ملخص:  

تتناول الدراسة ظاهرةَ تحوُّلِ منصات التواصل الاجتماعي إلى “سلطة قانونية موازية” تُمارِس تأثيرًا يتجاوز نطاق السلطات القانونية الوطنية والدولية التقليدية. وتركز الدراسة على تطبيقات هذه الظاهرة في سياق الحرب التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ حيث برزت أنماط واسعة من تقييد المحتوى المرتبط بالسردية الفلسطينية على مختلف المنصات الرقمية. وتعتمد الدراسة منهجًا وصفيًّا تحليليًّا يستند إلى مراجعة نقدية لتقارير المنظمات الحقوقية والدراسات الأكاديمية التي وثَّقت آلاف الحالات من الحذف والتقييد والخفض الخوارزمي للمحتوى الفلسطيني. وتُشير نتائج الدراسة إلى أن الرقابة الرقمية لم تَعُد ظاهرة تقنية أو إدارية فحسب، بل أصبحت نظامًا قانونيًّا موازيًا يُمارِس وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء من داخل الفضاء الشبكي، دون أن يستند إلى شرعية سياسية أو مساءلة قانونية واضحة. فالمنصات الرقمية تجاوزت مرحلة “الإشراف على المحتوى” لتُصبح سلطة معيارية تُعِيد تعريف مفاهيم الحرية، والمسؤولية، والعدالة في البيئة الرقمية. ولذلك فإن الرقابة الرقمية لا تعمل بوصفها إجراء تقنيًّا محايدًا، بل تُمارِس دورًا بنيويًّا في تشكيل المجال المعرفي العام، عبر آليات خوارزمية غير شفافة تُعِيد ترتيب ظهور المعلومات وتُهمِّش بعض السرديات. وبهذا المعنى، تُسْهِم هذه المنصات في إنتاج ما يمكن وصفه بـ”الإبادة المعرفية”، بما يُفضي إلى نشوء بنية سلطوية موازية خارج الأطر القانونية التقليدية. وتوصي الدراسة بضرورة تطوير أطر للمساءلة الدولية وآليات رقابية مستقلة تُعزِّز الشفافية وتحمي العدالة الرقمية وحق الشعوب في السرد.

كلمات مفتاحية: الرقابة الرقمية، السلطة الموازية، الضبط الخوارزمي، الإبادة المعرفية، فلسطين.

 

Abstract:

The study examines the phenomenon of social media platforms transforming into a “parallel legal authority” that exerts influence beyond the scope of traditional national and international legal systems. It focuses on how this phenomenon has manifested in the context of the war launched by Israel on the Gaza Strip since October 2023, where widespread patterns of restricting content associated with the Palestinian narrative have emerged across various digital platforms .The study adopts a descriptive-analytical approach based on a critical review of reports issued by human rights organisations and academic research documenting thousands of cases of content removal, restriction and algorithmic downranking of Palestinian content. The findings indicate that digital censorship is no longer merely a technical or administrative phenomenon; rather, it has evolved into a parallel legal system that performs legislative, executive and judicial functions within the networked space, without grounding in clear political legitimacy or legal accountability. Digital platforms have moved beyond the stage of “content moderation” to become a normative authority that reshapes the concepts of freedom, responsibility and justice in the digital environment. Accordingly, digital censorship does not operate as a neutral technical procedure; instead, it plays a structural role in shaping the broader epistemic sphere through opaque algorithmic mechanisms that reorder the visibility of information and marginalise certain narratives. In this sense, these platforms contribute to what may be described as “epistemic annihilation”, leading to the emergence of a parallel power structure operating outside traditional legal frameworks. The study therefore recommends the development of international accountability frameworks and independent oversight mechanisms to enhance transparency, safeguard digital justice and protect the right of peoples to narrate their own stories.

Keywords: Digital Censorship, Parallel Authority, Algorithmic Control, Epistemicide, Palestine.

مقدمة

لم يعد الفضاء الرقمي مجرد امتدادٍ تقنيٍّ للواقع الاجتماعي والسياسي، بل غدا فضاءً موازيًّا تُعاد فيه صياغة السلطة والمعرفة والقانون بوسائل تتجاوز الإطار التقليدي للدولة. وفي ظل تصاعد نفوذ شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام وتوجيه الوعي الجمعي، تحوَّلت هذه المنصات إلى فاعل من نوع جديد يمتلك سلطة تنظيمية مؤثرة في المجال العام عبر سياسات النشر والحذف والتصنيف وتقييد الوصول. وقد كشفت الحرب، التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، هذا التحوُّل بوضوح؛ إذ ظهرت الرقابة الرقمية قوةً مهيمنةً تتحكَّم في السردية، وتُعِيد إنتاج الحقيقة وفق معايير خوارزمية واقتصادية وسياسية متشابكة.

وفي هذا السياق، تبحث الدراسة سؤالًا مُرَكَّبًا: كيف تُنتِج منصات التواصل الاجتماعي عبر سياسات المحتوى وآليات إنفاذها الخوارزمية والإجرائية سلطةً تنظيميةً تؤدي وظائف قانونية موازية (تشريعية، تنفيذية، شبه قضائية)؟ وكيف يتجلَّى ذلك في سياق نزاعي كثيف مثل الحرب على غزة؟

وتفترض الدراسة أن إدارة المنصات الرقمية تجاوزت دور الإشراف التقني على المحتوى، وأصبحت شكلًا من أشكال السلطة القانونية غير الرسمية التي تُعِيد تعريف المسموح والممنوع في المجال العام. ويُثير هذا التحوُّل أسئلةً جوهرية حول شرعية هذه الممارسات ومدى توافقها مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولاسيما حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة وتوثيق الانتهاكات. فالمنصات التي تزعم حماية المستخدمين من خطاب الكراهية أو التحريض تُمارِس في الواقع سياسات انتقائية تنحاز ضد المحتوى الفلسطيني وتُخْضِع الخطاب العام لمنطق المصالح السياسية والاقتصادية.

ومن منظور علم اجتماع القانون تُمثِّل الرقابة الرقمية مرحلة جديدة من الضبط الاجتماعي الذي يُمارَس عبر الخوارزميات بدل أدوات الإكراه المادي. فالخوارزميات تُحوِّل كل تفاعل بشري إلى مورد للمعرفة والضبط، وتُنتِج سلطة شبكية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية لتُعِيد تشكيل التراتبية الاجتماعية والسياسية استنادًا إلى تدفقات البيانات لا إلى النصوص القانونية ضمن ما يُعرَف بـ”رأسمالية المراقبة”. وفي الحالة الفلسطينية لا تقتصر الرقابة الرقمية على حماية المستخدمين، بل تتحوَّل إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي العالمي بالصراع عبر حذف الصور الميدانية وتقييد الشهادات الرقمية وتهميش السردية الفلسطينية. وبهذا المعنى تُسْهِم المنصات فيما يمكن تسميته بـ”الإبادة المعرفية” التي تمحو رواية الشعوب المقهورة من الذاكرة الرقمية وتستبدل بها روايات مُصَنَّعَة تتماهى مع مصالح القوى المهيمنة.

 

  1. الإستراتيجية المنهجية

تنطلق الدراسة في بحث السؤال الإشكالي المركَّب من مقاربة تحليلية مُقارِنة تجمع بين المنهج القانوني والمنهج السوسيولوجي لفهم التحولات البنيوية في مفهوم السلطة داخل الفضاء الرقمي. فهي من جهة، تعتمد على التحليل القانوني المعياري لجانب من النصوص الدولية واللوائح الوطنية المتعلقة بحرية التعبير والحقوق الرقمية ومسؤولية المنصات بهدف الكشف عن حدود الشرعية والمساءلة في إطار القانون الدولي العام. ومن جهة أخرى، تُوظِّف أدوات علم اجتماع القانون لتحليل الكيفية التي تُنتِج بها المنصات سلطة معيارية موازية عبر الخوارزميات وسياسات الاستخدام وآليات المراجعة الذاتية.

ولاختبار فرضية “تجاوز الرقابة الرقمية لدور الإشراف التقني وتحوُّلها إلى سلطة قانونية موازية”، تعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي الذي يقوم على تحليل البيانات الثانوية، وذلك لتفكيك السياسات الرقمية دون الانجرار إلى رصد إحصائي مباشر. ويتحدَّد مجتمع الدراسة في مجمل الانتهاكات الرقمية وسياسات الضبط الخوارزمي الممارَسَة ضد المحتوى الفلسطيني. أما عيِّنة الدراسة فهي عينة قصدية قوامها آلاف الحالات الموثقة والإحصائيات الصادرة عن التقارير الرصدية للمنظمات الحقوقية المتخصصة في الحقوق الرقمية، وعلى رأسها تقارير “مركز صدى سوشيال”، و”مركز حملة”، ومنظمة “أكسس ناو” (Access Now).

وقد ركزت الدراسة تحليلاتها على ثلاث منصات رئيسية، هي: مجموعة “ميتا” التي تضم فيسبوك وإنستغرام، ومنصة إكس، ومنصة تيك توك. ويأتي اختيار هذه المنصات تحديدًا لكونها الفضاءات الأكثر هيمنة على توجيه الرأي العام العالمي، والأكثر استخدامًا لتوثيق السردية الفلسطينية، فضلًا عن امتلاكها لأعتى أنظمة الضبط الخوارزمي المستهدِفة للرواية الحقوقية. أما الإطار الزمني للدراسة، فيقتصر على الربع الأول من الحرب على غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2023 – مارس/آذار 2024) بوصفها المرحلة التي مثَّلت ذروة الاستقطاب الرقمي، وشهدت أعلى معدلات موثَّقة من الحذف والتقييد والإبادة المعرفية للمحتوى الفلسطيني؛ مما يجعلها إطارًا زمنيًّا نموذجيًّا لاختبار أدوات السلطة القانونية الموازية لهذه المنصات.

