهات السياسية والاقتصادية ذات النفوذ؛ مما يؤدي إلى إبراز جوانب معينة من الموضوعات والقضايا وتتجاهل أخرى. وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة في سياق الأحداث المعقَّدة، مثل الصراعات الدولية والحروب؛ إذ تُبْرِز وسائل الإعلام جوانب وقضايا معينة، كالمعاناة الإنسانية، وتتجاهل أخرى، مثل الأسباب السياسية أو الاقتصادية؛ مما يعكس تأثير النخب السياسية أو القيم الثقافية ويؤثر في الرأي العام والسياسات العامة.
وقد كشف تحليل مقارن لتغطية حرب العراق، عام 2003، بين صحيفتي “نيويورك تايمز” و”داجنز نيهتر” (Dagens Nyheter) السويدية عن اختلافات بارزة تعكس السياقات السياسية والإعلامية المتباينة للبلدين؛ إذ ركزت الأولى على إطار الصراع العسكري ومحاربة الإرهاب اعتمادًا على المصادر الحكومية والعسكرية الرسمية. في المقابل، اتسمت تغطية الصحيفة السويدية بنبرة ركزت على أطر المسؤولية والاحتجاجات المناهضة للحرب. واستخدمت كلتا الصحيفتين إطار الاهتمام الإنساني، لكن “نيويورك تايمز” ركزت على الجنود الأميركيين، بينما سلَّطت “داجنز نيهتر” الضوء على معاناة المدنيين العراقيين(34).
ج- التحولات الرقمية وإعادة تقييم الأطر النظرية الإعلامية
تُسْهِم التحولات الرقمية، عبر منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي بشكل جذري؛ مما يؤثر بعمق في نظريتي ترتيب الأجندة والتأطير الإخباري. لم تعد وسائل الإعلام التقليدية، التي كانت تاريخيًّا المصدر الرئيسي لتحديد الأولويات الإخبارية وإدارة علاقات القوة والإكراه عبر تدفق أحادي الاتجاه للمعلومات، تحتكر هذه العملية(35). فقد مكَّنت منصات التواصل الاجتماعي الأفرادَ من المشاركة الفعَّالة في العملية الإعلامية ليس فقط بوصفهم متلقين سلبيين بل منتجين وناشرين للمحتوى الإعلامي. ويُتِيح هذا التحوُّل للأفراد، سواء كانوا مواطنين عاديين أو ناشطين، صياغة روايات إعلامية مستقلة قد تتعارض مع الخطابات الرسمية أو تتجاوز القنوات التقليدية التي تخضع للرقابة والتوجيه المؤسساتي(36).
على سبيل المثال، تُشَكِّل الأنماط الحديثة للتقارير الإعلامية التي تُرَوِّج لما يُسَمَّى “واقع الحرب كما هو”، تحديًا للتصورات التقليدية عن الحروب والصراعات؛ مما يؤثر بشكل عميق في تشكيل الرأي العام. ويظهر هذا التأثير بشكل خاص في الحالات التي ينشر فيها الجنود أو المدنيون مقاطع فيديو أو صورًا تُوثِّق واقع الحرب عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ مما يؤدي إلى فقدان السلطات السيطرة على السرديات الإعلامية وتشكيل التصورات(37). ويُبْرِز هذا التحول محدودية الأطر النظرية التقليدية للإعلام، التي تفترض سيطرة السلطات على الروايات وتأطير الإعلام لها، ويؤكد الحاجة إلى أطر جديدة تستوعب التأثير المتزايد للإعلام الرقمي على ديناميكيات الحروب والصراعات.
وفي سياق التأطير الإخباري، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات متعددة؛ أولًا: تعميق الرؤية الأحادية للأمور؛ إذ تُنْتِج الخوارزميات، مثل تلك تُستخدَم في “الواتساب”، محتوى متخصصًا يُقَيِّد تنوع الروايات؛ مما يُقَوِّي الأواصر بين المجموعات المتشابهة فكريًّا ويُسَهِّل تجنُّب وجهات النظر المختلفة(38). ثانيًا: فقدان السيطرة التحريرية، كما في نظام “بلوسوم” (Blossom) بـ”نيويورك تايمز” -الذي يُعَد أداة تقنية طوَّرتها الصحيفة لدعم العمل الصحفي- ويُحَدِّد المحتوى الأنسب. ثالثًا: التأثير الخوارزمي؛ إذ تتنبَّأ أدوات مثل تلك التي يستخدمها موقع “باز فيد” (BuzzFeed) بالموضوعات الرائجة(39)؛ مما يُثير تساؤلات حول الحيادية. وأخيرًا الحاجة إلى أطر نظرية تُفَسِّر تفاعل الخوارزميات والمستخدمين في صياغة تصورات وإدراكات الجمهور.
كما تُثِير البيئة الرقمية الجديدة للإعلام الكثير من التحديات الأخلاقية، من أبرزها انتشار المعلومات المغلوطة والاستقطاب الرقمي، اللذين يؤثران في نظريتي وضع الأجندة والتأطير. فقد باتت الرهانات الأساسية للإعلام في العصر الرقمي مرتبطة أساسًا بمدى مصداقية الأخبار المتداولة بسرعة عبر شبكة الإنترنت؛ إذ إن المعلومات والأخبار الزائفة تنتشر بسرعة وعلى نطاق واسع؛ مما يُشَوِّه عملية تحديد الأجندة(40). هذه التحديات تتطلب أطرًا نظرية مرنة تستوعب طبيعة التفاعل بين التكنولوجيا، والمستخدمين، والمؤسسات الإعلامية.
- تغطية الإعلام الغربي للحرب على غزة والحرب الروسية–الأوكرانية
على الرغم من اختلاف السياق التاريخي والجيوستراتيجي بين الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والحرب الروسية-الأوكرانية، فإن كلا الصراعين يُشَكِّل نقطة محورية لتحليل الخطاب الإعلامي الغربي حول الحروب والصراعات، ومدى تأثره بالتحالفات السياسية والمصالح الإستراتيجية. ترتبط الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تاريخيًّا بالحركة الصهيونية وسعيها للسيطرة على الأراضي الفلسطينية بدعم من القوى الغربية. في المقابل، ينبع الصراع في أوكرانيا من تداعيات تَفَكُّك الاتحاد السوفيتي، وتسويات ما بعد الحرب الباردة، التي كرَّست هيمنة المعسكر الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة. رغم هذه الفروق، يتداخل هذان الصراعان مع المصالح الإستراتيجية للدول الغربية؛ مما يوفر أرضية خصبة لمقارنة تغطية وسائل الإعلامية الغربية لهما. فبينما تُقَدَّم روسيا بوصفها تهديدًا إستراتيجيًّا وتُدان بأشد العبارات، يُمَجَّد الأوكرانيون بوصفهم مدافعين عن القيم الغربية. أما الفلسطينيون فيتم تَمْثِيلُهم بصفتهم “إرهابيين” يُشكِّلون تهديدًا وجوديًّا لإسرائيل التي يَعُدُّها هذا الإعلام الدولة الديمقراطية الحديثة المنبثقة عن الحضارة الغربية. وتصوغ وسائل إعلام غربية بارزة خطابًا يدعم استدامة المشروع الصهيوني على حساب حقِّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته وفقًا لمتطلبات المواثيق الدولية.
2.1. الرواية الإعلامية الغربية للحرب الإسرائيلية على غزة
تتجاوز قضية التأطير الإعلامي مجرد التحيز في الأخبار إلى دور وسائل الإعلام في إعادة صياغة الواقع وإكساب الأحداث دلالات محددة. في هذا الإطار، تَبَنَّت غالبية وسائل الإعلام الغربية الرئيسة وصف القادة الإسرائيليين لعملية “طوفان الأقصى 2023” منذ بدايتها بأنها “عمل إرهابي” لربط المقاومة الفلسطينية بـ”الإرهاب”. ووصفت وسائل إعلام مثل “سي أن أن”(41) و”فوكس نيوز”(42) المقاتلين الفلسطينيين بـ”الإرهابيين”، بينما اكتفت “الواشنطن بوست”(43) و”بي بي سي”(44) بتسميات مثل “المتشددين” أو “المسلحين”.
لذلك، يُمثِّل الإعلام الغربي الصراعَ بوصفه نزاعًا بين إسرائيل و”جماعة إرهابية”، وليس صراعًا مع الشعب الفلسطيني الذي يُقاوم الاحتلال الإسرائيلي لأراضيه. ويركز هذا التَّمْثِيل على عزل حماس عن القضية الفلسطينية وتصويرها كيانًا يفرض سيطرته على غزة قسرًا. ومن ثم، يهدف وَسْمُ الإعلام الغربي للمقاومة الفلسطينية بـ”الإرهاب” إلى طمس حقِّ الشعب الفلسطيني في مقاومة احتلال أراضيه، وهو حقٌّ كفلته القوانين الدولية، مثل المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وقرار الجمعية العامة رقم 3236 لعام 1974.
