ملخص:
تبحث الدراسة في مُحدِّدات تغطية الإعلام الغربي لمبادرات التضامن الإنساني مع غزة، من خلال مبادرة سفينة “مادلين”، في يونيو/حزيران 2025، من أجل كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع. وتهدف الدراسة إلى تقصِّي الجدارة الإخبارية لهذه المبادرة في وسائل الإعلام الغربية الرئيسية، والبحث في مستوى حضور المقاربة الحقوقية الإنسانية في معالجتها، ودراسة تأثير المعتقدات الأيديولوجية والتحالفات الجيوسياسية للقائم بالاتصال في تَمْثِيلها السردي وبنائها الخطابي في التقارير الإخبارية لموقعي “فرانس 24″ و”بي بي سي”. وتقع الدراسة في نقطة تقاطع بين الحرب والإعلام وحقوق الإنسان، وترتكز على مفهوم “التشكيل الميديائي لحقوق الإنسان” انطلاقًا من تَمَثُّلِها للأخبار “بنيةً أيديولوجيةً”، وحقوق الإنسان بنيةً مرجعيةً إدراكيةً قويةً في المجتمعات الغربية. وتجمع الدراسة في بُعْدِها المنهجي بين مقاربة التحليل الخطابي للقيم الخبرية، والمقاربة السوسيو-عرفانية للأخبار. وتستند في بُعْدِها النظري إلى ثلاث مداخل: نظرية القيم الخبرية، ومدخل بناء الأجندة، ونظرية التحليل النقدي للخطاب. وتوصلت الدراسة إلى تأكيد الطبيعة الأيديولوجية لقيم الأخبار في الموقعين الإخباريين “فرانس 24″، و”بي بي سي”، وهيمنة الأجندة السياسية والإعلامية الإسرائيلية على بناء القيم الخبرية والتَّمْثِيل السردي الخطابي للمبادرة في هذين الموقعين اللذين أنتجا سردًا إخباريًّا محاذرًا ومراوغًا يكشف عن “تبعية خطابية” للرواية الإسرائيلية، وتحيُّز تحريري لهذه الرواية. كما يكشف هذا السرد الغطاءَ عن التفريغ القانوني والاستخدام الانتقائي لحقوق الإنسان في محاولة لإبعاد الأنظار عن الطابع الإنساني للمبادرة، وتبرير الهجوم الإسرائيلي على طاقم السفينة ومنعهم من إدخال المساعدات إلى غزة والتقليل من خطورة ذلك.
كلمات مفتاحية: التشكيل الميديائي لحقوق الإنسان، الجدارة الإخبارية، البناء الخطابي، السرد الإعلامي الدولي، سفن التضامن الإنساني.
Abstract:
This study examines the drivers of Western media coverage of humanitarian solidarity initiatives for Gaza, focusing on the June 2025 voyage of the Madleen ship aimed at breaking the Israeli blockade on the territory. It investigates the newsworthiness attributed to this initiative in major Western media outlets, the extent to which a human rights-based approach is present in its coverage, and the influence of ideological beliefs and geopolitical alliances of communicators on its narrative representation and discursive construction in news reports from France24 and the BBC. The study is situated at the intersection of war, media and human rights, and is grounded in the concept of the “mediatic construction of human rights”, which conceptualises news as an ideological structure and human rights as a powerful cognitive reference framework in Western societies. Methodologically, the study combines discourse analysis of news values with a socio-cognitive approach to news production. Theoretically, it draws on three main frameworks: news values theory, agenda-setting theory and critical discourse analysis. The findings highlight the ideological nature of news values in both France24 and BBC coverage, and the dominance of the Israeli political and media agenda in shaping news values and narrative representations of the initiative. This results in cautious and evasive journalistic narratives that reveal a form of “discursive dependency” on the Israeli narrative, along with editorial bias toward it. The study also shows how this coverage exposes the erosion of legal frameworks and the selective deployment of human rights discourse, effectively diverting attention from the humanitarian nature of the initiative and justifying the Israeli attack on the ship’s crew, the prevention of aid delivery to Gaza and the minimisation of its severity.