وتعتمد الدراسة بعض التعريفات الاصطلاحية لضبط الاستخدام:

– السلطة القانونية الموازية: هي قدرة المنصة على وضع قواعد سلوك/خطاب (سياسات المحتوى)، وإنفاذها (الحجب، التقييد، خفض الإتاحة)، والفصل في الاعتراضات ضمن نظام إجرائي خاص بها، بما يُنتِج أثرًا معياريًّا شبيهًا بوظائف القانون دون خضوع مكافئ للرقابة العامة.

– الإبادة المعرفية: يُقصد بها توصيف تحليلي لأثر تراكمي يتمثَّل في إضعاف إمكان إنتاج المعرفة المتداولة وتوثيقها حول حدث نزاعي عبر تعطيل الظهور وإفقاد السياق وتقييد التداول، ولا يُستخدَم بصفته مصطلحًا جزائيًّا لإثبات قصد جنائي.

– الاستعمار الرقمي: يُفهم بوصفه علاقة هيمنة بنيوية تتجسَّد في تحكُّم غير متكافئ بالبنى التحتية للاتصال ومعايير الرؤية/الإخفاء وموارد البيانات، بما يُعيد ترتيب السلطة الرمزية والمعرفية.

 

  1. التحول من الوسيط إلى الفاعل القانوني

ظلَّت شبكات التواصل الاجتماعي، منذ نشأتها في مطلع الألفية الجديدة، تُقدَّم بوصفها مجرد وسائط تقنية محايدة تُتِيح للأفراد التواصل والتعبير وتبادل المعرفة(1) غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحوُّلًا نوعيًّا في موقع هذه المنصات داخل البنية القانونية والاجتماعية العالمية؛ إذ لم تعد مجرد أدوات لتمرير الخطاب، بل غدت فاعلاً قانونيًّا وتنظيميًّا يمتلك سلطة تقريرية على المحتوى والسلوك، ويضطلع بوظائف تشريعية وتنفيذية وقضائية في الفضاء الرقمي(2). ويعكس هذا التحوُّل من “الوسيط” إلى “الفاعل القانوني” انتقال مركز الثقل في ممارسة السلطة من الدول والمؤسسات الرسمية إلى كيانات خاصة تُمارِس سيادة من نوع جديد: سيادة رقمية تتأسس على الكود والخوارزمية بدل النص القانوني المكتوب(3).

2.1. التحول البنيوي في وظائف المنصات الرقمية

عند إطلاق شبكات مثل فيسبوك، عام 2004، ويوتيوب، عام 2005، وتويتر، عام 2006، كان دورها المعلن هو تمكين المستخدمين من التواصل والمشاركة في فضاء مفتوح. وقد صيغت شروط الاستخدام الأولى بروح ليبرالية تُظهِر حرية التعبير وعدم التدخل في المحتوى ما لم يُخالِف القوانين الوطنية. لكن ابتداء من العقد الثاني للألفية ومع تضخم أعداد المستخدمين وتزايد الحضور السياسي والإعلامي على هذه المنصات، بدأت الشركات تفرض نظمًا داخلية للرقابة الذاتية استنادًا إلى مبررات “الأمان” و”الحد من الكراهية” و”حماية المستخدمين”(4).

ومنذ تلك اللحظة لم تعد المنصات تكتفي بدور الوسيط التقني بل انتقلت إلى موقع “الحَكَم” الذي يُقَرِّر ما يجوز نشره وما يجب حجبه، مستندةً إلى “سياسات المجتمع” التي صاغتها داخليًّا بمعزل عن الرقابة العامة أو الشرعية القانونية. لقد باتت هذه السياسات بمنزلة تشريعات رقمية موازية، تُحدِّد المعايير والقواعد التي تضبط الخطاب والسلوك داخل الفضاء الشبكي. فهي تضع تعريفاتها الخاصة لمفاهيم مثل “التحريض” و”العنف” و”خطاب الكراهية”، وتُفصِّل العقوبات الممكنة من التقييد المؤقت للحساب إلى الحذف الدائم. كما أنشأت بعض الشركات، مثل ميتا، لجانًا للمراجعة المستقلة لتُفَصِّل في النزاعات المتعلقة بالمحتوى، فيما يشبه نظامًا قضائيًّا داخليًّا، ولكن دون خضوع لأي سلطة قانونية دولية كانت أو وطنية.

2.2. وظائف السلطة القانونية الموازية

تُمارِس المنصات الرقمية اليوم ثلاث وظائف قانونية رئيسية كانت حكرًا على الدولة الحديثة:

– الوظيفة التشريعية: تصوغ المنصات “قوانينها الخاصة” من خلال شروط الخدمة وسياسات الاستخدام. وتُمثِّل هذه الوثائق ما يُشبه الدساتير المصغرة التي تُنظِّم سلوك مئات الملايين من المستخدمين حول العالم، وهي تُحدِّد الحقوق والواجبات والعقوبات وتُفسِّر المفاهيم القانونية بلغة تقنية؛ مما يمنحها سلطة إنشاء القاعدة المعيارية.

– الوظيفة التنفيذية: تمتلك المنصات آليات فورية لتطبيق هذه القواعد عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي ومشرفي المحتوى الذين يُراقبون ملايين المنشورات يوميًّا. ويُنَفَّذ معظمها آليًّا؛ مما يجعل العقوبات تُطبَّق دون تدخل بشري مباشر ودون ضمانات للتقاضي العادل(5).

– الوظيفة القضائية: تُمارِس المنصات نوعًا من القضاء الداخلي عبر آليات الاعتراض والاستئناف التي تنتهي عادة بقرارات نهائية لا يمكن مراجعتها من جهة مستقلة.

وهكذا، تتجسَّد في المنصات الثلاث سلطات الدولة الحديثة (التشريع والتنفيذ والقضاء) ضمن نظام مغلق لا يخضع للمساءلة العادلة ضمن إطار قانوني بل تحكمه اعتبارات اقتصادية وسياسية. إن اجتماع هذه الوظائف الثلاث في يد كيانٍ خاصٍّ واحدٍ يُمثِّل انتقالًا جوهريًّا في مفهوم السلطة القانونية نفسها. فبينما كان القانون في الدولة الحديثة يُستمد من الإرادة العامة ويُمارَس تحت رقابة مُؤَسَّسِيَّة، أصبح القانون في الفضاء الرقمي يُسْتَمَدُّ من مصالح الشركات ويُمارَس عبر خوارزميات مغلقة لا تخضع للشفافية. وبهذا تكون المنصات التي لا تنتمي إلى نظام الدولة/الأمة، ولا تخضع لقوانينها الإقليمية، تُمارِس سلطة فعلية تتجاوز سلطة الدول ذاتها خارج نطاق السيادة الوطنية(6).

وبناءً على هذا التأطير، تنتقل الدراسة إلى اختبار كيف تعمل هذه الوظائف في لحظة نزاعية مكثَّفة، حيث تتقاطع سياسات المحتوى مع الصراع على الظهور والمعنى والتوثيق.

2.3. حالة الحرب على غزة بوصفها نموذجًا تطبيقيًّا

تُعد الحرب على غزة نموذجًا بالغ الأهمية لفهم طبيعة السلطة القانونية التي تُمارِسها المنصات. فقد رصدت تقارير حقوق رقمية ومؤسسات مجتمع مدني -على اختلاف مناهجها- أنماطًا متكررة من تدخلات المنصات في المحتوى المتصل بفلسطين، مثل الحذف، أو التقييد، أو خفض الإتاحة، أو وَسْم المحتوى، وغالبًا ما تُسوَّغ هذه التدخلات بذرائع سياسات “التحريض” أو “المحتوى العنيف/الصادم”. وتتعامل الدراسة مع هذه المؤشرات بوصفها مادة تحليلية لفهم آليات الضبط، دون تقديم تقديرات كمِّية ما لم تُسنَد بمواضع محددة في التقارير(7).

تُبرِّر الشركات هذه التدخلات بالاستناد إلى سياسات مكافحة “التحريض على العنف” أو “المحتوى الصادم”. وبقراءة تحليلية نقدية يمكن افتراض أن طريقة تطبيق هذه السياسات في سياق شديد الحساسية، مثل الحرب على غزة، قد تُنتِج آثارًا غير متناظرة على أشكال التعبير المختلفة، بما يفتح سؤال “الانتقائية” بوصفه سؤالًا إجرائيًّا حول معايير الإنفاذ وشفافيته، لا حكمًا قطعيًّا على النوايا.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى قرارات الحذف بوصفها إجراءات تقنية محضة بل بوصفها أحكامًا قانونية ضمنية تُصدِرها جهة غير حكومية تُحدِّد مَنْ هو “المذنب” ومَنْ هو “الضحية” داخل الخطاب العام. وللتوضيح التحليلي لنفترض حالة افتراضية يُحْذَف فيها مقطع يُظهِر مشاهد عنف مدني تحت تصنيف “المحتوى العنيف”. هنا، لا يعمل القرار بصفته ترتيبًا تقنيًّا للظهور فحسب بل يُنتِج أثرًا معياريًّا ضمنيًّا حول ما يُسْمَح له بالدخول إلى المجال العام الرقمي، بما ينعكس على تشكيل الوعي الجمعي وحدود النقاش العام.