ويقوم الإعلام الغربي أيضًا بتقديم القضية الفلسطينية بصورة مُجَزَّأَة ومُخْتَزَلَة لطمس سياقها التاريخي والجغرافي دعمًا للرواية الإسرائيلية. ووفقًا لمركز رصد وسائل الإعلام، وَجَّهَت بعض الدلائل الإرشادية التحريرية -في غرف أخبار وسائل إعلام غربية- الصحفيين إلى تجنُّب استخدام اسم فلسطين، ومن بين هذه المؤسسات وكالة الأسوشيتد برس، وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التي نصَّت إرشاداتها التحريرية على تجنُّب إطلاق اسم فلسطين على غزة أو الضفة الغربية؛ حيث تعد فلسطين طموحًا “سياسيًّا أو كيانًا تاريخيًّا وليس واقعًا جيوسياسيًّا حاليًّا”. وأظهر تحليل كَمِّيٌّ لأكثر من 25 ألف مقال إلكتروني، نُشِر بين 7 أكتوبر/تشرين الأول و7 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أن عبارة “حرب إسرائيل-حماس” هيمنت على الإشارات إلى مصطلحات “إسرائيل-غزة” و”فلسطين”. وكان من المؤشرات البارزة على افتقار تغطية القنوات الغربية للسياق التاريخي والسياسي لهذا الصراع هو الندرة الملحوظة في استخدام مصطلحي “فلسطين” أو “الفلسطينيين” في مقالاتها الإخبارية. فقد أظهر التحليل أن 76% من هذه المقالات (18920 مقالًا)، التي تضمنت إشارات إلى “إسرائيل”، و”حماس” أو “غزة”، لم تتضمن أي إشارة إلى “فلسطين” أو “الفلسطينيين”. أما في 24% من المقالات التي ذُكِر فيها اسم “فلسطين” أو “الفلسطينيون”، فلا يمكن الجزم بأنها قدمت سياقًا كافيًا يعكس التعقيدات التاريخية والسياسية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي(45).
كما يمتد هذا التجزيء والطمس والتشويه إلى البعد الجغرافي من خلال تسمية الصراع بـ”حرب إسرائيل-غزة”؛ إذ ثمة اختزال في هذه التسمية للجغرافيا السياسية للأراضي الفلسطينية. فالتركيز على غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس الشرقية يتجاهل الترابط السياسي والاجتماعي بين هذه المناطق التي تُشَكِّل معًا الأراضي الفلسطينية المحتلة(46). ويُغَيِّب هذا التضييق والاختزال معاناة الضفة الغربية من الاستيطان والقدس من سياسات التهويد، ويُحوِّل الصراع إلى نزاع محلي محدود بدلًا من قضية تحرُّر وطني شامل.
وفي هذا الإطار، تُبْرِز دراسة للباحث الأميركي، ويليام يومانز (William Youmans)، انحياز الخطاب الإعلامي الغربي للرواية الإسرائيلية في تغطية الحرب على غزة، من خلال دَعْمِ صانعي الأخبار في قنوات “أن بي سي” (NBC)، و”سي بي أس” (CBS)، و”أيه بي سي” (ABC)، و”فوكس نيوز”. وتجلَّى ذلك في تحليل 51 حلقة من البرامج الحوارية التي بثَّتها هذه القنوات خلال الأشهر الثلاثة الأولى لتغطيتها الحرب على غزة. وكشفت الدراسة أن القنوات استضافت 120 شخصية أميركية من أصل 140 ضيفًا الذين كان أغلبهم مسؤولين حكوميين في الحقبة الرئاسية لجو بايدن أو الحكومات الأميركية السابقة. كما شَكَّل الإسرائيليون ثاني أكثر الجنسيات استضافة بعد الأميركيين؛ إذ كانت الآراء المؤيدة لإسرائيل أكثر بخمس مرات من الآراء المؤيدة لفلسطين. فعلى سبيل المثال، ذُكِرَت كلمة الاحتلال 15 مرة فقط في هذه البرامج، غالبًا من ضيوف عرب، بينما وردت كلمة “الرهائن” 529 مرة، بمعدل 10 مرات لكل برنامج. أما مصطلح “الإبادة الجماعية” فَذُكِر 23 مرة، واسْتُخْدِم مرة واحدة فقط للإشارة إلى السلوك الحربي لإسرائيل في غزة، رغم تأييد العديد من العلماء والمحامين الدوليين لاعتبار الحصار والقصف الإسرائيلي لقطاع غزة إبادة جماعية، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية التي عَدَّت الشكوى المقدمة لها من طرف جنوب إفريقيا ضد إسرائيل ذات مصداقية في هذا الصدد(47).
ويخلص الباحث إلى أن غياب ضيوف فلسطينيين عن هذه القنوات للتعبير عن آرائهم حول الحرب، إضافة إلى توجه المسؤولين في إدارة بايدن والمشرِّعين الديمقراطيين المتماهين مع السياسات الإسرائيلية نحو نشر رسائل مؤيدة للحرب على قطاع غزة، قد أسهم في بناء سرديات إعلامية في هذه القنوات منحازة لإسرائيل دون مراعاة للحقائق على الأرض في غزة، وجرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي(48).
لقد شكَّل استخدام اللغة أداة رئيسية في تحيز الإعلام الغربي لصالح السردية الإسرائيلية في تغطيته للحرب على قطاع غزة. وتُظْهِر الخطابات كيف يتم استخدام مصطلحات مختلفة لوصف أطراف هذا الصراع وضحاياهم حسب هويتهم؛ إذ يستخدم الإعلام الغربي لغة المبني للمجهول عند الحديث عن الضحايا الفلسطينيين مقابل استخدام لغة مباشرة عند الحديث عن الضحايا الإسرائيليين(49). فقد أكد موقع “ذا إنترسبت” (The Intercept) في تحليله لتغطية الحرب على غزة بصحيفة “نيويورك تايمز”، و”الواشنطن بوست”، و”لوس أنجلس تايمز”، أن تغطية هذه الصحف تميل إلى تحيُّز منهجي ضد الفلسطينيين من خلال اللغة المستعملة؛ إذ ركزت اهتمامها بشكل غير متناسب على الضحايا الإسرائيليين، مستخدمة لغة ذات طابع إنساني عاطفي لوصف مقتل الإسرائيليين (“ذبح”، “مجزرة”، “مروع”)، في حين لم يُقَدَّم الفلسطينيون بنفس المستوى من التغطية أو الوصف التفصيلي لضحاياهم(50).
لذلك، تُغَيَّب الصورة الإنسانية للفلسطينيين في الخطاب الإعلامي الغربي؛ إذ تظل العدسة الاستعمارية، المُشْبَعَة بمفاهيم “التفوق الأبيض” و”كراهية الإسلام”، هي الإطار المهيمن الذي تُشَكِّل من خلاله الدول الغربية، ومؤسساتها ووسائل إعلامها، رؤيتها للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ويعكس هذا النهج أطروحة إدوارد سعيد في كتابه: “الاستشراق”(51)، والتي تكشف كيف يصنع الغرب “الآخر” الشرقي بوصفه كيَّانًا مُتَخَلِّفًا ومُخْتَلِفًا لتعزيز سلطته الثقافية والسياسية، وتبرير سياساته الاستعمارية من خلال تَمْثِيل الشرق والفلسطينيين تهديدًا يحتاج إلى الاحتواء أو القمع. لذلك فالمقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في نظر هنري ليفي (Henri Lévy) ليست إلا أحد أوجه العداء الحضاري للغرب وقيمه، الذي تنتمي إليه إسرائيل، بمعنى أن أي خسارة لإسرائيل هي خسارة للغرب(52).
2.2. الخطاب الإعلامي الغربي والحرب الروسية-الأوكرانية
يُقَدِّم الخطاب الإعلامي الغربي حول الحرب الروسية-الأوكرانية نموذجًا غنيًّا لتطبيق أطروحة نورمان فيركلوف في كتابه: “الخطاب والتغيير الاجتماعي”، التي تؤكد أن الخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية يُشَكِّل الهويات والعلاقات السلطوية والديناميات الاجتماعية ويعكسها في آن واحد. ويرى فيركلوف أن الخطاب يتفاعل على ثلاثة مستويات: النص (اللغة والصورة)، والممارسة الخطابية (إنتاج النصوص واستهلاكها)، والممارسة الاجتماعية (السياقات الأوسع التي يتشكَّل فيها الخطاب)(53).
على المستوى النصي، كما يوضح فيركلوف، تُسْتَخْدَم اللغة والصورة لإنتاج إطار تأويلي يُوجِّه تفسير الجمهور. وفي هذا الإطار يُظْهِر الخطاب الإعلامي الغربي تنوعًا في الإستراتيجيات اللغوية والمرئية التي تُوَظَّف لتشكيل الروايات؛ إذ مع اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير/شباط 2022، انساق وراء السردية الرسمية للدول الغربية حول هذه الحرب، متجاهلًا دعوات العديد من الأطراف الدولية لإيجاد حلٍّ سلميٍّ لها(54). في غضون أقل من شهر، وبناء على مقترحات من الجانب الأوكراني، توصَّل الطرفان، الروسي والأوكراني، إلى مسودة اتفاق إسطنبول لإنهاء هذه الحرب، تضمَّنت حياد أوكرانيا، مع ضمانات أمنية دولية، ومعالجة قضية دونباس عبر الحوار، وتأجيل مناقشة وضع القرم، وانسحاب القوات الروسية. لكن تراجعت أوكرانيا عن مسوَّدة هذا الاتفاق تحت ضغط الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، اللتين وعدتا كييف بالدعم العسكري والمالي لتعزيز استمرار الصراع بهدف هزيمة روسيا وإضعافها إستراتيجيًّا. وبدلًا من تسليط الضوء على إمكانيات الحلِّ الدبلوماسي وتحليل أسباب تَعَثُّرِه، مالت وسائل الإعلام الغربية إلى تبنِّي خطاب تهويلي يركز على “الخطر الروسي”(55)، وذلك لتبرير استمرار الصراع والدفع نحو مواصلة وتكثيف توريد الأسلحة إلى أوكرانيا(56). هذا الخطاب، بحسب فيركلوف، يُظْهِر كيف تُشَكِّل اللغة هويات “الضحية” و”المعتدي”؛ إذ تُستخدَم عبارات مثل “الخطر الروسي” و”صور الدمار وقصص اللاجئين الذين أَجْبَرَهُم الغزو الروسي على ترك ديارهم” لتعزيز التصعيد العسكري؛ مما يوُجِّه الرأي العام نحو قبول الحرب وسيلةً لتحقيق النصر الإستراتيجي على روسيا، وتحمُّل أعباء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.