Keywords: Mediatisation of Human Rights, Newsworthiness, Discursive Construction, International Media Narrative, Humanitarian Aid Solidarity Vessels.
مقدمة
تحظى حقوق الإنسان بقيمة إخبارية دائمة(1)؛ إذ تندرج ضمن إطار “الاهتمامات الإنسانية” بوصفها معيارًا مهمًّا من المعايير التي تعتمدها غرف الأخبار في انتقاء الأخبار وتأطيرها. وتُعَد الاهتمامات الإنسانية إحدى القيم الخبرية التي تسمح بالخروج من الطابع الرسمي والعقلاني للأخبار، ولكنها زمن الحروب لا تقلُّ أهمية عن قيمة الصراع، سواء من حيث إثارة الانتباه، أو من حيث البُعْد الدرامي الذي تُضْفِيه على الخبر.
ويُعَد إطار حقوق الإنسان من الأطر الإعلامية المهمة لتفسير الكوارث الإنسانية؛ ذلك أن وسائل الإعلام تُمَثِّل مصدرًا رئيسيًّا للحصول على المعلومات والأخبار المتصلة بما تشهده هذه الكوارث من انتهاكات لحقوق الإنسان (مثل التطهير العرقي، التهجير القسري..)، أو بالجهود التي تبذلها منظمات ومبادرات حقوق الإنسان على الصعيدين المحلِّي أو الدولي لتطويق الأزمة أو الكارثة. وتُسْهِم المؤسسات الإعلامية في تعزيز قيم حقوق الإنسان بوصفها قيمًا ذات صبغة موضوعية عالمية، وجزءًا من القانون الدولي العرفي. بيد أن الحرب على غزة كشفت هشاشة القيم الإنسانية في الأنظمة السياسية الغربية، كما كشفت انتقائية وازدواجية توظيف مفاهيم حقوق الإنسان العالمية في وسائل الإعلام الغربية؛ مما يؤكد رجاحة فكرة الفيلسوف الألماني، والتر بنيامين (Walter Benjamin)، التي بيَّنت أن حقوق الإنسان بوصفها “وثيقة من وثائق الحضارة” يمكن أن تتحوَّل في الآن نفسه إلى “وثيقة من وثائق البربرية” وفقًا لطريقة عرضها وتفسيرها(2).
وقد حَذَّرَت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقريرها العالمي لعام 2024، من تزايد تجاهل القادة السياسيين للقوانين الدولية لحقوق الإنسان، وأشارت إلى أن الغضب الانتقائي للحكومات، والدبلوماسية التبادلية، “والمعايير المزدوجة في الاعتراف بالقوانين الدولية لحقوق الإنسان، عرَّضت أرواحًا لا حصر لها للخطر”. وأكدت المديرة التنفيذية للمنظمة، تيرانا حسن، أن قوانين حقوق الإنسان يمكن تطبيقها بشكل انتقائي على مجموعات مختلفة من الناس، وهو ما يُقوِّض المؤسسات التي أُنْشِئَت للدفاع عنها(3).