2.4. السلطة الخوارزمية وتحول مفهوم الشرعية

إن جوهر التحوُّل من الوسيط إلى الفاعل القانوني لا يكمن فقط في امتلاك أدوات الحذف والمنع، بل في إعادة تعريف الشرعية القانونية ذاتها. ففي النظام القانوني التقليدي، تُبْنَى الشرعية على النصوص القانونية، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والمساءلة أمام القضاء. أما في النظام الرقمي، فإن القانون يُكْتَب بلغة الكود البرمجي، والسلطة تُمارَس عبر خوارزميات تَتَّخِذ القرارات آليًّا بناءً على أنماط سلوك المستخدمين(8).

وقد وصف لورنس ليسيج (Lawrence Lessig) هذا النمط الجديد بعبارته الشهيرة: “الكود هو القانون”، مُبَيِّنًا أن القيود التقنية المُضَمَّنَة في تصميم المنصات تُؤدي الدور نفسه الذي يُؤديه القانون المكتوب في تنظيم السلوك. ورغم ذلك، فإن هذه القيود لا تصدر عن برلمان منتخب ولا تخضع لقضاء مستقل بل تُصاغ وفق مصالح اقتصادية وأيديولوجية(9).

وهكذا أصبحت الخوارزميات تُمارِس نوعًا من القضاء الشبكي/شبه القضائي؛ إذ يُحاكَم المستخدم بناءً على بياناته وتفاعلاته وسلوكه السابق. هذه الممارسات لا تُنتِج فقط قيودًا على حرية التعبير، بل تخلق أيضًا نظامًا جديدًا للضبط الاجتماعي يعتمد على التوقع والتصنيف المسبق، وهو ما يُشبه ما وصفه ميشيل فوكو (Michel Foucault) بـ”السلطة الانضباطية” ونموذج المراقبة الشاملة (Panopticon) ولكن في سياق رقمي معاصر(10).

2.5. نتائج تحول المنصات إلى فاعل قانوني

يترتب على هذا التحوُّل جملة من النتائج الجوهرية، أبرزها:

– تآكل سيادة الدولة القانونية: فقد باتت الشركات التقنية تُحدِّد ما يُسْمَح بنشره داخل حدود الدول دون الرجوع إلى سلطاتها التشريعية أو القضائية(11).

– خصخصة العدالة: عبر تحوُّل تطبيق القانون من المجال العام إلى المجال الخاص؛ إذ تُدار العدالة بواسطة كيانات تجارية تخضع لمنطق السوق لا لمنطق الحق(12).

– انعدام المساءلة الديمقراطية: لا توجد آليات فعَّالة لإلزام المنصات بالشفافية أو لتبرير قراراتها؛ مما يجعل المستخدمين بلا ضمانات حقيقية لحقوقهم الرقمية(13).

– إعادة إنتاج التفاوت المعرفي والسياسي: تُسْهِم الرقابة الرقمية في تعزيز الهيمنة الثقافية والسياسية من خلال تهميش الأصوات المعارضة أو القادمة من الأطراف، كما في الحالة الفلسطينية(14).

إن فهم هذا التحول لا يمكن أن يقتصر على التحليل التقني، بل يتطلب مقاربة سوسيولوجية/قانونية تُبْرِز أن المنصات الرقمية باتت تُمثِّل مؤسسات قانونية بديلة تعمل ضمن نظام عالمي موازٍ لا يخضع لقواعد الشرعية الديمقراطية ولا لمبدأ المساواة أمام القانون.

 

  1. الإطار القانوني الدولي وحدود مساءلة المنصات

بعد أن تبيَّن في المبحث السابق أن المنصات الرقمية باتت تُمارِس سلطة قانونية فعلية، يَبْرُز السؤال حول مدى إمكانية مساءلتها قانونيًّا على المستوى الدولي، وكيف يمكن إخضاع كيانات تجارية خاصة لمعايير الشرعية والمساءلة، في حين أنها لا تنتمي إلى النظام القانوني الوطني، ولا تخضع للقوانين الإقليمية أو الرقابة القضائية التقليدية في غالب دول العالم.

ومن هذا المنطلق، يسعى الباحث إلى تحليل الإطار القانوني الدولي الناظم لحرية التعبير والمسؤولية عن المحتوى، وكشف الثغرات البنيوية التي سمحت بظهور “سلطات رقمية موازية” تُمارِس نفوذًا فعليًّا خارج ولاية الدولة.

3.1. حرية التعبير في القانون الدولي ومكانة الفضاء الرقمي

تُظهِر المواثيق الدولية الكبرى، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، أن حرية الرأي والتعبير من الحقوق الأساسية للإنسان. وقد وسَّعت لجنة حقوق الإنسان في تفسيرها للمادة (19) من العهد، عبر تعليقها العام رقم (34)، نطاقَ الحق في التعبير ليشمل الوسائل الإلكترونية والفضاء الرقمي. وبذلك اعترف القانون الدولي ضمنيًّا أن الإنترنت أصبح جزءًا من المجال العام الذي يجب أن تُصان فيه حرية التعبير. لكن الإشكالية تظهر عندما تتحكَّم شركات خاصة بهذا المجال العام العالمي. فالقانون الدولي يُحمِّل الدول مسؤولية حماية هذا الحق، لكنه لا يفرض التزامات قانونية مباشرة على الكيانات الخاصة. ولذلك لا توجد حتى الآن آلية دولية فعَّالة تُلْزِم المنصات الكبرى باحترام حرية التعبير بوصفه حقًّا عالميًّا، إلا في حدود المعايير الطوعية التي تعتمدها الشركات نفسها(15).

هذا الفراغ القانوني بين سلطة الدولة ومسؤولية الشركات أدَّى إلى نشوء منطقة رمادية يستغلها الفاعلون الرقميون لتشكيل قواعد شبه قانونية تُنَظِّم السلوك داخل فضاء لا يخضع للسيادة الوطنية.

3.2. الطبيعة القانونية للمنصات وحدود ولايتها

تُمارِس المنصات الرقمية نشاطها في عشرات الدول ضمن إطار تعاقدي موحَّد يُعرَف باسم “شروط الخدمة” (Terms of Service)، وغالبًا ما تُصاغ هذه الشروط وفق القانون الأميركي أو الإيرلندي دون اعتبار للقوانين المحلية. وبناء عليه تتحوَّل المنصة إلى كيان قانوني عابر للسيادة، يملك القدرة على فرض لوائح داخلية تُنَظِّم علاقة ملايين المستخدمين حول العالم. ويُظْهِر العديد من الدراسات المعاصرة حول حرية التعبير في الفضاء الرقمي أن هذه العقود تُشَكِّل في الواقع نظامًا قانونيًّا خاصًّا يقوم على القوة التعاقدية للشركة لا على التشريعات الوطنية(16).

أما على الصعيد الدولي، فهذه المنصات ليست ضمن أشخاص القانون الدولي بالمعنى الكلاسيكي، لكنها تُمارِس سلطة فعلية تتجاوز أحيانًا سلطة الدول ذاتها. لذلك برزت اتجاهات فكرية وحقوقية حديثة تدعو إلى الاعتراف بها بوصفها فواعل من غير الدول يجب إخضاعها لإطار قانوني دولي خاص، كما أشار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقاريره حول حرية التعبير في العصر الرقمي(17).

وفي ذات السياق، تُظْهِر بعض الكتابات العربية أن هذه المنصات تحوَّلت إلى “مؤسسات فوق وطنية”، وأن إخضاعها للمساءلة يتطلَّب تطوير أدوات قانونية تتجاوز المنظور القُطْرِي التقليدي لتصبح جزءًا من منظومة حقوق الإنسان الدولية(18).

3.3. مسؤولية المنصات عن انتهاك حرية التعبير

يمكن تصنيف مسؤولية المنصات الرقمية إلى ثلاثة مستويات رئيسية:

– المسؤولية التعاقدية: وهي تنبع من العلاقة المباشرة بين المستخدم والمنصة، فشروط الاستخدام تمنح الشركة سلطة مطلقة في حذف أو تقييد المحتوى دون إلزام بالشفافية أو ضمان حقِّ الاعتراض، وهو ما يجعلها عقود إِذْعَان غير متوازنة(19).

– المسؤولية القانونية الداخلية: تُمارِسها بعض الدول من خلال تشريعات وطنية كما في تجربة الاتحاد الأوروبي الذي أَقَرَّ، عام 2022، قانون الخدمات الرقمية (DSA) لتنظيم آليات الشفافية والمساءلة. غير أن هذه القوانين لا تمتد فاعليتها خارج الاتحاد، ولا تملك سلطة على القرارات المتعلقة بالمحتوى السياسي في مناطق النزاع(20).

– المسؤولية الدولية غير المباشرة: وهي التي تناولتها المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (2011)، التي وضعت ثلاث ركائز: واجب الدول في “الحماية”، ومسؤولية الشركات في “الاحترام”، والحاجة إلى آليات فعَّالة “لجبر الضرر”، بيد أن هذه المبادئ تبقى إرشادية لا تُنْشِئ التزامًا قانونيًّا مباشرًا، ولا تُؤَسِّس لمسؤولية دولية على المنصات الخاصة؛ مما يجعل أثرها محدودًا(21).

3.4. التوازن بين حرية التعبير ومكافحة التحريض والكراهية

تُحاول المنصات الكبرى تبرير تدخلها في المحتوى بالاستناد إلى “واجبها في حماية المستخدمين”، إلا أن ممارساتها تُظْهِر انحيازًا سياسيًّا وثقافيًّا واضحًا، كما في تعاملها مع المحتوى الفلسطيني(22). وقد أشار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن هذه الشركات تُمارِس سلطة تقديرية واسعة في تفسير حدود حرية التعبير؛ ما يؤدي إلى قرارات غير مُتَّسِقَة وغير شفافة. وفي زمن النزاعات -كما هي الحال في الحرب على غزة- تتحوَّل هذه القرارات إلى أداة ضبط معرفي، تُعيد إنتاج التفاوت السياسي بين الرواية الإسرائيلية والرواية الفلسطينية(23). وتُبَيِّن دراسات معاصرة أن غياب إطار دولي واضح للمساءلة الرقمية أدَّى إلى ترسيخ “نظام رقابة غير مرئي” يُمارِس تأثيرًا مشابهًا لسلطة الدولة، لكن دون قيود دستورية أو رقابة قضائية(24).