لذا، من الثوابت التي أصبحت شبه مستقرة في الخطاب الإعلامي الغربي لتغطية العديد من الحروب والصراعات إضفاء الطابع الأخلاقي عليها، ولم تكن الحرب الروسية-الأوكرانية استثناء من ذلك. فقد قدَّم الإعلام الغربي هذه الحرب ليس بوصفها صراع مصالح بين طرفين، بل صراعًا بين الخير والشر، والمبالغة في “شَيْطَنَة” الطرف الآخر، وبناء صورة عنه تجعله تجسيدًا لكل قيم الشر والتخريب والتدمير(57). وفي هذا السياق، تَبْرُز التغطية الإعلامية الغربية للحرب الروسية-الأوكرانية نموذجًا يعتمد على استدعاء سجل لغوي مكثف للمفردات والرموز التاريخية، متجاوزًا بذلك مجرد الإشارة إلى حقبة الحرب الباردة ليشمل استعارات أعمق. ويعكس هذا التوجه توظيفًا إستراتيجيًّا للخطاب الإعلامي؛ إذ تُقْتَبَس العبارات من سجلات الصراعات السابقة وتُسْقَط نوازعها على المواجهة بين روسيا وأوكرانيا. ويتضح ذلك جليًّا في التباين بين السرديات المتنافسة، فبينما تُسلِّط تقارير إعلامية غربية، مثل شبكة (بي بي سي)، الضوء على تصوير الإعلام الروسي لأوكرانيا كيانًا مواليًا للنازية، مستندة إلى مواقف رسمية روسية تدين تصويت أوكرانيا والولايات المتحدة ضد قرار أممي يدين تمجيد النازية، تُقَدِّم المعالجات الإعلامية الغربية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في صورة “هتلر الجديد”، محذرة من تداعيات سياساته التوسعية على الأمن العالمي(58). ويُشير هذا التوظيف المتبادل للاستعارات التاريخية إلى محاولة لتأطير الصراع ضمن سرديات مألوفة تهدف إلى تشكيل الرأي العام وتبرير المواقف السياسية من خلال ربط الأحداث الراهنة بسوابق تاريخية ذات دلالات أيديولوجية، ومن ثم تعزيز الشرعية الذاتية وتشويه صورة الخصم.
على مستوى الممارسة الاجتماعية، يُبَيِّن فيركلوف أن الخطاب يعكس علاقة السلطة ويُسْهِم في إعادة إنتاجها. وفي هذا السياق تُظْهِر السردية التي تُقَدِّمُها وسائل الإعلام الغربية والتقارير السياسية المتعلقة بالحرب الروسية-الأوكرانية ثنائية استقطابية بين الشرق والغرب تُجَسِّد صراعًا وجوديًّا بين أمة أوكرانية تسعى إلى تأكيد هويتها الوطنية واستقلالها الثقافي والسياسي والتحرر من إرث الاتحاد السوفيتي، وبين قوة روسية تهدف إلى استعادة نفوذها الإقليمي وإحياء هيمنتها التاريخية على أوروبا الشرقية(59). ويُعَزِّز تلقي هذه النصوص من قِبَل الجماهير الانقسامات الأيديولوجية؛ إذ يميل الجمهور الغربي لقبول السردية التي تُقَدِّم الحرب صراعًا بين الديمقراطية والحرية (الغرب/أوكرانيا) والاستبداد (روسيا)، بينما يتبنَّى الجمهور الروسي رواية “الدفاع عن الأمن القومي”. هذا التفاعل بين إنتاج النصوص واستهلاكها يُظْهِر كيف يُشَكِّل الخطاب الإعلامي التصورات الاجتماعية ويُعيد إنتاج الهياكل الأيديولوجية.
ولذلك تُبْرِز الرواية الإعلامية الغربية الصراع بوصفه تنافسًا بين تطلعات أوكرانيا للاندماج في الفضاء الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وسعي روسيا لاستعادة هيمنتها الإقليمية. ومع ذلك، يغفل هذا التمثيل السياقات الجيوسياسية الأوسع التي أسهمت في تصعيد الصراع. فقد أثار توسُّع حلف شمال الأطلسي شرقًا بعد الحرب الباردة، والذي شمل دول البلطيق وبولندا ثم السويد وفنلندا، مخاوف روسية من التطويق الإستراتيجي، لاسيما في ظل تقارب أوكرانيا مع الحلف. هذه الديناميكيات لا تُبَرِّر بأي حال التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، لكنها توضح أن الصراع ليس مجرد صراع ثقافي أو قومي، بل نتاج تفاعلات جيوسياسية معقَّدة تتضمن توازنات القوى الإقليمية، والمصالح الاقتصادية، والتي كانت أساسًا لتدخلات عسكرية للقوى الغربية في العديد من مناطق العالم، كما أُشير إليها سابقًا رغم تغليفها بمبررات أخلاقية.
على مستوى الممارسة الاجتماعية، كما يوضح فيركلوف، يُسْهِم هذا الخطاب في تعزيز علاقات السلطة الجيوسياسية؛ إذ يُعيد إنتاج هياكل الهيمنة الغربية عبر تَمْثِيل الدول الغربية وتحالفاتها السياسية (الاتحاد الأوروبي) والعسكرية “النيتو” رموزًا للدفاع عن الديمقراطية والحرية لتبرير تقديم الدعم المادي والعسكري لأوكرانيا، بينما يتم شَيْطَنَة روسيا بوصفها قوة إمبريالية ينبغي مواجهتها لكبح جماح “طموحاتها التوسعية” في شرق أوروبا.
2.3. تحليل مقارن لتأطير الإعلام الغربي لحربي أوكرانيا وغزة
اعتمد تأطير الخطاب الإعلامي الغربي للحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، مجموعة من المفاهيم والتوصيفات لأطراف الصراع تعكس حالة التضامن مع أوكرانيا بوصفها تُمَثِّل خط الدفاع عن قيم الحضارة الغربية، في مقابل حالة التناقض مع قضية الشعب الفلسطيني الذي يُقَدِّمُه الإعلام الغربي بوصفه “الآخر” الذي يُشَكِّل تهديدًا لهذه القيم. فقد شاعت في صحف مثل “وول ستريت جورنال” (The Wall Street Journal) و”نيويورك تايمز” الأميركيتين، و”فايننشال تايمز” (The Financial Times) و”الغارديان” البريطانيتين، مصطلحات مثل “الغزو الروسي” و”الاحتلال الروسي. كما وُصِفَ المدنيون الأوكرانيون الذين يحملون السلاح بـ”مقاتلي المقاومة”، وأُطْلِق على الأوروبيين الذي توجَّهوا للقتال في أوكرانيا ضد روسيا لقب “المقاتلين المتطوعين”. في المقابل، تعمَّدت أجندة الإعلام الغربي تأطير المقاومة الفلسطينية وربطها بـ”الإرهاب”، ونزع الصفة الإنسانية عنها، وتنفي عن المحتل الإسرائيلي صفة الاحتلال والعدوان(60).
وركَّز الإعلام الغربي بشكل كبير على قضية اللاجئين الأوكرانيين، وعَدَّها عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي تستوجب تحميل روسيا المسؤولية الجنائية الدولية، وعلى النقيض من ذلك يتم وصف التهجير القسري والتطهير العرقي، الذي تُمارِسه إسرائيل بحقِّ الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 في الإعلام الغربي، بـ”عمليات الإخلاء”، في محاولة لتَمْثِيل المسألة وتقديمها في سياق “نزاع قانوني على الملكية” يمكن أن يَحْدُث بين أي مالك ومستأجر في أي مكان بالعالم. ويهدف هذا التوصيف إلى تجنُّب الاستحقاقات القانونية الدولية التي تدين إسرائيل من جهة، وتُقَوِّض حقَّ الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى(61).