ومن هذا المنطلق، تقع هذه الدراسة في نقطة تقاطع بين ثلاثة متغيرات رئيسية: الحرب، والإعلام، وحقوق الإنسان، وهو تقاطع لم تتناوله الدراسات الإعلامية بشكل معمَّق على الرغم من البحوث العديدة التي أُجْرِيت حول العلاقة بين الحرب ووسائل الإعلام من جهة، وبين حقوق الإنسان ووسائل الإعلام من جهة أخرى. وسعيًا إلى الإسهام في سَدِّ هذه الفجوة البحثية والمعرفية، ترتكز الدراسة على مفهوم “التشكيل الميديائي لحقوق الإنسان” (mediatization of Human Rights) الذي يُعَبِّر عن عملية وسائطية يتم عبرها تَبَنِّي “منطق الإعلام” في تشكيل الخطاب العام حول قضايا حقوق الإنسان(4)؛ إذ تَحْدُث عملية التشكيل الميديائي “عندما يكون لتصوير الواقع الذي تنقله وسائل الإعلام الجماهيرية تأثير على كيفية إدراك الناس لـلواقع الحقيقي”(5). ومن هنا، تقصد الباحثة بمفهوم التشكيل الميديائي لحقوق الإنسان كيفيةَ بناء وسائل الإعلام لقصص حقوق الإنسان، أي المعالجة الإعلامية للأخبار المتعلقة بحقوق الإنسان والآليات التي تُشَكِّل بها وسائل الإعلام الصيغ والعمليات القانونية الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وتَتَمَثَّل الدراسةُ الأخبارَ بنيةً أيديولوجيةً، وحقوقَ الإنسانِ بنيةً مرجعيةً إدراكيةً قويةً في المجتمعات الغربية، في سياق يشهد تآكلًا لقيم حقوق الإنسان في المنظومة الأممية. وتبحث الدراسة المعالجةَ الإعلامية الغربية للتضامن الإنساني مع غزة، خلال الحرب التي شنَّتها إسرائيل على القطاع، عبر مبادرة سفينة “مادلين” التي تمَّ تنظيمها، في يونيو/حزيران 2025، من أجل كسر الحصار الإسرائيلي المفروض عليها.
- محددات منهجية ونظرية
إشكالية الدراسة
تستقصي الدراسة محددات بناء الجدارة الإخبارية للمبادرة التضامنية الإنسانية مع غزة عبر سفينة “مادلين” في وسائل الإعلام الغربية الرئيسية، وتبحث في معالم حضور المقاربة الحقوقية الإنسانية في معالجتها. وتدرس كيفية تأطير هذه المبادرة وتَمْثِيلها سرديًّا، ومدى تأثير المعتقدات الأيديولوجية والتحالفات الجيوسياسية للقائم بالاتصال في هذا التَّمْثِيل السردي، انطلاقًا من الفرضية التي ترى أن الإعلام الدولي يمتلك سيطرة سردية على كيفية تأطير الحروب والأزمات وبنائها خطابيًّا. ويتطلَّب المسار المنهجي الذي تَتَّبِعُه الدراسة الإجابة على هذه التساؤلات:
- هل حظيت أخبار مبادرة سفينة “مادلين” للتضامن الإنساني وكسر الحصار على غزة بالجدارة الإخبارية في المواقع الإخبارية للمحطات التليفزيونية الدولية (فرانس 24 (France 24) الفرنسي، و”بي بي سي” (BBC) البريطاني)؟
- كيف تمَّ بناء هذه الأخبار خطابيًّا ومعرفيًّا؟ وضمن أيِّ سياقات ومبررات تمَّ تأطير هذه المبادرة الإنسانية مع غزة؟
- أيُّ بنية دلالية عميقة تُوجِّه البنية السطحية للنص الإخباري حول هذه المبادرة التضامنية الإنسانية؟
وتفترض الدراسة أن المعالجة الإخبارية لمبادرة التضامن الإنساني مع غزة تمَّ تشكيلها، في الموقعين الإخباريين “فرانس 24″، و”بي بي سي”، وفق عملية تأطير انتقائي وتنميط سلبي تَشِي بتَحَيُّز مُؤَسَّسِي أيديولوجي للرواية الإسرائيلية حول الحدث، وأن الإستراتيجيات اللغوية المعتمدة تمَّ توظيفها بعناية لصالح هذه الرواية.
الإستراتيجية المنهجية
تَدْمِج الدراسة بين مقاربتين تنخرطان ضمن التحليل النقدي للخطاب، وهما: مقاربة حديثة اقترحتها الباحثتان مونيكا بيدناريك (Monica Bednarek)، وهيلين كابل (Helen Caple)، وهي مقاربة التحليل الخطابي للقيم الخبرية، ثم مقاربة قديمة وأكثر شهرة تَتَمَثَّل في المقاربة الاجتماعية العرفانية للأخبار للعالم الهولندي، توين فان دايك (Teun A. van Dijk). وتتميَّز المقاربتان بكفاءة وصفية تجعلهما جديرتين باعتمادهما إجرائيًّا لفهم مدى ارتباط المعالجة الإخبارية لحادثة سفينة “مادلين” بـ”منطق الإعلام”(6) أو بمنطق السياسة ومدى استقلاليتها عن السردية الإسرائيلية المتعلقة بهذا الحدث.