3.5. التجارب المقارنة في مساءلة المنصات

من المهم استعراض لمحة عن ثلاث تجارب متنوعة في هذا السياق:

– الاتحاد الأوروبي: فَرَضَ قانون الخدمات الرقمية لعام 2022 -بوصفه نموذجًا متقدمًا للحوكمة الرقمية- على المنصات التزاماتٍ تتعلق بالشفافية والإفصاح عن خوارزميات التوصية، وبحق المستخدمين في الاعتراض على قرارات الحذف. وقد عُدَّ هذا القانون خطوة نحو بناء نظام مساءلة متعدد المستويات.

– الولايات المتحدة: لا تزال المادة 230 من قانون آداب الاتصالات (1996) تمنح المنصات حصانة شبه مطلقة من المسؤولية عن محتوى المستخدمين؛ مما يُرسِّخ مفهوم “الاستقلال الذاتي للشركات الرقمية”(25).

– الدول العربية وتركيا: تبنَّت تركيا، منذ 2020، تعديلات تشريعية تُلْزِم المنصات بوجود مُمثِّل قانوني محلِّي ومسؤولية جزئية عن الامتثال لأوامر القضاء الوطني، دون وضع آليات واضحة لمساءلتها عن انتهاكات حرية التعبير. أما في العالم العربي فتركز التشريعات غالبًا على الحجب والمراقبة أكثر من مساءلة المنصات الأجنبية(26).

3.6. نحو إطار قانوني دولي جديد

إن تجاوز هذه الإشكاليات يتطلَّب رؤية قانونية عالمية جديدة تعترف بالمنصات بوصفها فاعلًا قانونيًّا غير حكومي، وتُلْزِمها بمعايير واضحة لحماية الحقوق الرقمية. وتَبْرُز في هذا السياق مجموعة من المقترحات الأكاديمية والحقوقية، منها إدراج التزامات مباشرة للشركات الخاصة ضمن اتفاقيات دولية لحقوق الإنسان الرقمية، وإنشاء هيئة دولية مستقلة لمراقبة التزام المنصات بحرية التعبير، بالإضافة إلى تعزيز مبدأ الشفافية الخوارزمية وحقِّ المستخدم في مراجعة القرارات الآلية، وتطوير ميثاق عربي للحقوق الرقمية يربط بين الخصوصية الثقافية العربية ومتطلبات القانون الدولي.

ويُظْهِر التحليل أن مساءلة المنصات الرقمية تقع ضمن فراغ قانوني مزدوج: داخليًّا بسبب ضعف الرقابة الوطنية، ودوليًّا بسبب غياب الاعتراف القانوني بها فاعلًا في النظام الدولي. كما يتضح أن النظام الدولي لحقوق الإنسان -بصيغته الحالية- لا يمتلك الأدوات الكافية لمساءلة المنصات عن الرقابة الرقمية أو التمييز ضد السرديات المهمشة. ولذلك فإن المستقبل يتطلَّب تطوير قانون دولي للفضاء الرقمي يُعيد تعريف المسؤولية القانونية والشرعية السياسية في العصر الخوارزمي. وبهذا تُصبح العدالة الرقمية وحقُّ الشعوب في السردية الحرة جزءًا من منظومة حقوق الإنسان العالمية، وليست مجرد قضية تكنولوجية أو إعلامية.

 

  1. الخوارزمية أداة ضبط اجتماعي وقانوني

يشهد العالم المعاصر تحوُّلًا جوهريًّا في مفهوم الضبط الاجتماعي مع صعود الخوارزميات إلى موقع مركزي في إدارة الحياة اليومية. لم تعد الخوارزمية أداة تقنية لتنظيم البيانات أو تسهيل الوصول إلى المعلومات بل أصبحت آلية معيارية تُعيد إنتاج السلطة القانونية والاجتماعية داخل الفضاء الرقمي. فهي تُقرِّر ما يُرى وما يُخفَى، وتُحدِّد أولويات النقاش، وتُوجِّه السلوك الجمعي من خلال عمليات التصنيف والترشيح والتصفية، وتُصدِر “أحكامًا” ذات أثر قانوني ضمني يفوق أحيانًا سلطة القانون المكتوب. وبذلك فإن فهم الرقابة الرقمية لا يكتمل إلا بإدراك جوهرها: وهو تلك الخوارزميات بوصفها جهازًا قانونيًّا غير معلن يُمارِس وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء في آنٍ واحد.

4.1. من السلطة الانضباطية إلى السلطة الخوارزمية

ينطلق ميشيل فوكو في تحليله للحداثة من فكرة أن السلطة لا تُمارَس فقط عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها القسرية بل عبر أنظمة المراقبة والمعرفة التي تُنتِج الطاعة من الداخل. وقد جسَّد ذلك في مفهومه “السلطة الانضباطية”؛ إذ تُعيد المؤسسات إنتاج النظام الاجتماعي عبر الضبط الدقيق للسلوك والأجساد(27).

وفي ظل الثورة الرقمية انتقل هذا المنطق إلى الفضاء الافتراضي؛ إذ أصبحت الخوارزميات الأداةَ الجديدةَ للانضباط، تُمارِس مراقبة دقيقة للسلوك الرقمي عبر جمع البيانات وتحليلها وتوجيهها في أنماط متكررة. فبدلًا من أن تُفْرَض السلطة من الخارج، يُنتِج المستخدِم ذاته المراقبة من الداخل عبر تفاعلاته ومؤشراته في المنصات، فيما يمكن أن يُطْلَق عليه “الانضباط الطوعي”؛ إذ يُمارِس الأفراد الامتثال للخوارزميات دون وعي مباشر، مدفوعين برغبتهم في الظهور والمشاركة. وهكذا تتحوَّل المنصات إلى مؤسسات ضبط ناعمة لا تُمارِس العقاب بالعنف بل بالإغراء والحرمان الرمزي، من خلال خفض التفاعل أو حجب المحتوى، وهي آليات تُشبه ما وصفه فوكو بالرقابة الانضباطية، ولكن في صيغة رقمية معاصرة.

4.2. الخوارزمية جهاز قانوني مضمَر

الخوارزمية ليست كودًا برمجيًّا محايدًا بل منظومة معيارية تُتَرْجِم السياسة إلى معادلات رياضية. وقد أوضح ليسيج أن “الكود هو القانون”، في إشارة إلى أن قواعد البرمجة تُحدِّد ما يمكن وما لا يمكن فعله داخل الفضاء الرقمي، تمامًا كما يفعل القانون في المجتمع الحديث(28). وبهذا المعنى، فإن الخوارزمية تُشكِّل ما يُسمِّيه جولي كوهين (Julie Cohen) “السلطة القانونية الخفية”؛ إذ تُمارِس الخوارزميات تنظيمًا للسلوك من خلال عمليات تلقائية غير مرئية للجمهور، لكنها تُحدِّد الأطر التي يتحرك ضمنها الخطاب العام(29).

إن هذه الآليات تُنتِج نظامًا جديدًا من القانون الاحتمالي؛ إذ تُبْنَى الأحكام على التنبُّؤات بدلًا من الوقائع، فالمحتوى “قد” يكون خَطِرًا أو “قد” يُثير الكراهية، وبناءً على هذا الاحتمال تُفْرَض العقوبة أو يُمنَح الامتياز. وهذا يُكرِّس تحوُّل الشرعية من النص الواضح إلى نموذج خوارزمي مغلق لا يخضع للمساءلة العامة(30).

4.3. من الرأسمالية القانونية إلى رأسمالية المراقبة

قدَّمت شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) مفهوم “رأسمالية المراقبة” لتفسير الكيفية التي أصبحت فيها البيانات البشرية مصدرًا للربح والسيطرة. فالخوارزميات لا تُنَظِّم المعلومات فحسب بل تستخلص القيمة من السلوك الإنساني عبر المراقبة المستمرة وتحليل الأنماط الاستهلاكية والسياسية. وفي هذا النظام الجديد، تُدْمَج السلطة القانونية والاقتصادية في بنية واحدة؛ إذ تتحوَّل معايير العدالة إلى أدوات تسويقية تُسْتَخْدَم لتوجيه الرأي العام بما يخدم مصالح السوق والسياسة(31).

يُجادل عزمي بشارة بأن الهيمنة في المجتمعات المعاصرة لم تعد تعتمد على الإكراه المادي المباشر بل تتشكَّل عبر “سلطة ناعمة” تُنْتِجُها التحالفات العميقة بين رأس المال الاقتصادي وأدوات الإنتاج الثقافي والمعرفي. ويؤكد أن هذا الاندماج العضوي يُحوِّل فضاءات المجتمع المدني والإعلام إلى أدوات لإعادة إنتاج أيديولوجيا القوى المهيمنة، وتوجيه وعي الجماهير وضبط سلوكهم طوعيًّا(32). وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع بنية المنصات الرقمية اليوم؛ إذ تُمثِّل هذه المنصات التجسيد التقني المعاصر لاتحاد “رأس المال والمعرفة”؛ إذ تُوظَّف الخوارزميات أداةً لفرض الهيمنة الناعمة وتهميش السرديات المناهضة، والتسويق لسردية بديلة لا تعتمد على الحقائق بقدر ما تعتمد على طمسها.