وفي هذا الإطار، تُظْهِر مثلًا المقارنة المتعلقة بتغطية صحيفة “نيويورك تايمز” للحرب الروسية-الأوكرانية(62)، والحرب على غزة، تحيزًا منهجيًّا واضحًا يكشف دور هذه الصحيفة أداةً لتوجيه الرواية الإخبارية بما يتلاءم مع الأجندة السياسية الأميركية. فبينما تستخدم الصحيفة لغة عاطفية وشديدة الإدانة لوصف ما تعُدُّه “جرائم الحرب الروسية”، مثل مصطلحات “مذبحة” و”رعب”، فإنها تتبنَّى نهجًا مغايرًا تمامًا فيما يخصُّ تغطية الأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة؛ حيث تميل إلى التبرير أو التعتيم على طبيعة هذه الجرائم، أو استخدام لغة محايدة تُخَفِّف من وطأتها(63). ولا يقتصر هذا التباين على وصف جرائم الحرب فحسب بل يمتد إلى تَمْثِيل المقاومة، فبينما تُقَدِّم المقاومة الأوكرانية بوصفها عملًا بطوليًّا وشجاعًا يستحق الدعم العسكري، تُبْرِز المقاومة الفلسطينية بوصفها “عمليات إرهابية” تعمل أو تنشط بين المدنيين؛ مما يوفر مُبَرِّرًا ضمنيًّا للأعمال العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين. علاوة على ذلك، تُثِير الصحيفة الحاجة الملحَّة لتزويد أوكرانيا بالأسلحة، وتُغطي بعمق الجوانب الثقافية التي تُحْدِق بها الأخطار، بينما تتجاهل بشكل ملحوظ الحاجة المماثلة للمقاومة الفلسطينية، وتَغُضُّ الطرف عن محو الثقافة الفلسطينية(64).
وعلى سبيل المقارنة، ونظرًا لكون الخطاب الإعلام الغربي عادة ما يركز في تغطيته للحروب والصراعات على قضايا الأطفال والصحفيين، فإنه رغم أن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قُتِلُوا خلال الأسبوع الأول من الحرب على غزة، فاق عدد الأطفال الذين قُتِلُوا خلال العام الأول من الحرب الروسية-الأوكرانية، فإن صحفًا مثل “نيويورك تايمز”، و”الواشنطن بوست”، و”لوس أنجلوس تايمز”، نشرت قصصًا متعاطفة متعددة تُسَلِّط الضوء على معاناة الأطفال في أوكرانيا خلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، بينما اقتصرت تغطية قتل ومعاناة الأطفال الفلسطينيين على تقرير واحد في “نيويورك تايمز” وعمود في “الواشنطن بوست”. وبنفس الطريقة ركزت هذه الصحف على المخاطر التي يُواجهها الصحفيون في أوكرانيا (6 قتلى) من خلال مقالات عديدة، بينما تجاهلت إلى حدٍّ كبير مقتل 48 صحفيًّا في غزة خلال نفس الفترة(65) والذين بلغ عددهم حاليًّا 262 صحفيًّا(66)، بل إن بعص الصحف الغربية، مثل صحيفة “بيلد” (BILD) الألمانية، وصفت اغتيال مراسل قناة الجزيرة، أنس الشريف، بـ”إرهابي في زي صحفي”. ويهدف هذا التوصيف المُتَحَيِّز، وفقًا لهانو هاوينشتاين (Hanno Hauenstein)، إلى تجريد الصحفيين من صفتهم المدنية؛ ما يُبَرِّر استهدافهم؛ مما يعكس دور الإعلام الألماني في تبرير استهداف الصحفيين الفلسطينيين في غزة(67).
ويُبْرِز التباين في السرديات الإعلامية والسِّجِل اللغوي في تغطية الإعلام الغربي للحرب على غزة مقارنة بالحرب الروسية-الأوكرانية، كما هو مُبَيَّن في الجدول (رقم 1)، ازدواجية المعايير التي تحكم خطاب هذه الوسائل. كما أن هذا الاختلاف في التوصيف ليس مجرد مسألة لغوية بل يعكس إستراتيجية مقصودة تُسْتَخْدَم فيها اللغة (المصطلحات والمفاهيم) أدوات لتعزيز تطبيق القانون الدولي في سياق الحرب الروسية-الأوكرانية، بينما تُنْكَر هذه القواعد في السياق الفلسطيني والحرب على غزة.
جدول (1): مقارنة بين مصطلحات التغطية في وسائل الإعلام
الغربية للحرب على غزة والحرب الروسية-الأوكرانية(68)
| الفئة | المصطلح في فلسطين | سياق الاستخدام | المصطلح
في أوكرانيا |
سياق الاستخدام | الازدواجية
وتأثيرها |
| طبيعة الصراع | حرب إسرائيل-حماس | يُستخدم في وسائل إعلام غربية، مثل وكالة الأسوشيتد برس، وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) للإشارة إلى الوضع بوصفه صراعًا متبادلًا بين طرفين متساويين، متجاهلًا سياق الاحتلال الإسرائيلي منذ 1948. | الغزو الروسي | يُستخدم في وسائل إعلام عالمية، مثل رويترز والغارديان، لتسليط الضوء على روسيا التي تقوم بالاعتداء وأوكرانيا التي تُمَثِّل الضحية. | استخدام مصطلح “حرب” يُقَلِّل من وطأة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بينما مصطلح “غزو” يُكرِّس فكرة انتهاك السيادة، مما يُحفِّز تعاطفًا أكبر مع أوكرانيا. |
| العمليات العسكرية |
هجمات إرهابية
|
تُوصف بها عمليات المقاومة الفلسطينية، مثل “طوفان الأقصى” (2023)، في وسائل الإعلام، مثل فوكس نيوز؛ مما يُجرِّدها من شرعيتها في حقِّ مقاومة الاحتلال. | المقاومة/الدفاع عن النفس | يُستخدَم لوصف العمليات الأوكرانية ضد القوات الروسية، مثلًا في فرانس 24؛ مما يمنحها شرعية قانونية، وطابعًا بطوليًّا. | نفس الفعل (مقاومة قوة محتلة) يُصنَّف “إرهابًا” في فلسطين، و”بطولة” في أوكرانيا؛ مما يُضْعِف الحقَّ الفلسطيني. |
| الضحايا | أضرار
جانبية |
يُشار بهذا المصطلح إلى الضحايا الفلسطينيين في وسائل الإعلام الغربية، مثل نيويورك تايمز؛ مما يُقَلِّل من المسؤولية الإسرائيلية تجاه الانتهاكات التي يرتكبها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين. | مدنيون أبرياء/ضحايا جرائم الحرب | يُستخْدَم لوصف ضحايا القصف الروسي، مثل مدينة بوتشا (2022)، في وسائل مثل الغارديان؛ مما يُبْرِز معاناة المواطنين الأوكرانيين ويُحمِّل روسيا المسؤولية الجنائية. | “أضرار جانبية” تُقلِّل من وطأة الجرائم المحتملة في فلسطين، بينما “ضحايا جرائم الحرب” يُعزِّز الدعوات الحقوقية والسياسية للمساءلة في أوكرانيا. |
| المبرر القانوني | حق الدفاع
عن النفس |
يُستخدَم لتبرير العمليات الإسرائيلية، مثل قصف غزة (2023)، في وسائل الإعلام الغربية، مثل وول ستريت جورنال، رغم أن الحصار يُعَد عقابًا جماعيًّا (المادة 33، اتفاقية جنيف). | عدوان غير مبرر | يُوصف به القصف الروسي، مثلًا في سكاي نيوز؛ مما يُلغي أي مُبَرِّر قانوني لروسيا. | “الدفاع عن النفس” يمنح إسرائيل مُبَرِّرًا أخلاقيًّا، بينما إدانة روسيا المطلقة تُعزِّز السردية الحقوقية لأوكرانيا. |
يعكس هذا التناقض في خطابات الإعلام الغربي ازدواجية واضحة في التعامل مع القانون الدولي وقرارات المؤسسات الدولية؛ إذ تُبْرِز بعض الوسائل قرارات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية وتوصيفاتها المندِّدة بالغزو الروسي لأوكرانيا في تغطيتها الإعلامية لهذه الحرب، وتستضيف في برامجها الحوارية ضيوفًا يدعمون هذه القرارات، مثل مذكرة اعتقال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، لكنها في الوقت نفسه تتخذ مواقف مترددة أو متحفظة تجاه القرارات والتوصيفات الصادرة عن الجهات ذاتها التي تدين العدوان الإسرائيلي على غزة. وتُسلِّط الضوء على تشكيك المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين في هذه القرارات أو حتى رفضهم لها وإدانتهم إياها. على سبيل المثال، في سياق تناولها لانهيار “الأمن الغذائي” في قطاع غزة أظهرت وسائل الإعلام الغربية تحيُّزًا واضحًا للسردية الإسرائيلية وتجنَّبت في البداية استخدام مصطلحات قانونية دقيقة مثل “مجاعة” أو “تجويع”، وفضَّلت عبارات وتوصيفات فضفاضة، مثل “نقص الغذاء” أو “أزمة غذائية”، بهدف التخفيف من وقع المأساة وإبعاد المسؤولية عن الجاني(69). لكن بعد إقرار الأمم المتحدة بوجود مجاعة من صنع الإنسان في غزة تتحمَّل مسؤوليتها إسرائيل(70)، بدأت وسائل الإعلام الغربية الكبرى مثل “سي أن أن” و”بي بي سي” تتبنَّى هذا التوصيف، مع إبراز وجهات نظر المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين المشكِّكة في مصداقية تقرير الأمم المتحدة بهذا الخصوص(71). وينسحب هذا النهج كذلك على مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقِّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق، يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتعكس هذه الازدواجية في الخطاب الإعلامي الغربي استمرار البنية الفكرية الاستعمارية الغربية التي تحتكر وضع المعايير الأخلاقية وتطالب الآخر بالخضوع لها دون مناقشة أو نقد.