أولًا: التحليل الخطابي للقيم الخبرية
غالبًا ما تُقارَب القيم الخبرية في الدراسات الإعلامية من خارج نص القصة الإخبارية بوصفها إجراءات مألوفة ومعايير أساسية تُنَظِّم عمل الصحفيين في غرف الأخبار، وتؤثر في عملية اتخاذ القرار بشأن ما سيتم نشره أو إقصاؤه من الأخبار. ولذلك يتم الاعتماد في هذه الأدبيات على تحليل المضمون أو المقابلات أو الملاحظة في غرف الأخبار من أجل البحث في الجدارة الإخبارية لحدثٍ ما. لكن الباحثتين، بيدناريك وكابل(7)، اعتمدتا مقاربة لغوية نقدية لقيم الأخبار تستثمر الأبحاث اللغوية حول الخطاب الإخباري. وتهدف هذه المقاربة إلى “استكشاف علاقة قيم الأخبار بالأحداث والجهات الفاعلة في الأخبار من خلال تبنِّي منظور خطابي”(8)، وذلك من منطلق أن القيم الخبرية ليست مُتَأَصِّلَة في الأحداث أو كامنة فيها، وإنما مَبْنِيَّة خطابيًّا بواسطة الأنماط اللغوية والعناصر البصرية التي تُوَظَّف في سرد الأخبار.
وتتَّسق هذه المقاربة مع طرح الباحثين، غالتونغ وروج؛ إذ إن صورة العالم في الأخبار يتم بناؤها -وتشويهها أحيانًا-بواسطة الخطاب(9). فالإدراك الاجتماعي والوساطة الخطابية تُضْفِي على الأحداث جدوى إخبارية. وقد أشار تيم فوس (Tim Vos)، وتيري فينمان (Teri Finneman)، إلى هذا المنظور بالقول: “إن الأحداث لا تنطوي على دراما، بل يتم سردها بشكل درامي”(10).
وهنا، ستقوم الباحثة بتطبيق مقاربة بيدناريك وكابل على المعالجة الإخبارية لمبادرة سفينة “مادلين” للتضامن الإنساني مع غزة لدراسة كيفية بناء الجدارة الإخبارية للمعلومات المتعلقة بها لغويًّا وخطابيًّا، وفقًا لما يُبَيِّنُه الجدول رقم (1) بشأن كيفية بناء القيم الخبرية في التقارير الإخبارية في مقاربة الباحثتين.