4.4. آليات الضبط الخوارزمي

تعمل المنصات الرقمية من خلال مجموعة من الآليات المترابطة التي تُعيد إنتاج السلطة القانونية والاجتماعية في الفضاء الرقمي:

– التصفية: تحديد ما يُعْرَض أو يُخفى للمستخدم؛ ما يخلق رقابة مسبقة غير معلنة.

– الترتيب: تنظيم المحتوى وفق أولويات تُحدِّدها المنصة؛ مما يمنح بعض الأصوات هيمنة على حساب أخرى.

– التصنيف: إضافة وسوم مثل “محتوى مُضَلِّل” أو “تحريض على الكراهية”، وهي آلية تمنح المنصة سلطة تقييمية تُشبه الأحكام القضائية.

– الحَظْر الظلِّي: حجب غير مُعْلَن للمحتوى أو تقييد انتشاره دون إخطار المستخدم، بما يُشبه عقوبات تأديبية خفية.

تُشكِّل هذه الآليات مجتمعة ما يمكن تسميته بـ”القانون الخوارزمي”، وهو نظام ضبط يقوم على التنبؤ الإحصائي وليس على النصوص، ويهدف إلى التحكُّم في السلوك الجمعي أكثر من تحقيق العدالة(33). ويعمل النظام الرقمي على ضبط السلوك الإنساني من خلال بنية متعددة المستويات، تتداخل فيها الأبعاد التقنية والتنظيمية والاقتصادية والمعرفية لتُشكِّل معًا منظومة متكاملة للسيطرة. ويمكن تمييز خمسة مستويات رئيسية لهذا الضبط، تتدرَّج من البنية التحتية التقنية إلى مستوى الهيمنة السردية والمعرفية.

يبدأ الضبط من المستوى التقني، وهو الأساس الذي تُبْنَى عليه بقية المستويات، ويتجلى في البنية التحتية للشبكات والبيانات. فالتحكُّم في الخوادم، وتشفير الاتصال، وتحديد مسارات الوصول إلى المعلومات تُمثِّل أدوات سلطة مادية تُحدِّد مَنْ يمكنه المشاركة في الفضاء الرقمي، وكيف تُدار حركة البيانات داخله. ويُتِيح هذا المستوى للشركات المالكة للبنية الرقمية قدرة شبه مطلقة على تقييد الوصول أو حجبه، بما يُعادل السيطرة على المجال العام في صيغته الافتراضية.

أما المستوى الخوارزمي فيُمثِّل جوهر السلطة الرقمية الحديثة، وهو الذي يُحدِّد ما يظهر للمستخدم وما يُخفى عنه، من خلال آليات التصفية والترتيب والتصنيف. وتعمل الخوارزميات قاضيًا غير مرئي يُقرِّر ما يستحق الظهور وما ينبغي تهميشه، مستخدمةً بيانات المستخدمين وأنماط سلوكهم لإنتاج أنظمة تقييم وتنبُّؤ. هذا الضبط الحسابي يُعيد تشكيل الخطاب العام من خلال التحكُّم في فرص الوصول إلى الجمهور، ومن ثم في تشكيل الرأي العام ذاته.

ويأتي المستوى التنظيمي ليُترجِم السلطة الخوارزمية إلى قواعد شبه قانونية. هنا، تضع المنصات سياسات المجتمع وشروط الاستخدام التي تُعَد بمنزلة تشريعات داخلية تُنَظِّم التفاعل بين ملايين المستخدمين. وتُمارِس المنصات في هذا الإطار أدوارًا تشريعية وتنفيذية وقضائية في الوقت ذاته، عبر إصدار القرارات بالحذف أو التقييد أو الحظر، وتفعيل لجان المراجعة الداخلية التي تمنح قراراتها طابعًا قضائيًّا من دون أي رقابة عامة أو شفافية حقيقية.

ويضيف المستوى الاقتصادي بعدًا آخر للضبط؛ إذ تُدار الخوارزميات وفق منطق السوق لا منطق العدالة. فالمنصات تُعيد توجيه المحتوى بما يخدم مصالح المُعْلِنِين أو الشركاء السياسيين، وتربط قابلية الظهور بالجدوى الاقتصادية. وهكذا تتحوَّل الرقابة من وظيفة أخلاقية أو قانونية إلى آلية استثمارية تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة الاقتصادية والسياسية على مستوى عالمي.

أخيرًا، يتجلى المستوى المعرفي/الرمزي بوصفه أعلى درجات الضبط الإلكتروني؛ إذ يتجاوز حدود التنظيم إلى تشكيل الوعي نفسه. في هذا المستوى لا تتحكَّم المنصات في المحتوى فقط بل في المعنى: تُحدِّد ما هو خبر وما هو تحريض، وما يُعَدُّ حقيقة وما يُعَد تضليلًا. ومن خلال التكرار والإخفاء والوسم، تُعاد صياغة الذاكرة الجمعية، بما يؤدي إلى تهميش السرديات غير المرغوبة وإنتاج إبادة معرفية للصوت الضعيف كما هي الحال في التعتيم على المحتوى الفلسطيني(34).

تُشير هذه المستويات الخمسة إلى أن الضبط الإلكتروني لا يُمارَس في بُعْدٍ واحد بل من خلال شبكة متراكبة من السلطات تبدأ من التقنية وتنتهي بالرمز. إنها سلطة متكاملة تعمل على تنظيم السلوك، وتوجيه الفكر، وصياغة المعنى، داخل فضاء لا يخضع لرقابة قانونية أو سيادة سياسية؛ مما يجعلها النموذج الأحدث لما يمكن تسميته بـ”السلطة الانضباطية الرقمية”.

شكل (1): مستويات الضبط الإلكتروني

4.5. الضبط الخوارزمي في السياق الفلسطيني

تُعَد الحرب على غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2023) نموذجًا واضحًا لتجلِّي سلطة الخوارزميات بوصفها فاعلاً قانونيًّا وسياسيًّا. فقد وثَّقت التقارير آلاف الحالات التي تمَّ فيها حذف أو تقييد محتوى فلسطيني باستخدام أنظمة تصنيف آلية تَعُدُّ روايةَ الضحية “تحريضًا” أو “عنفًا”. وتُظْهِر تحليلات لغوية ودلالية لهذه الحالات أن كثيرًا من المحتوى المحذوف لم يتضمن أي تحريض، بل كان توثيقًا ميدانيًّا لانتهاكات إنسانية(35). إن الخوارزمية هنا لا تعمل بوصفها أداةً تقنيةً بل فاعلًا سياسيًّا يُعيد تعريف الشرعية القانونية والمعرفية معًا؛ إذ تُحدِّد مَنْ يحقُّ له الظهور ومن يُحجب صوته.

4.6. العدالة الخوارزمية ومطلب الشفافية

أمام تصاعد هذه السلطة الخفية، ظهرت دعوات لتأسيس مفهوم جديد هو العدالة الخوارزمية (Algorithmic Justice)، التي تقوم على مبدأي الشفافية والمساءلة. ويُقصد بالشفافية تمكين المستخدمين والباحثين من فهم منطق الخوارزميات وآلية اتخاذ القرار، بينما تعني المساءلة إنشاء هيئات مستقلة لمراجعة القرارات الآلية وتصحيح الانحيازات(36).

وقد بدأت بعض المبادرات الأوروبية، استنادًا إلى قانون الخدمات الرقمية، في تطوير آليات لمراجعة القرارات الخوارزمية(37)، لكن الشركات لا تزال ترفض الإفصاح الكامل عن كودها بحجة حماية الملكية الفكرية؛ ما يجعل السلطة الخوارزمية بلا رقابة حقيقية(38).

4.7. الخوارزمية والشرعية الاجتماعية للقانون

من وجهة نظر سوسيولوجية نجد أن شرعية أي نظام قانوني تُسْتَمَدُّ من قبول المجتمع له بوصفه عادلًا، لكن الخوارزميات بوصفها مغلقة وغير شفَّافة تُقَوِّض هذا الأساس؛ إذ يشعر المستخدمون بأن قراراتها تخضع لمصالح الشركات لا لمبدأ العدالة. ويوضح العديد من الدراسات أن هذا الإحساس بانعدام الشرعية يُهدِّد الثقة العامة في الفضاء الرقمي ويُنتِج مقاومة صامتة لدى المستخدمين عبر سلوكيات التفاف وتشفير. وهكذا، تتآكل الشرعية الاجتماعية للمنصات كما تآكلت شرعية الدولة الحديثة في أواخر القرن العشرين؛ مما يستدعي إعادة بناء عقد اجتماعي رقمي قائم على الشفافية والمساءلة الخوارزمية(39).

وبهذا يَتَبَيَّن أن الخوارزمية لم تعد أداة تقنية، بل بنية قانونية واجتماعية كاملة تُعيد صياغة علاقة الفرد بالقانون والمجتمع. إنها تُمثِّل مرحلة متقدمة من السلطة الانضباطية التي وصفها فوكو، في ثوب رقمي يتخفَّى وراء واجهات الاستخدام. فالعدالة في العصر الرقمي تبدأ من الكود ذاته، وإذا كان القانون الحديث قد بُنِي على مبدأ سيادة النص، فإن المجتمع الرقمي لا يمكن أن يقوم إلا على مبدأ سيادة الخوارزمية العادلة، أي خوارزمية تخضع للمراجعة والمساءلة وتعمل لخدمة الإنسان لا للهيمنة عليه.