وعلى الرغم من التباين في الخطاب الإعلامي الغربي بشأن الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة، فإن تحليل هذا الخطاب يكشف عن نزعته إلى تغييب السياق التاريخي لهاتين الحربين. ويتجلَّى ذلك في ربطهما بأحداث آنية دون التعمق في أسبابها التاريخية الجذرية أو دور الدول الغربية في تأجيجها أو التأثير في مساراتها.
- دور الإعلام الرقمي في مواجهة الخطاب الإعلامي الغربي
عرف المشهد الإعلامي العالمي خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة نتيجة التوسع السريع في استخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي وأخيرًا تقنية الذكاء الاصطناعي. لم يعد الإعلام محصورًا ضمن إطار المؤسسات التقليدية، بل تحوَّل إلى فضاء يُتيح للأفراد والجماعات فرصًا غير مسبوقة للمساهمة في صياغة الخطاب العام. وفي هذا الإطار، برز الإعلام الرقمي أداةً فعَّالةً في تحدي السرديات الإعلامية المهيمنة، لاسيما تلك التي تُرَوِّجُها وسائل الإعلام الغربية، والتي كثيرًا ما تتسم بالتحيُّز أو التشويه في تغطيتها للأحداث الجيوسياسية العالمية المعقدة.
أدَّت وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تُمثِّل المصدر الرئيسي للمعلومات خصوصًا لفئة الشباب(72) طوال العقد الماضي، دورًا محوريًّا في إعادة تشكيل مسار الأحداث السياسية والاقتصادية الجارية على الصعيد العالمي، والذي بلغ ذروته مع اندلاع الصراع الروسي-الغربي في أوكرانيا؛ إذ جرى توظيفها من قِبَل الشركات المالكة لها لتعزيز روايات مناهضة لروسيا. وأسهم ذلك في تشكيل رأي عام غربي واسع النطاق تَبَنَّى إلى حدٍّ كبير السردية الغربية بشأن هذا الصراع(73).
تُمثِّل الحرب الروسية-الأوكرانية أول صراع عسكري كبير يندلع في عصر هيمنة منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ استثمر طرفا النزاع هذه المنصات لنشر روايتهما وسرديتهما حول الأحداث. لقد استخدم الأوكرانيون هذه المنصات أداةً إستراتيجيةً لمواجهة الغزو الروسي، من خلال توثيق النزاع وتعبئة التضامن الدولي. منذ بداية الحرب، ومع أحداث “مذبحة” بوتشا عام 2022، اعتمد الأوكرانيون منصات، مثل إكس، وإنستغرام، وريديت، وتيليغرام، وتيك توك، لنشر لقطات ميدانية وروايات شخصية تعكس البُعد الإنساني للحرب(74). تُوثِّق هذه المحتويات، مثل فيديو لفتاة في ملجأ في تشيرنيهيف تحت القصف الروسي وأمام أنقاض المباني السكنية المدمرة، معاناة المدنيين ومقاومتهم؛ مما يُحفِّز التواصل العاطفي والتعاطف الدولي مع القضية الأوكرانية(75).
تتجاوز هذه الجهود مجرد التوثيق؛ إذ تُسْهِم في بناء علاقات عاطفية مع الجمهور الدولي عبر منصات الوسائط القصيرة، مثل تيك توك؛ إذ يستخدم مبدعو المحتوى التعليقات الساخرة أو الهويات المشتركة لتعزيز الوعي وجعل دعم أوكرانيا يُشبه دعم صديق مقرب(76). هذه الإستراتيجيات لا تُعَزِّز التضامن فحسب، بل تُقاوم التَّحَسُّس تجاه المعاناة الأوكرانية، وتدعم السِّجِل التوثيقي للنزاع؛ مما قد يُشكِّل أدلَّة لاتهامات بجرائم الحرب. وبهذا، تُمثِّل وسائل التواصل الاجتماعي فضاء حيويًّا للأوكرانيين لتعزيز المقاومة الداخلية، وكسب الدعم الخارجي، وتشكيل الروايات التاريخية للحرب(77).
لكن على النقيض من هذا، وفي إطار مواجهة سردية الخطاب الإعلامي الغربي تجاه تدخلها العسكري في أوكرانيا، استخدمت روسيا الإعلام الرقمي لنشر سرديتها والتأثير في الصورة العامة للأطراف المعنية، مستفيدة من خبراتها في مجال الدعاية ومن الإمكانات التي توفرها التقنيات الرقمية الحديثة. فقد أنشأت شبكة إلكترونية تعمل على نشر رسائلها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبالتركيز على تقديم ما تُسَمِّيه “العملية العسكرية الخاصة” استجابة للانتهاكات التي تُمارِسها أوكرانيا بحقِّ الأقلية الروسية، من خلال تصوير إقليم دونباس بوصفه “الضحية”، وأوكرانيا في موقع “العدو”(78).
وعلى الرغم من احتلال روسيا للأراض الأوكرانية، فإنها استغلت وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز المشاعر المناهضة للغرب، لاسيما في الدول التي عاشت استعمارًا غربيًّا قاسيًّا، مثل بعض دول القارة الإفريقية وأميركا اللاتينية، مستفيدة من الذاكرة التاريخية الصادمة وإثارة الغضب تجاه السياسات الغربية الحالية التي تُدرك أنها استمرار لمنطق الهيمنة(79). وفي هذا السياق، يُفسِّر إيمانويل تود (Emmanuel Todd)، في كتابه” “هزيمة الغرب”، ضمن إجابته على سؤال “لماذا اختار بقية العالم روسيا؟” ولماذا تجاهل الجنوب العالمي (أو الأغلبية العالمية) العقوبات الغربية المفروضة على روسيا في الأزمة الأوكرانية؟ بأن هذه الأغلبية لم تَعُد ترى في الغرب حاملًا للديمقراطية والحرية، بل مجموعة من الأوليغارشيات الليبرالية التي تحتقر الفقراء وتُمارِس شكلًا جديدًا من الاستعمار عبر آليات العولمة الاقتصادية والثقافية(80). لذلك ركزت روسيا في سعيها للتأثير على الخطاب العام الدولي، وإعادة صياغة فهم هذا الصراع بما يتوافق مع مصالحها القومية، على تقديم عملياتها العسكرية في أوكرانيا عبر وسائل التواصل الاجتماعية كإستراتيجية تهدف إلى مواجهة ومقاومة ما تَعُدُّه تهديدًا من القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، التي تستخدم أوكرانيا -بحسب السردية الروسية- أداةً لتطويق روسيا إستراتيجيًّا. وبهذا تتحوَّل السردية الروسية إلى مرآة تعكس رفض بقية العالم للهيمنة الغربية، وتؤكد رغبته في عالم متعدد الأقطاب يحمي سيادته ويستعيد توازنه التاريخي.
وفي سياق الحرب الإسرائيلية على غزة، تصاعدت التحديات التي يُواجِهُها المحتوى الرقمي الفلسطيني في بداية الصراع؛ إذ تعرَّض لقيود متنوعة وممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي؛ مما زاد من تحديات التعبير الرقمي(81). وتكاد هذه الإستراتيجيات تكون غير قابلة للحصر كميًّا أو مضمونيًّا، بما في ذلك عمليات الحذف، والحظر، والإلغاء، والتبليغ، بالإضافة إلى رفض استخدام مصطلحات وعبارات محددة، مثل “الشهيد” أو القدس عاصمة فلسطين”، وغيرها من العناصر الخطابية التي تتشكَّل في الأزمات والحروب تحت ما يُعرف بــالوسوم (الهاشتاغات). وقد امتد التضييق إلى منع إنتاج المحتوى نفسه؛ إذ تتعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي تدمير البنية التحتية الرقمية، ومحاصرة الناشطين والمدونين والصحفيين الفلسطينيين، ومصادرة أدوات عملهم، واعتقالهم وتنظيم محاكمات لهم؛ مما يعكس ديناميكيات السلطة، كما وصفها ميشيل فوكو (Michel Foucault) في نظريته حول آليات التحكُّم في الأفراد الخاضعين لها، ضمن أفق الثنائيات المعرفية-السلطوية، والمراقبة والعقاب(82).
لكن مع مرور الوقت، وفي ظل تزايد الانتقادات الموجَّهة إلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي بشأن تعاملها مع المحتوى الرقمي الفلسطيني وانحيازها لإسرائيل خلال الحرب على غزة، اضطرت هذه المنصات إلى مراجعة بعض سياساتها، بالموازاة مع اعتماد الفلسطينيين والمتعاطفين مع قضيتهم على المستوى العالمي إستراتيجيات تتحدى خوارزميات الشبكات الاجتماعية عبر استعمال شعارات ورموز تجعل المحتوى الذي ينشرونه يستمر في الظهور، ويحتل الصدارة في الأخبار العالمية، ويكون بذلك مصدرًا بديلًا للأخبار الإعلامية(83). نتيجة لذلك أصبحت المنصات الاجتماعية، مثل إنستغرام وفيسبوك وإكس، أدوات محورية في إعادة تشكيل السرد حول الحرب الإسرائيلية على غزة، من خلال منح الأفراد العاديين صوتًا مباشرًا عبر القصص الشخصية، والصور، والتحديثات اللحظية؛ ما أتاح سرديات لم تظهر في الإعلام التقليدي وأسهم في تنويع وجهات النظر. فقد أسهمت الوسوم الرائجة، مثل (#الحرية لفلسطين) و(#غزة تحت القصف)، في رفع مستوى الوعي وتحفيز النقاشات عبر الحدود الجغرافية والأيديولوجية، مع تمكين المستخدمين من التفاعل المباشر والمشاركة الفاعلة؛ ما يعكس الطبيعة التشاركية لهذه المنصات وقدرتها على تعزيز الانخراط المجتمعي(84).