جدول (1): قيم الأخبار وتعريفاتها وفقًا
لمقاربة التحليل الخطابي للقيم الخبرية(11)
| م | القيمة الخبرية | بناء القيمة الخبرية |
| 1 | التناغم أو التوافق | يتم بناء الحدث خطابيًّا استنادًا إلى الصور النمطية (يقتصر هنا على الجهات الفاعلة الإخبارية والمجموعات الاجتماعية والمنظمات أو البلدان/الأمم). |
| 2 | النخبوية أو الشهرة | يتم تَمْثِيل الحدث خطابيًّا بأنه ذو مكانة عالية أو شهرة كبيرة (بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر الأشخاص أو البلدان أو المؤسسات المعنية). |
| 3 | التأثير | يتم بناء الحدث خطابيًّا بأن له آثارًا وعواقب مهمة لا تقتصر بالضرورة على التأثير في الجمهور المستهدف. |
| 4 | السلبية | يتم تقديم الحدث خطابيًّا بشكل سلبي بوصفه كارثة أو صراعًا أو جدلًا أو عملًا إجراميًّا مثلًا. |
| 5 | الإيجابية | يتم تَمْثِيل الحدث خطابيًّا بشكل إيجابي كإنجاز علمي أو عمل بطولي مثلًا. |
| 6 | الشخصنة | يتم بناء الحدث خطابيًّا بحيث يكون له بُعْد شخصي أو إنساني (يشمل جهات فاعلة غير نخبوية، بما في ذلك شهود العيان). |
| 7 | القرب | يتم بناء الحدث خطابيًّا على أنه قريب جغرافيًّا أو ثقافيًّا (بالنسبة لموقع النشر/الجمهور المستهدف). |
| 8 | الضخامة | يتم تَمْثِيل الحدث خطابيًّا بأنه ذو أهمية عالية وحجم كبير من القوة أو الخطورة. |
| 9 | اللامتوقع | يتم بناء الحدث خطابيًّا بأنه غير متوقع (غير عادي، غريب، نادر). |
| 10 | التوقيت المناسب | يتم بناء الحدث خطابيًّا بأنه مناسب من حيث التوقيت بالنسبة لتاريخ النشر: كحدث جديد أو مستمر أو على وشك الحدوث أو ذي صلة بالوضع/الوقت الحالي (حالي أو موسمي). |
ثانيًا: المقاربة الاجتماعية العرفانية للأخبار
يستند رواد التحليل النقدي للخطاب إلى خلفية نظرية واحدة ولكنهم يختلفون في مقارباتهم التحليلية. وتُعَد المقاربة الاجتماعية العرفانية/الإدراكية من أشهر مقاربات التحليل النقدي للخطاب تطبيقًا على الخطاب الإعلامي، وهي مقاربة ابتكرها فان دايك، ودَمَج فيها بين المنظور الاجتماعي والعرفاني للخطاب والتحليل النقدي.
وركز فان دايك، في إطار هذه المقاربة، على العلاقة بين الخطاب والسلطة واهتم بدراسة خطابات التمييز العنصري ضد الأقليات والطبقات المهمشة، وانطلق من فرضية ترى الخطاب شكلًا من أشكال الهيمنة وإعادة إنتاج السلطة(12). وتبنَّى اتجاهًا تحليليًّا يُسَمِّيه “بنيات الأخبار”، ويهدف إلى إبراز العلاقة بين النصوص وعمليات الإنتاج وعمليات الفهم مُتَمَثِّلًا عملية إنتاج الأخبار بوصفها ممارسة عرفانية اجتماعية. وميَّز بين “البنيات الكلية” و”البنيات الجزئية” لخطاب الأخبار.
وتُعَرَّف البنية الكلية أو الموضوعاتية بالتنظيم الشامل للنص في إطار موضوعات أو “تيمات”. أما البنية الجزئية أو الخطاطية فتُمَثِّل جملة المبادئ المُوَجِّهَة لطريقة تنظيم المحتوى الموضوعاتي وترتيب معلوماته وعناصره بالاعتماد على العلاقات الدلالية بين القضايا التي تشمل الخصائص التركيبية والمعجمية والبلاغية التي تتضمَّنها التقارير الإخبارية(13). و”يُساعد هذا المنظور العرفاني على تحديد كيفية تأثير قيم الأخبار (…) في الطريقة التي تُنْتَج بها التقارير. ويُسَلِّط هذا المنظور الضوء أيضًا على كيفية تحويل النصوص، التي يحصل عليها الصحافيون من وكالات الأخبار وغيرها من المصادر، أثناء إنتاج التقارير. كما يُلقي الضوء (…) على الآثار بعيدة الأمد التي قد تُحْدِثُها في الإدراك والعرفان والعمل”(14).
وستقوم الباحثة بتطبيق “الخطاطة الخبرية” (News Schemata)(15)، كما تبدو في الشكل رقم (1)، والتي اقترحها فان دايك بهدف استكشاف البنيات الكلية المُوَلِّدَة لنصوص التقارير الإخبارية التي أنتجتها غرف الأخبار في “فرانس 24” و”بي بي سي”، والبحث في مدى إسهام خصائصها التنظيمية والتحريرية في إعادة إنتاج السردية الإسرائيلية حول حادثة احتجاز سفينة “مادلين”؛ مما يعني استجلاء الدلالات الأيديولوجية الثاوية في البناء الخطابي للتقارير الإخبارية التي تناولت الحادثة المذكورة.