 

  1. الإبادة المعرفية للسردية الفلسطينية

يُشكِّل الفضاء الرقمي اليوم الساحة الأكثر تأثيرًا في إنتاج الذاكرة الجمعية وتداول السرديات السياسية. وفي هذا السياق، برزت الحالة الفلسطينية بوصفها نموذجًا يُظْهِر كيف تتحوَّل سياسات المنصات والخوارزميات إلى إبادة معرفية، أي تهميش منهجي للرواية الفلسطينية عبر الحذف، والتقليل من الوصول، وإعادة تشكيل سياقات المعنى. لا تقتصر هذه الظاهرة على الممارسات التقنية بل ترتبط ببنية أشمل من الهيمنة الرمزية والاقتصاد السياسي للمنصات؛ حيث تتقاطع اعتبارات السوق والسياسة مع معايير “السلامة” التي تصوغها الشركات الكبرى المتحكمة في المنصات(40).

5.1. المفهوم والأصول النظرية للإبادة المعرفية

تُشير التقارير الحقوقية إلى أن أنظمة الإشراف الخوارزمي على المحتوى أدَّت إلى حذف أو خفض وصول آلاف المنشورات المرتبطة بالسردية الفلسطينية خلال الحرب على غزة. وعندما تعمل هذه الآليات بصورة غير شفافة وتؤثر بصورة منهجية في قابلية ظهور المعلومات داخل المجال الرقمي، فإن أثرها لا يقتصر على تنظيم المحتوى بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجال المعرفي العام، وهو ما يمكن وصفه تحليليًّا بما يُسَمَّى “الإبادة المعرفية”.

يُستخدَم مفهوم الإبادة المعرفية (Epistemicide) لبيان تدمير أو تهميش أنماط معرفة الجماعات المقهورة لصالح المعرفة المهيمنة. وبحسب أطروحة بوفنتورا دي سوزا سانتوس (Boaventura de Sousa Santos)، فإن السيطرة لا تتم بالسلاح وحده، بل أيضًا عبر نزع الشرعية عن معارف المستعمَرين وتهميش لغاتهم وسردياتهم. وعند إسقاط هذا الإطار على الفضاء الرقمي، يُصبح التحكُّم الخوارزمي في الظهور والوصول شكلًا حديثًا من تهميش المعرفة الأصيلة وإقصائها خارج أرشيف الذاكرة العالمية(41).

ومن المهم التأكيد أن مصطلح الإبادة المعرفية يُسْتَخْدَم هنا بوصفه توصيفًا سوسيولوجيًّا لأثر تراكمي على المجال المعرفي والسردي، لا توصيفًا قانونيًّا لجريمة بعينها.

5.2. الاستعمار الرقمي وهندسة الوعي

تُظْهِر تقارير فلسطينية ودولية آلاف الحالات من حذف أو تقييد محتوى يوثِّق الانتهاكات في غزة، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما يشمل تعطيل وسوم، وخفض وصولٍ منهجيٍّ للمحتوى الحقوقي والإخباري. وتُشير هذه التقارير إلى أن نسبة كبيرة من المحتوى المقيَّد كان شهادات ميدانية أو مواد توثيقية لا تحمل تحريضًا؛ ما يكشف انتقال الخوارزميات من إدارة المخاطر التقنية إلى هندسة المجال الإدراكي للجمهور العالمي. وبذلك يتحوَّل الحذف من قرار تنظيمي إلى تجريف للذاكرة يُضْعِف إمكانية التوثيق القانوني لاحقًا(42).

وتُقدِّم دراسات “المجتمع المِنَصِّي” إطارًا لفهم كيف تُعيد المنصات ترتيب تدفُّق المعلومات بما يخدم مصالحها المُؤَسَّسِيَّة عبر سياسات التوصية والتصنيف. وتُشير إلى صلة ذلك بآليات السيطرة الناعمة؛ إذ تُمارِس المنصات ضبطًا معرفيًّا يُعيد تشكيل أولويات الرؤية العامة، فتُظْهِر روايات وتُخفي أخرى، دون مسارات مراجعة فعَّالة أو شفافية في المعايير. هذا النمط يرتبط بما تصفه زوبوف بـ”رأسمالية المراقبة”؛ إذ تتحوَّل البيانات والسلوكيات إلى مادة لتوقع التفاعل وتوجيهه، بما يخلق تراتبية غير مرئية للظهور والغياب.

ويمكن تمييز أربع آليات مركزية تُسْهِم في تهميش الرواية الفلسطينية داخل المنصات هي التصفية المسبقة عبر حجب أو كبح المحتوى قبل انتشاره الواسع بذريعة المحتوى الصادم أو التحريض، بما يقطع أثر الشهادة الرقمية في لحظتها الأولى. وهناك الترتيب الخوارزمي وذلك عبر خفض قابلية الاكتشاف وإزاحة المحتوى الحقوقي إلى هوامش الواجهة، ما يحدُّ من التداول ويمنع تراكم الرأي العام. وثمة الوسم أو التصنيف وذلك بإضفاء صفات، مثل الـتضليل أو الحساسية على مواد توثيقية، وهو ما يمنح قرارًا تقويميًّا ذا أثر معياري على المتلقي، وصولًا إلى الحظر الظلِّي: وهو تقييد الوصول أو خفض الانتشار دون إخطار واضح، بما يخلق نمطًا من الرقابة الخفية يصعب الطعن فيه إجرائيًّا(43).

5.3. كلفة الإبادة المعرفية على العدالة والبحث

يؤدي التلاعب بالوصول إلى إضعاف البنية الإثباتية في الملفات الحقوقية؛ إذ تعتمد لجان تقصِّي الحقائق والمحاكم على شهادات رقمية متاحة وقابلة للتحقق. كما يترتب عليه تحيُّز أرشيفي طويل الأمد؛ إذ تختفي مواد مصوَّرة من المجال العام أو تُدفن وراء طبقات من عدم القابلية للاكتشاف. ويُحْدِث هذا التحيُّز فجوة معرفية تُعيد إنتاج اختلال القوة بين الرواية الرسمية المهيمنة والرواية الفلسطينية(44).

وتأسيسًا على ما سبق من تحليل للوظائف التشريعية والتنفيذية للمنصات، يمكن إيجاز دورة “الرقابة الرقمية” بصفتها سلطة قانونية موازية تقود إلى الإبادة المعرفية من خلال هذا المخطط الهيكلي الآتي:

 

شكل (2): مخطط هيكلي يوضح آليات عمل الرقابة الرقمية بوصفها سلطة قانونية موازية ومراحل إنتاجها للإبادة المعرفية

 

5.4. مقاومات معرفية وإستراتيجيات مضادة

في مواجهة هذا الواقع، تتجه مبادرات فلسطينية وعابرة للحدود إلى بناء أرشيفات بديلة وحلول حفظ لا مركزية، إلى جانب إعادة نشر متعدد اللغات للمحتوى المحذوف وتوثيق قرارات المنصات بغرض المراجعة والضغط المؤسسي. كما يدفع عدد من المبادرات إلى توسيع أطر الشفافية الخوارزمية وإنشاء قنوات اعتراض مستقلة وقابلة للتنفيذ، على نحو يتكامل مع التزامات قانون الخدمات الرقمية في أوروبا. كذلك تُطرح الحاجة إلى ميثاق للحقوق الرقمية يضمن حماية المحتوى الحقوقي في سياقات النزاع وتمييزه عن المحتوى التجاري أو العنيف(45).

وتستلزم مواجهة الإبادة المعرفية تبنِّي عدالة معرفية رقمية تُقِرُّ بحقِّ الشعوب في السرد والذاكرة، وتُلْزِم المنصات بآليات شفافية ومساءلة يمكن إنفاذها. يشمل ذلك الإفصاحَ عن معايير التصنيف، وحقَّ الوصول إلى أسباب القرارات، وإتاحةَ مسارات استئناف مستقلة، وحمايةً خاصةً للمحتوى التوثيقي في سياقات الانتهاكات الجسيمة. وبدون ذلك، تستمر الخوارزميات في إعادة إنتاج تفاوت معرفي يُفَرِّغ حرية التعبير من مضمونها الحقوقي(46).

إن الإبادة المعرفية للرواية الفلسطينية ليست انحرافًا عابرًا في سياسات المنصات بل نتيجة مباشرة لبنية الضبط الخوارزمي واقتصاديات المنصات العابرة للحدود. كما أن تقاطع الاعتبارات السياسية والسوقية مع منظومات التصفية والترتيب والوسم يصنع هرمية غير مرئية للحقائق تُقْصِي الشهادة الفلسطينية من المجال العام. ومن ثم، يُصبح ترسيخ العدالة المعرفية الرقمية شرطًا لإحياء الحق في الظهور والسرد، ولحماية إمكانات التوثيق والمساءلة في النزاعات، بما يُعيد التوازن بين التقنية والإنسان، وبين الخوارزمية والحق.

 

  1. نحو نموذج للعدالة الرقمية والمساءلة

تُشير دراسة الرقابة الرقمية إلى أن المنصات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل تحوَّلت إلى مؤسسات قانونية فعلية تُمارِس سلطة تنظيمية تتجاوز الدولة وتُعيد تعريف مفاهيم العدالة والشرعية، وأمام هذا التحوُّل يَبْرُز مطلب بناء نموذج جديد للعدالة يستجيب لبنية الفضاء الرقمي، ويُوازن بين حرية التعبير، والحقِّ في الظهور، والمسؤولية الاجتماعية للشركات التقنية(47).

إن مفهوم العدالة الرقمية لا يُختزل في حماية حرية التعبير بل يمتدُّ ليشمل حماية الذاكرة والمعرفة والكرامة الرقمية للأفراد والمجتمعات، خاصة في السياقات التي تُمارَس فيها أشكال التهميش الرقمي الممنهج كما في الحالة الفلسطينية.