علاوة على ذلك، وفَّرت هذه المنصات فضاء للناشطين والصحفيين والجمهور للفت الانتباه إلى قضايا حقوق الإنسان والمخاوف الإنسانية التي غالبًا ما تتجاهلها وسائل الإعلام التقليدية؛ ما ساعد على تكوين فهم أكثر شمولية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. كما أدَّت هذه المنصات أيضًا دورًا حاسمًا في التوثيق اليومي للأحداث؛ إذ أتاح مبدأ “الرؤية تعني التصديق” للمتابعين حول العالم الاطلاع على الصور وسماع أصوات الفلسطينيين الذي يرون معاناتهم من الحرب الإسرائيلية بأنفسهم، كما يظهر في تقارير “الجزيرة بلس” على تيك توك، وصفحات أخرى على إنستغرام(85).
ووفقًا لتحليل أجرته شركة “ميغ إي آي” (MIG AI) المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن 83% من المنشورات عبر المنصات الاجتماعية حول الحرب على قطاع غزة عبَّرت عن مواقف معارضة لإسرائيل، في مقابل 9% جاءت داعمة لها رغم التضييق على المحتوى الرقمي الفلسطيني من قِبَل الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي، ولجوء الاحتلال إلى نشر المعلومات المُضَلِّلَة باستخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة أخبار وصور مزيفة، بهدف تضليل الرأي العام العالمي(86). كما أظهر التحليل نفسه أن التغطية الإعلامية في المواقع الإخبارية الرئيسية تميل بدورها إلى السلبية تجاه إسرائيل؛ إذ يُقابِل كل تقرير يُقَدِّم إسرائيل بصورة إيجابية ثلاثة تقارير تُبْرِزُها في صورة سلبية. ومن بين ما يُقارب 372 ألف مقالة نُشِرَت حول الحرب في مواقع إلكترونية يتجاوز عدد زياراتها الشهرية مليون زيارة، اتسمت 64% منها بالحياد، بينما عارضت 28% منها إسرائيل، في حين لم تتجاوز المقالات المؤيدة لها 8% فقط(87).
تَتَّسِق هذه النتائج مع ما كشفته دراسات أخرى، من بينها دراسة نشرتها صحيفة “الواشنطن بوست”، التي أبرزت تزايدًا ملحوظًا في استخدام الوسوم الداعمة للقضية الفلسطينية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك، وإنستغرام، وفيسبوك، مقابل تراجع انتشار الوسوم المؤيدة لإسرائيل(88). وفي السياق ذاته، كشفت دراسة أخرى، في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أجراها الخبير التكنولوجي، أنتوني غولدبلوم (Anthony Goldbloom)، وهو يهودي أسترالي مقيم في الولايات المتحدة معروف بتأييده لإسرائيل، عن أن مستخدمي منصة تيك توك في الولايات المتحدة اطَّلعوا على منشورات داعمة لفلسطين بمعدل يفوق 54 ضعفًا مقارنة بالمحتوى الداعم لإسرائيل خلال ذلك الشهر مقارنة بمعدل 36 ضعفًا في الشهر السابق. أما في أستراليا، فقد بلغت النسبة بين مستخدمي تيك توك حوالي 60: 1 لصالح الرواية الفلسطينية؛ مما يُبْرِز تحولًا واضحًا في دينامكيات التفاعل الرقمي لصالح السردية الفلسطينية(89).
أسهم التدفق الإعلامي الهائل عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدعم من جهود المؤثرين في توثيق مشاهد الحرب على غزة ونشر صورة الدمار، فضلًا عن انخراط شرائح من المشاهير وأصحاب الحسابات المعروفة في مجالات غير سياسية في نشر الوعي بما يجري في فلسطين(90)، في إحداث تحول نوعي في الرأي العام العالمي. فقد تجاوزت هذه المنصات وظيفة نقل الأخبار إلى ممارسة فعل تعبوي مباشر، تجسَّد في اندلاع موجات احتجاجية واسعة في العديد من مدن وجامعات الدول الغربية التي تُعَد من أبرز الحلفاء التقليديين لإسرائيل، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا. ويعكس هذا التحوُّل فشل الرواية الإعلامية الإسرائيلية في الحفاظ على هيمنتها(91) بل تآكل مصداقيتها حتى داخل دوائر كانت تميل تاريخيًّا إلى تَبَنِّيها؛ مما أسهم في اعتراف دول غربية بدولة فلسطين ومطالبتها بتطبيق حلِّ الدولتين، مثل إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا(92)، بالإضافة إلى بريطانيا وأستراليا وكندا(93) والبرتغال وفرنسا وبلجيكا وإمارة موناكو. بالموازاة مع بداية مناقشة مفوضية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.
ويُشير هذا الواقع إلى الدور المؤثر الذي تقوم به الوسائط الرقمية في إعادة تشكيل السرديات المهيمنة؛ إذ أتاح الإعلام الاجتماعي للأفراد والجماعات إمكانية إنتاج وتداول محتوى بصري ونصي مضاد، يتحدَّى احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للخطاب ويُقَوِّض سلطتها التأطيرية. ومن ثم، فإن المقاومة الرقمية الفلسطينية والمتضامنين معها نجحوا إلى حدٍّ ما في فرض حضورهم ضمن المجال العمومي العالمي، بما يُؤشر إلى إعادة توزيع غير مسبوق للقوة الرمزية والإعلامية، ويُبْرِز كيف يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تتحوَّل إلى أداة إستراتيجية لإعادة صياغة التصورات الدولية حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، انطلاقًا من جذوره الحقيقة المتمثلة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لأكثر من سبعة عقود مضت.
خاتمة
توصلت الدراسة إلى أن ادِّعاءات الحياد والمصداقية المرتبطة بحقوق الإنسان والعدالة والمساواة، التي تُرَوِّج لها وسائل الإعلام الغربية في خطابها حول القضايا الجيوستراتيجية الدولية، ليست سوى تجسيد لهيمنتها في صياغة السرديات، مستفيدة من تفوقها التكنولوجي ونفوذها الثقافي. فقد كشف الخطاب الإعلامي الغربي حول الحرب الروسية-الأوكرانية والحرب على غزة عن ازدواجية واضحة، تؤكد أن هذه الوسائل ليست إلا أدوات تُستخدَم من قِبَل النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية الغربية لخدمة أجندتها الجيوسياسية. فمن خلال التلاعب بالحقائق، وتشويه المفاهيم، وتجاهل السياقات التاريخية والمحلية للصراعات، تتحوَّل هذه الوسائل إلى أدوات دعائية تُشَكِّل الروايات لصالح مصالح الدول الغربية.
وبيَّنت الدراسة أنه رغم توجه منصات التواصل الاجتماعي، التي تُسيطر الولايات المتحدة على غالبيتها، نحو تقييد انتشار السرديات الإعلامية المخالفة للخطاب الإعلامي الغربي حول الصراعين الروسي-الأوكراني، والفلسطيني-الإسرائيلي، إلا أن المؤثرين الفلسطينيين والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية تمكَّنوا إلى حدٍّ ما من تَحْيِيد خوارزميات هذه المنصات بإستراتيجيات مبتكرة. وقد أسهم ذلك -بموازاة تغطية بعض القنوات مثل الجزيرة الإنجليزية التي أصبحت مصدرًا رئيسيًّا لمعلومات شرائح واسعة من الجمهور الغربي حول منطقة الشرق الأوسط- في تعزيز انتشار السردية الفلسطينية حول الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني. وقد أدَّى ذلك إلى تَجَدُّد النقاشات حول مصداقية الإعلام التقليدي في الغرب وزيادة الوعي العام بهذه القضايا؛ مما أسهم في تحوُّل ملحوظ في الرأي العام العالمي حول القضية الفلسطينية، ظهرت بوادره في بداية الانقسام الغربي في تعاطيه مع هذه القضية، خاصة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة؛ إذ اعترفت عدة دول أوروبية بدولة فلسطين منذ عملية “طوفان الأقصى”.
المراجع
(1) العربي بوعمامة، شهرزاد لمجد، “الإعلام وإدارة الأزمات الإعلام الأمريكي أنموذجًا”، في الإعلام والأزمات: فن التلاعب والتضليل والدعاية، تحرير: محمد قيراط، نور الدين الميلادي، (الكويت، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 2016)، ص 294.
(2) إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، (بيروت، دار الآداب للنشر والتوزيع، 2014)، ص 98.
(3) أميتاف أشاريا، باري بوزان، تشكيل العلاقات الدولية العالمية: أصول حقل العلاقات الدولية وتطوره في ذكراه المئوية، ترجمة عمار بو عشة، عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 502، 2023)، ص 78-79.