6.1. مفهوم العدالة الرقمية وأسسها النظرية

تُعرَّف العدالة الرقمية بالإطار الذي يضمن التوزيع العادل للحقوق والفرص داخل الفضاء الشبكي، ويؤكد على المساواة في الوصول إلى المنصات، والشفافية في قراراتها، والمساءلة في ممارساتها(48).

في هذا السياق، يمكن فهم هذه الممارسات من خلال أطروحة يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) حول “التحوُّل البنيوي للمجال العام” واستعمار “عالم الحياة” (Lifeworld)؛ إذ يرى أن اندماج المصالح الاقتصادية الرأسمالية مع أدوات الاتصال الجماهيري يؤدي إلى تفريغ الفضاء النقدي الحر من مضمونه، وتحويله إلى ساحة للتلاعب وتوجيه الرأي العام. وهو ما ينطبق تمامًا على بنية المنصات الرقمية اليوم؛ إذ تُمثِّل هذه المنصات “مجالًا عامًّا مُخَصْخَصًا” تُوظَّف فيه الخوارزميات أداةً اقتصاديةً وتقنيةً لاحتكار المعرفة، والتحكُّم في تدفق المعلومات، وتهميش السرديات المناهضة -كالسردية الفلسطينية- لصالح سرديات القوى التي تملك أدوات التحكُّم(49).

وتكمن المشكلة الجوهرية في أن الشركات المالكة للمنصات تُمارِس سيادة قانونية ذاتية لا تخضع لرقابة ديمقراطية أو مساءلة قضائية واضحة، فقرارات الحذف والتصنيف والحجب تُتَّخَذ داخل مؤسسات خاصة تُنَظِّم نفسها بمعايير تجارية لا حقوقية. هذه الحالة تُظْهِر أن القانون التقليدي، الذي يُميِّز بين الدولة والمجتمع المدني، أصبح غير كافٍ لضبط ممارسات الشركات الرقمية العابرة للحدود؛ ما يستدعي تطوير آليات مساءلة متعددة المستويات.

6.2. مبادئ نموذج العدالة الرقمية المقترَح

يقوم النموذج المقترَح على خمسة مبادئ أساسية مستمدة من التجارب المقارنة والوثائق الحقوقية الدولية:

– الشفافية الخوارزمية (Algorithmic Transparency): مطالبة المنصات بالإفصاح عن معايير التوصية والتصنيف وخفض الظهور، وضمان حقِّ المستخدِم في معرفة أسباب حذف المحتوى.

– المساءلة متعددة المستويات (Multi-level Accountability): إخضاع المنصات لرقابة مزدوجة: وطنية عبر الهيئات القضائية، ودولية من خلال آليات إشراف أممية مستقلة.

– المشاركة المجتمعية (Participatory Governance): إشراك الأكاديميين والمجتمع المدني في صياغة سياسات المحتوى بدل احتكارها من الشركات.

– العدالة المعرفية (Epistemic Justice): حماية الروايات الثقافية والسياسية المهمشة من الإقصاء الخوارزمي، خصوصًا في النزاعات الاستعمارية والإثنية.

– السيادة الرقمية (Digital Sovereignty): حقُّ الدول والمجتمعات في حماية بياناتها ومنصاتها من الهيمنة الاحتكارية دون المساس بحرية التعبير.

6.3. النماذج المقارنة في الحوكمة والمساءلة

أقرَّ الاتحاد الأوروبي، عام 2022، قانون الخدمات الرقمية الذي يُلْزِم المنصات الكبرى بالكشف عن سياساتها وتقديم تقارير شفافة بشأن قرارات الحذف وتوصيات الخوارزميات، ويمنح المستخدمين حقَّ الاعتراض والمراجعة. وفي المقابل، يُبقي القانون الأميركي (47 U.S.C. §230) المنصات في موقع الحصانة شبه المطلقة؛ ما يعوق أي مساءلة قانونية حقيقية(50).

كما تَبَنَّت تركيا سياسة “الممثل القانوني المحلي” لإخضاع المنصات للتشريعات الوطنية، لكنها لا تزال تفتقر إلى آليات شفافة لمراجعة قرارات الحذف والتقييد، بينما تغلَّبت المقاربة الأمنية على التشريعية في نطاق العالم العربي؛ إذ تُركز السياسات على الحجب أكثر من بناء نظام للمساءلة الحقوقية.

وتتفق الأدبيات المعاصرة على أن المستقبل يتطلَّب صياغة ميثاق دولي للعدالة الرقمية يعترف بالمنصات بوصفها فاعلين من غير الدول، ويُلْزِمُها باحترام حقوق الإنسان الرقمية. وتشمل أبرز المقترحات:

– إدراج التزامات قانونية مباشرة للشركات التقنية ضمن معاهدات حقوق الإنسان.

– إنشاء هيئة أممية للرقابة الخوارزمية على غرار مجلس حقوق الإنسان.

– تطوير ميثاق إسلامي (عربي/تركي) للحقوق الرقمية يُنَسِّق بين المبادرات الإقليمية ويستند إلى الخصوصيات الثقافية.

– دمج مبدأ الشفافية الخوارزمية ضمن التشريعات الوطنية بوصفه حقًّا أساسيًّا للمستخدم.

6.4. العدالة الخوارزمية شرط للسلام الاجتماعي

إن أي نظام يفتقر إلى الشفافية في آليات المراقبة يُهدِّد السلام الاجتماعي الرقمي؛ لأن انعدام الثقة في الخوارزميات يؤدي إلى استقطاب سياسي ومعرفي(51). كما أن بناء ثقة جديدة بين المجتمع والمنصات يتطلَّب انتقالها من منطق الربح البحت إلى منطق الخدمة العامة. ومن هذا المنطلق، تُصبح العدالة الرقمية شرطًا لتحقيق الاستقرار العالمي في زمن تحكمه المعلومات والخوارزميات(52).

ويُظهِر التحليل أن غياب إطار قانوني ومُؤَسَّسِي واضح جعل المنصات تُمارِس سلطة قانونية واقتصادية لا تخضع لأي شرعية سياسية؛ ما يفرض ضرورة إعادة هندسة المنظومة القانونية الدولية لتشمل الرقابة الرقمية ضمن نطاق المساءلة. كما تُظهِر الحالة الفلسطينية أن التمييز الخوارزمي أصبح نموذجًا عالميًّا لاختلال العدالة المعرفية؛ مما يستدعي آليات لحماية السرديات المهمشة وتحصين حقِّ الشعوب في الذاكرة والظهور.

إن بناء نموذج للعدالة الرقمية يتطلَّب تنسيقًا عالميًّا وإقليميًّا، يستلهم التجارب الأوروبية، ويستند إلى فلسفة العدالة الاجتماعية في الفكر العربي والتركي، وصولًا إلى توازنٍ جديد بين حرية التعبير والسيادة الرقمية، يضع الخوارزمية تحت سلطة القانون لا فوقه.

 

خاتمة

تُشير نتائج الدراسة إلى أن الرقابة الرقمية لم تعد ظاهرة تقنية أو إدارية فحسب، بل أصبحت نظامًا قانونيًّا موازيًا يُمارِس وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء من داخل الفضاء الشبكي، دون أن يستند إلى شرعية سياسية أو مساءلة قانونية واضحة. فالمنصات الرقمية تجاوزت مرحلة “الإشراف على المحتوى” لتصبح سلطة معيارية تُعيد تعريف مفاهيم الحرية، والمسؤولية، والعدالة في البيئة الرقمية. ومن أبرز النتائج التي خلصت إليها الدراسة:

– تحوُّل المنصات إلى فاعل قانوني فعلي: أظهرت الدراسة أن المنصات تُمارِس سلطة تنظيمية كاملة، تُصْدِر “قوانينها الداخلية” من خلال سياسات الاستخدام، وتُنَفِّذُها عبر خوارزميات المراقبة وتَحْكُمُ في النزاعات من خلال آليات مراجعة ذاتية.

– الرقابة الرقمية بوصفها سلطة دون شرعية: إن هذه المنصات باتت تُمارِس سيادة قانونية فعلية دون تفويض ديمقراطي؛ ما يجعلها فاعلًا قانونيًّا بلا مساءلة عامة. وهذا ما يضع المجتمع الدولي أمام أزمة شرعية جديدة؛ إذ تتكوَّن سلطة تتجاوز الدولة لكنها تُنَظِّم السلوك الاجتماعي والاقتصادي على نطاق عالمي.

– التحوُّل من القانون إلى الكود: يُشير التحليل إلى أن الخوارزميات تُمارِس الدور نفسه الذي مارسه القانون في الدولة الحديثة: فهي تضع المعايير، وتفرض العقوبات الرمزية، وتُنتِج الامتثال عبر آليات الانضباط الخفي.

– الفضاء الرقمي مجال للهيمنة المعرفية: في ضوء الحرب على غزة، بيَّنت الدراسة أن المنصات الرقمية شاركت فعليًّا في إعادة تشكيل الوعي العالمي بالصراع عبر ما يمكن تسميته بـ”الإبادة المعرفية للرواية الفلسطينية”. وهذا يكشف حدود النظام الدولي الحالي في حماية حرية التعبير عندما تتحكَّم الشركات الخاصة في تدفُّق المعلومات والذاكرة الجماعية.

– العدالة الرقمية بوصفها الإطار البديل: تُظهِر التجارب المقارنة، خصوصًا في أوروبا وتركيا، أن العدالة الرقمية ليست خيارًا نظريًّا بل ضرورة لحماية الحقوق الأساسية في العصر الخوارزمي. فالعدالة اليوم لا تتحقق إلا بإخضاع الخوارزميات نفسها للشفافية والمساءلة.