(4) Marc Jungblut, “Content Analysis in the Research Field of War Coverage,” in Standardisierte Inhaltsanalyse in der Kommunikations- wissenschaft- Standardized Content Analysis in Communication Research, eds. Franziska Oehmer-Pedrazzi et al., (Springer VS, 2023), 127-128.
(5) Eytan Gilboa, “The CNN Effect: The Search for a Communication Theory of International Relations,” Political Communication, Vol. 22, Issue. 1, (2005): 29-34.
(6) Ulrich Saxer, “Zur Theorie von Medien-Kulturkommunikation,” in Medien–Kulturkommunikation, Ulrich Saxer (Hrsg.), (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 1998), 9-43.
(7) Jesper Strömbäck, Frank Esser, “Mediatization of Politics: Towards a Theoretical Framework,” in Mediatization of Politics Understanding the Transformation of Western, Democracies, eds. Frank Esser, Jesper Strömbäck, (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2014), 15-23.
(8) حسين مزهر خلف، “تأثير الإعلام في صنع القرار السياسي الخارجي الأمريكي: الـCCN نموذجًا”، قضايا سياسية (جامعة النهرين، كلية العلوم السياسية، العراق، المجلد 2023، العدد 75، 31 ديسمبر/كانون الأول 2023)، ص 98.
(9) Lawrence Freedman, “Victims and Victors: Reflections on the Kosovo War,” Review of International Studies, Vol. 26 , Issue. 3, (2000): 335–358.
(10) سيمون سيرفاتي، “وسائل الإعلام والسياسة الخارجية”، في وسائل الإعلام والسياسة الخارجية، ترجمة محمد مصطفى غنيم، تحرير: سيمون سيرفاتي، (القاهرة، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، 1995)، ص 31.
(11) Michael Brüggemann, Hartmut Weßler, “Medien im Krieg. Das Verhältnis von Medien und Politik im Zeitalter transnationaler Konfliktkommunikation,” in Politik in der Mediendemokratie, eds. Frank Marcinkowski, Barbara Pfetsch, (Netherlands: S Verlag für Sozialwissenschaften , GWV Fachverlage GmbH, 2009), 637-638.
(12) جوستافو جوتسي، القوانين والحضارات: القانون الدولي تاريخه وفلسفته، ترجمة حسين محمود، عز الدين عناية، (أبو ظبي، كلمة للترجمة بمركز أبو ظبي للغة العربية، 2023)، ص 15-58.
(13) Lance Bennett, “Toward a Theory of Press-State Relations in the United States,” Journal of Communication, Vol. 40, Issue. 2 (1990): 103-127.
(14) Teresa Joseph, “Mediating War and Peace: Mass Media and International Conflict,” India Quarterly, Vol. 70, No. 3 (2014): 228.
(15) Arnaud Mercier, “War and Media: Constancy and convulsion,” International Review of the Red Cross, Vol. 87, No. 860, (2005): 653.
(16) Joseph, “Mediating War and Peace,”: 228.
(17) François Robinet, “Journalistes, responsables politiques et militaires français en Afrique: une information en co-production (1994- 2008)?,” Relations internationales, No. 153, (2013): 95-106.
(18) David Welch, “Epilogue: We are all propagandists now: Propaganda in the twenty-first Century,” in Propaganda and Conflict : War, Media and Shaping the Twentieth Century, eds. Mark Connelly et al., (London: Bloomsbury Publishing Plc, 2019), 313-314.
(19) Cass Sunstein, Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media, (New Jersey: Princeton University Press, 2017), 71.
(20) Brüggemann, Weßler, “Medien im Krieg,” 637-638.
(21) Ibid, 637-638.
(22) Maxwell McCombs, Amy Reynolds, “News Influence on Our Pictures of the World” in Media effects: Advances in theory and research, eds. Jennings Bryant, Dolf Zillmann, 2nd ed, (Mahwah, New Jersey: Lawrence Erlbaum Associates, 2002), 1-3.
(23) Maxwell McCombs, Donald Shaw, “The Agenda-Setting Function of Mass Media,” The Public Opinion Quarterly, Vol. 36, No. 2, (1972): 176-187.
(24) Maxwell McCombs, Setting the Agenda: Mass Media and Public Opinion, 2nd ed, (Cambridge: Polity Press, 2014), 1-20.
(25) Ibid, 68-85.
(26) Ibid, 86-97.
(27) سعد آل سعود، الاتصال والإعلام السياسي، (الرياض، دار الكتاب الحديث، 2010)، ص 122.
(28) المرجع السابق، ص 124-125.
(29) عبد الرزاق الدليمي، نظريات الاتصال في القرن الحادي والعشرين، (عمان، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2016)، ص 225.
(30) جاد ملكي، أمل ديب، “تأطير الحرب: تغطية الإعلام المرئي العالمي لحرب لبنان عام 2006″، المستقبل العربي (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 413، 2013)، ص 44.
(31) Robert Entman, “Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm,” Journal of Communication, Vol. 43, Issue. 4 (199): 52.
(32) الدليمي، نظريات الاتصال في القرن الحادي والعشرين، ص 225.
(33) Paul D’Angelo, “News Framing as a Multiparadigmatic Research Program: A Response to Entman,” Journal of Communication, Vol. 52, Issue. 4 (2002): 870-888.
– Claes Vreese, “News Framing: Theory and Typology,” Information Design Journal, Vol. 13, Issue. 1, (2005): 51-62.
(34) Daniela Dimitrova, Jesper Strömbäck, “Mission Accomplished? Framing of the Iraq War in the Elite Newspapers in Sweden and the United States,” International Communication Gazette, Vol. 67, Issue. 5, (2005): 400-417.
(35) باسم الطويسي، “المصادر الإعلامية الجديدة وإعادة توزيع القوة”، في ظاهرة ويكيليكس: جدل الإعلام والسياسة بين الافتراضي والواقعي، تحرير: هدى حوا، (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 144.
(36) محمد قيراط، مساءلة الضمير: الصناعة الإعلامية والانتقائية المنظمة، (الكويت، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 2016)، ص 195-198.
(37) ستيوارت ألن، دونالد ماتيسون، “تقارير الحروب في العصر الرقمي”، في كيت أورتون-جونسون، نيك بريور، علم الاجتماع الرقمي: منظورات نقدية، ترجمة هاني خميس أحمد عبده، عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 484، 2021)، ص 208-209.
(38) فاطمة الزهراء محمد أحمد السيد، “الخوارزميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي”، لباب للدراسات الإستراتيجية والإعلامية (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 5، 2020)، ص 120.
(39) “استشراف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في خدمة الإعلام السعودي وقضايا المملكة”، ملتقى أسبار، أكتوبر/تشرين الأول 2023، (تاريخ الدخول: 29 يوليو/تموز 2025)، https://tinyurl.com/4xxpp7d9.
(40) ريمي ريفيل، الثورة الرقمية: ثورة ثقافية؟، ترجمة سعيد بلمبخوت، عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب، الكويت، العدد 262، 2018)، ص 142.
– لي ماكنتاير، ما بعد الحقيقة، ترجمة حجاج أبو جبير، (الرياض، دار معنى للنشر والتوزيع، 2022)، ص 99-131.
(41) Ibrahim Dahman et al., “Netanyahu says Israel is ‘at war’ after Hamas launches surprise air and ground attack from Gaza,” CNN World, October 7, 2023. “accessed February 1, 2025”. https://urli.info/1lH-N.
(42) Amelie Botbol, “Israel’s covert campaign targets Hamas terrorists behind Oct 7 massacre,” Fox news, October 7, 2025, “accessed February 25, 2026”. https://urli.info/1lHV-.
(43) Noga Tarnopolsky et al., “Israel ‘at war’ after unprecedent assault by Hamas militants from Gaza,” The washington Post, October 7, 2023. “accessed February 2, 2024”. https://urli.info/1lI5A.
(44) Yolande Knell et al., “Israel attack: PM says Israel at war after 250 killed in attack from Gaza,” BBC, October 8, 2023. “accessed February 29, 2026”. https://tinyurl.com/3ytphk8x.
(45) “Media Bias Gaza 2023-24,” campain.org, 2024, “accessed September 14, 2025”. https://tinyurl.com/mr43ddt4.
(46) شهيرة بن عبد الله، “رواية فلسطين في وسائل الإعلام الغربية والأجندة المحذوفة”، مجلة الصحافة (معهد الجزيرة للإعلام، الدوحة، العدد 32، 2024)، ص 6.
(47) William Youmans, “The Sunday talk shows on Israel-Gaza: The blob still reigns,” responsiblestatecraft, February 8, 2024, “accessed August 20, 2025”. https://tinyurl.com/3r22jp3f.
(48) Ibid.
(49) “Palestinian, Israeli officials trade blame for Gaza hospital strike,” washingtonpost.com, October17, 2023, “accessed February 25, 2026”. https://tinyurl.com/mve96p76.
(50) Adam Johnson, “Coverage of Gaza War in the New York Times and Other Major Newspapers Heavily Favored Israel, Analysis Shows,” The Intercept, 2024, “accessed September 16, 2025”. https://tinyurl.com/2e2zwj9w.
(51) إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة محمد عناني، (المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، 2023).
(52) محمد أوريا، “أيديولوجيا الخطاب الإعلامي الغربي وأزمته في تغطية الحرب على غزة”، الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 4، 2024)، ص 135.
(53) نورمان فيركلوف، الخطاب والتغير الاجتماعي، ترجمة محمد عناني، (المملكة المتحدة، مؤسسة هنداوي، 2017)، ص 16.
(54) Marc Fisher, “In one week of war, Russia’s invasion of Ukraine may have veered history in a new direction,” The Washington Post, March 2, 2022, “accessed January 23, 2026”. https://tinyurl.com/2ysyf8m2.
(55) فاخر جاسم، “الإعلام الغربي والمعايير الأخلاقية: الأزمة الأوكرانية أنموذجًا”، الثقافة الجديدة (العراق، العدد 436، 2023)، ص 39-40.
(56) Rajan Menon, “Yes, Ukraine needs weapons. But what if supplying them could prove catastrophic?,” The Guardian, March 14, 2022, “accessed February 23, 2026”. https://tinyurl.com/248hawd7.
– David Shimer, “US military aid for Ukraine is about to cease. Is Europe ready?,” The Guardian, April 14, 2025, “accessed February 23, 2026”. https://tinyurl.com/4hkckpsb.
(57) أسامة السعيد، “حرب إعلامية غير باردة.. التغطية الغربية لأزمة أوكرانيا كأداة للصراع”، السياسة الدولية، 24 فبراير/شباط 2022، (تاريخ الدخول: 19 أغسطس/آب 2024)، https://2u.pw/4NeN2X.
(58) المرجع السابق.
(59) أحمد بن ضيف الله القرني، “حرب المعلومات في الأزمة الأوكرانية”، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 22 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/3ruvu62y.
(60) “تغطية الإعلام الغربي للحرب الروسية الأوكرانية.. رؤية نقدية”، مركز القرار للدراسات الإعلامية، 6 مارس/آذار 2022، (تاريخ الدخول: 27 أغسطس/آب 2025)، https://alqarar.sa/6150.
(61) بن عبد الله، “رواية فلسطين في وسائل الإعلام الغربية والأجندة المحذوفة”، مرجع سابق، ص 7.
(62) للاطلاع على مجموعة من التقارير لصحيفة “نيويورك تايمز” بشأن الحرب الروسية-الأوكرانية والتي تستخدم فيها استعارات لغوية ووصفية تُحمِّل روسيا مسؤولية هذه الحرب، يمكن الرجوع لهذا الرابط: https://tinyurl.com/3e9f9kwc.
(63) The New York Times, “Facing Global Outrage, Netanyahu Calls Civilian Deaths in Rafah Strike ‘Tragic Accident’,” May 27, 2024, “accessed February 22, 2026”. https://tinyurl.com/9tf75jrs.
– “Israel Criticized After Strike Kills Scores in Gaza,” The New York Times, Augst 10, 2024, “accessed February 22, 2026”. https://tinyurl.com/2z42we72.
– “Deadly Israeli Strike Hits Central Gaza Hospital Complex,” The New York Times, October 14, 2024″. “accessed February 22, 2026”. https://tinyurl.com/2z42we72.
(64) Writers Against the War on Gaza, “Words like Slaughter: A comparative study of The New York Times reporting in Ukraine and Gaza,” mondoweiss.net, August 16, 2024, “accessed August 19, 2025”. https://tinyurl.com/vk8rpttv.
(65) Johnson, “Coverage of Gaza War in the New York Times and Other Major Newspapers Heavily Favored Israel, Analysis Shows,” op, cit.
(66) “ارتفاع عدد الشهداء الصحفيين إلى 262 منذ بدء العدوان على غزة”، المركز الفلسطيني للإعلام، 8 أبريل/نيسان 2026، (تاريخ الدخول: 9 أبريل/نيسان 2026)، https://tinyurl.com/3znwwrnm.
(67) Hanno Hauenstein, “How German media outlets helped pave the way for Israel’s murder of journalists in Gaza,” The Guardian, August 13, 2025, “accessed September 24, 2025”. https://tinyurl.com/2x2npnt2.
(68) حسن اليوسفي المغاري، “ازدواجية المعايير في حقوق الإنسان: مقارنة إعلامية وحقوقية بين القضية الفلسطينية والحرب الروسية الأوكرانية”، الإعلامي، 15 أبريل/نيسان 2025، (تاريخ الدخول: 21 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/yefmvtra.
-Centre for Media Monitoring, Media Bias Gaza 2023-24, campain.orgو 2024, “accessed September 14, 2025”. https://tinyurl.com/mr43ddt4.
(69) فداء القدرة، “كيف يصوغ الإعلام الغربي كارثة المجاعة في قطاع غزة؟”، مجلة الصحافة (معهد الجزيرة للإعلام، الدوحة، العدد 37، 2025)، ص 77-78.
(70) “لأول مرة: تأكيد حدوث المجاعة في محافظة غزة وتوقعات بامتدادها إلى مناطق أخرى خلال أسابيع”، الأمم المتحدة، 22 أغسطس/آب 2025، (تاريخ الدخول: 27 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/49evj59w.
(71) “Gaza City suffering a ‘man-made’ famine that’s likely to spread, UN-backed initiative says,” CNN, Augst 23, 2025, “accessed August 27, 2025”. https://tinyurl.com/ymtbe2tr.
– “How Israel’s policies created famine in Gaza,” CNN, Augst 23, 2025, “accessed August 27, 2025”. https://tinyurl.com/4b8zhkpz.
(72) نور الدين الميلادي، وأنوار العرفي، “الحرب على السردية الفلسطينية: محاصرة المحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي”، الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 2، 2023)، ص 57.
(73) عبد الرزاق غراف، “حروب الخفاء وسائل التواصل الاجتماعي وإدارة الحرب في غزة: منصة “X” في عين الإعصار ثمن الحقيقة”، مركز الخليج للأبحاث، 2 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 9 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/54dwwxm8.
(74) Magdalene Karalis, “The Information War: Russia-Ukraine Conflict Through the Eyes of Social Media,” Georgetown Journal of International Affairs, 2024, “Accessed September 12, 2025”. https://tinyurl.com/bdcxd9w3.
(75) Dan Ciuriak, “The Role of Social Media in Russia’s War on Ukraine,” April 8, 2022, “accessed September 17, 2025”. https://tinyurl.com/5y354xzh.
(76) Karalis, “The Information War: Russia-Ukraine Conflict Through the Eyes of Social Media,” op, cit.
(77) Ciuriak, “The Role of Social Media in Russia’s War on Ukraine,” op, cit.
(78) Zilia Iskoujina et al., “Social Media as an Information Warfare Tool in the Russia-Ukraine War,” Paper presented at Center for Informed Democracy & Social- Cybersecurity (IDeaS) Annual Conference, Pittsburgh, Pennsylvania, United States, (2024), 1-5.
(79) Karalis, “The Information War: Russia-Ukraine Conflict Through the Eyes of Social Media,” op, cit.
(80) إيمانويل تود، هزيمة الغرب، ترجمة محمود مروة، ط 1 (بيروت، دار الساقي، 2024)، ص 243-265.
(81) “عام من الإبادة الرقمية للفلسطينيين”، صدى سوشال، 2024، (تاريخ الدخول: 17 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/mry7ez6a.
(82) الميلادي، وأنوار العرفي، “الحرب على السردية الفلسطينية: محاصرة المحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي”، مرجع سابق، ص 67.
(83) المرجع السابق، ص 67.
(84) Sahar Khamis, Felicity Sena Dogba, “The Gaza War Coverage: The Role of Social Media vs. Mainstream Media,” IEMed. Mediterranean Yearbook 2024, (European Institute of the Mediterranean, 2024), 297.
(85) Ibid, 297 -298.
(86) “عام من الإبادة الرقمية للفلسطينيين”، مرجع سابق، ص 10.
(87) “83% ضد إسرائيل! تحليل للمحتوى في شبكات التواصل يكشف أغلبية مطلقة تدين الاحتلال وحربه على غزة”، عربي بوست، 17 ديسمبر/كانون الأول 2023 (تاريخ الدخول: 18 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/453wxk5u.
(88) Drew Harwell, “TikTok Was Slammed for Its Pro-Palestinian Hashtags. But It’s not Alone,” The Washington Post, November 13, 2023, “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/2kwnsde4.
(89) John Kehoe, “TikTok’s anti-Israel bias exposed by Aussie tech entrepreneur,” Financial Review, December 8, 2023, “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/4t2cjycy.
(90) منية بن عياد، “تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في بناء الرأي العام تجاه حرب غزة”، مركز دراسات الوحدة العربية، 14 مايو/أيار 2024 (تاريخ الدخول: 18 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/2spx92nn.
(91) Basim Tweissi, “How Israel Lost the 2023 Gaza Propaganda War,” AL-Muntaqa, Vol. 7, No. 1, (January/February 2024) : 127-141.
(92) “Joint Statement of Spain, Ireland, Slovenia and Norway: A renewed commitment for the implementation of the two State solution,” gov.ie, May 28, 2025, “accessed September 20, 2025”. https://tinyurl.com/4fmu55yz.
(93) “UK formally recognises Palestinian State,” bbc.com, Spetember 21, 2025, “accessed Spetember 22, 2025”. https://tinyurl.com/5yevdb6u.