– من الإشراف إلى السيادة الرقمية: لقد انتقلنا من مرحلة كانت المنصات تؤدي فيها وظيفة المشرف الذي يُنَظِّم النقاش العام، إلى مرحلة تُمارِس فيها سيادة رقمية شاملة على السلوك والمعرفة والذاكرة. هذه السيادة الجديدة لا تقوم على الأرض أو القانون بل على البيانات والخوارزميات التي تُحدِّد مسار التفكير والاختيار.

وإذا كانت السيادة في الدولة الحديثة تُقاس بقدرة الحاكم على فرض القانون داخل الإقليم، فإن السيادة الرقمية تُقاس اليوم بقدرة المنصة على تحديد مَنْ يُسْمَع صوته ومَنْ يُحْجَب، ومَنْ يظهر في الواجهة ومَنْ يُقْصَى إلى الهوامش. هذه البنية تُنْذِر بتحوُّلٍ جذري في مفهوم السلطة القانونية الدولية؛ إذ تظهر كيانات لا تعترف بالحدود ولا تُخْضِع نفسها للرقابة، لكنها تُمارِس سلطة فعَّالة تفوق سلطة العديد من الدول. وبذلك، تَبْرُز الحاجة إلى تأسيس نظام عالمي جديد للمساءلة الرقمية، يُعيد التوازن بين حرية التعبير والسيادة، ويضمن ألا تتحوَّل الخوارزميات إلى أدوات للإقصاء أو للتحكُّم المعرفي.

وفي هذا السياق، تبدو الخطوات الآتية ضرورة لمأسسة هذا النظام:

  1. إعادة صياغة المنظومة القانونية الدولية: ضرورة تضمين التزامات مباشرة على الشركات التقنية في اتفاقيات حقوق الإنسان، وإدراج مبادئ “الشفافية الخوارزمية” ضمن صكوك القانون الدولي.
  2. إنشاء هيئة دولية للحوكمة الرقمية: هيئة مستقلة تُشرف على التزام المنصات بحرية التعبير، وتُراجع قرارات الحذف والتصنيف، على غرار مجلس حقوق الإنسان.
  3. تبنِّي ميثاق إسلامي للحقوق الرقمية: يهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية الإقليمية، وضمان حماية المحتوى الحقوقي والثقافي من التحيُّز الخوارزمي.
  4. ترسيخ مفهوم العدالة الخوارزمية: عبر إلزام المنصات بالكشف عن منطق اتخاذ القرار، وتمكين المستخدمين من الاعتراض والمراجعة، بما يخلق توازنًا بين التقنية والإنسان.
  5. إدماج القضية الفلسطينية في النقاش الحقوقي الدولي: بوصفها نموذجًا كاشفًا للتمييز الرقمي الممنهج، ومرآةً لأزمة العدالة في النظام الخوارزمي العالمي.

وتُظهِر الدراسة أن معركة السردية الفلسطينية كشفت حدود النظام القانوني الدولي أمام السلطة التقنية الجديدة. كما أبرزت الحرب على غزة أن الرقابة الرقمية ليست مجرد صراع حول المحتوى بل صراع حول من يملك حقَّ تعريف الحقيقة.

ومن هنا، تطرح الورقة دعوة لبناء توازن جديد بين حرية التعبير والسيادة الرقمية، يُعيد للإنسان والمجتمع دوره في مواجهة الخوارزميات المهيمنة، ويُحوِّل الفضاء الرقمي من أداة ضبطٍ إلى مجال للعدالة والمساءلة المشتركة. إن مستقبل القانون في القرن الحالي لن يُكتب في الدساتير وحدها بل أيضًا في كود الخوارزميات التي تُحدِّد من يُرى ومن يُنْسَى.

 

المراجع

(1) José van Dijck et al., The Platform Society: Public Values in a Connective World, (Oxford: Oxford University Press, 2018), 21.

(2) Kate Klonick, “The New Governors: The People, Rules, and Processes Governing Online Speech,” Harvard Law Review, Vol. 131, Issue. 6, (2018): 1600.

(3) Lawrence Lessig, Code and Other Laws of Cyberspace, (New York: Basic Books, 1999), ix.

(4) Klonick, “The New Governors”: 1626.

(5) Lessig, Code and Other Laws of Cyberspace, 3.

(6)  Julie Cohen, Between Truth and Power: The Legal Constructions of Informational Capitalism, (New York: Oxford University Press, 2019), 235-236.

(7) “يوليو 2023: أكثر من 43 انتهاكًا رقميًّا بحق المحتوى الفلسطيني”، مركز صدى سوشيال، 6 أغسطس/آب 2023 (تاريخ الدخول: 15 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/3ex5r2t3.

(8) Cohen, Between Truth and Power, 5.

(9) Lessig, Code and Other Laws of Cyberspace, ix, 5.

(10) ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد، (بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990)، ص 215-220.

(11) Cohen, Between Truth and Power, 235.

(12) Ibid, 155.

(13) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، ديسمبر/كانون الأول 2023 (تاريخ الدخول 15 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/362trhef.

(14) Anne Paijens, “Digital Colonialism; How U.S.’ Big Tech interfere in the Colonization of Palestinians”, (Bachelor Thesis, Universiteit Leiden, 2025), 14-15.

(15) UN Human Rights Council, Disinformation and freedom of opinion and expression: Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection of the right to freedom of opinion and expression, (A/HRC/47/25, 2021), 13, 17.

(16) Shoshana Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power (New York: PublicAffairs, 2019), 48-49.

– Tarleton Gillespie, Custodians of the Internet: Platforms, Content Moderation, and the Hidden Decisions That Shape Social Media, (New Haven: Yale University Press, 2018), 46.

(17) UN Human Rights Council, Disinformation and freedom of opinion and expression: Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection of the right to freedom of opinion and expression, (A/HRC/47/25, 2021), 18.

(18) إيهاب خليفة، القوة الإلكترونية: كيف يمكن أن تدير الدول شؤونها في عصر الإنترنت؟، (القاهرة، العربي للنشر والتوزيع، 2017)، ص 31-33.

(19) Gillespie, Custodians of the Internet, 46.

(20) European Union, Regulation (EU) 2022/2065 of the European Parliament and of the Council on a Single Market For Digital Services, (Official Journal of the European Union, 2022), 1.

(21) David Kaye, Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection of the right to freedom of opinion and expression, (UN General Assembly A/73/348, 2018), 5.

(22) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، 1-7.

(23) UN Human Rights Council, Disinformation and freedom of opinion and expression: Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection of the right to freedom of opinion and expression (A/HRC/47/25, 2021), 14-15.

(24) Klonick, “The New Governors”,1663-1664.

– Cohen, Between Truth and Power, 135, 243.

– Gillespie, Custodians of the Internet, 197.

(25) Cohen, Between Truth and Power, 97.

(26) Gillespie, Custodians of the Internet, 33, 36-38.

(27) فوكو، المراقبة والمعاقبة، مرجع سابق، ص 215-220.

(28) Lessig, Code and Other Laws of Cyberspace, ix, 5.

(29) Cohen, Between Truth and Power, 5.

(30) Zuboff, Age of Surveillance Capitalism, 4.

– van Dijck et al., The Platform Society, 2.

(31) Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, 74.

(32) حول مفهوم الهيمنة الناعمة عبر احتكار المعرفة وتوظيفها اقتصاديًّا، انظر: عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، 229 وما بعدها. وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع الممارسات الحالية لمنصات التواصل الاجتماعي في توجيه السلوك وتهميش السرديات.

(33) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، ص 1.

(34) المرجع السابق، ص 2.

(35) 7amleh, Hashtag Palestine 2024, (2025), 17.

– “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق.

(36) Nick Couldry, Ulises Ali Mejias, The Costs of Connection: How Data Is Colonizing Human Life and Appropriating It for Capitalism, (Stanford: Stanford University Press, 2019), 160.

(37) European Union, Regulation (EU) 2022/2065 of the European Parliament and of the Council on a Single Market For Digital Services, (Official Journal of the European Union, 2022), 1.

(38) Frank Pasquale, The Black Box Society: The Secret Algorithms That Control Money and Information, (Cambridge: Harvard University Press, 2015), 193.

(39) Pasquale, The Black Box Society, 53, 186-187.

– Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism, 383-384, 524-525.

(40) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، ص 5.

(41) Boaventura de Sousa Santos, Epistemologies of the South: Justice against Epistemicide, (Boulder: Paradigm Publishers, 2014), 218.

(42) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، ص 1-7.

– 7amleh, Hashtag Palestine 2024 (2025), 14.

(43) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، مرجع سابق، ص 6.

(44) Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights, Berkeley Protocol on Digital Open Source Investigations, (New York and Geneva: United Nations, 2022).

(45) 7amleh, Hashtag Palestine 2024, (2025), 32.

(46) van Dijck et al., The Platform Society, 2.

(47) Gillespie, Custodians of the Internet, 1.

(48) Cohen, Between Truth and Power, 235.

(49) Jürgen Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol. 2, Lifeworld and System: A Critique of Functionalist Reason, trans. Thomas McCarthy, (Boston: Beacon Press, 1987), 332–73.

(50) European Union, Regulation (EU) 2022/2065 of the European Parliament and of the Council on a Single Market For Digital Services, (Official Journal of the European Union, 2022), 1-10.

(51) Zuboff, Age of Surveillance Capitalism, 383-384.

(52) UN Human Rights Committee, General Comment No. 34, 1. UNGA, A/73/348, 2. UNHRC, A/HRC/47/25, 1.