شكل (1): الخطاطة الخبرية لتنظيم النص
والمبادئ المُوَجِّهَة له من منظور توين فان دايك(16)
الخطاب الخبري
الموجز القصة الخبرية
العنوان المدخل الحلقة التعاليق
التوقُّع التقييم
الأحداث النتائج
الانفعالات
الحدث الرئيسي الخلفيات
الأحداث الانفعالات اللفظية
الملابسات التاريخ
السياق الأحداث السابقة
مجتمع البحث وعيِّنته
اهتمت الدراسة بحدث مبادرة كسر الحصار سفينة “مادلين” كوحدة تحليل وعينة تمثيلية للمبادرات المدنية العابرة للحدود والهادفة إلى كسر الحصار، التي بدأت مع تشديد الحصار على غزة منذ سنة 2007 وكان أبرزها سفن الإغاثة الدولية التي حاولت إيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة. ومن بين هذه المبادرات “أسطول الحرية” التي قادتها سنة 2010 سفينة “مرمرة”، وتعرَّضت إلى هجوم من البحرية الإسرائيلية أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، وأثارت موجة إدانات دولية.
وتندرج مبادرة سفينة “مادلين” ضمن سلسلة من التحركات التضامنية الدولية التي تُطْلِقُها اللجنة الدولية لكسر الحصار بالتعاون مع منظمات أوروبية وعربية، وتكتسي مكانة مهمة في سياق الصمت الدولي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية وما خلَّفته الحرب الإسرائيلية على غزة من تداعيات إنسانية وحقوقية، ذلك أن “سفن كسر الحصار لا تقتصر أدوارها على إيصال المساعدات، بل باتت تُمَثِّل أدوات رمزية عابرة للسيادة التقليدية. وتُثير التساؤلات الأخلاقية والقانونية والسياسية بشأن مشروعية الحصار المفروض على غزة منذ حوالي عقدين. كما تؤكد هذه السفن، أن المبادرة الفردية والجماعية، سواء كانت منظمات أو ناشطين، لا تزال قادرة على إرباك المنظومة العسكرية الإسرائيلية، وفرض سرديات بديلة تتحدَّى الصمت الدولي، وتُعِيد إحياء المساءلة الحقوقية في ساحات القضاء والإعلام والدبلوماسية”(17).
وتنتقي الدراسة عيِّنة من وسائل الإعلام الأوروبية نظرًا لما شهدته المواقف السياسية الأوروبية تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة من تحوُّلات منذ ربيع 2025، وذلك بعد منعت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة وتبنِّيها خطط تهجير جديدة تحت اسم “عربات جدعون”(18). ويهدف هذا الاختيار إلى معاينة مدى تأثير هذا التحوُّل في الموقف الرسمي والخطاب السياسي في المعالجة الإعلامية الأوروبية للحرب الإسرائيلية على غزة.
وتحقيقًا لهذا المسعى، اختارت الباحثة موقعين إلكترونيين لمحطتين تليفزيونيتين إخباريتين مموَّلتين من القطاع العام، إحداهما فرنسية (فرانس 24)، وأخرى بريطانية (هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي). وهو ما يُتِيح اختبار مدى تأثير ملكية وسائل الإعلام في سردية الأخبار، وفي استقلالية المعالجة الإخبارية للحدث عن الخطاب السياسي الرسمي بشأنه.
ويعود اختيار الإعلام الفرنسي والبريطاني إلى أن فرنسا وبريطانيا دولتان أوروبيتان لهما ثقل دولي، فضلًا عن أنهما شهدتا تحوُّلًا لافتًا في مواقفهما تجاه إسرائيل، لاسيما فيما يتعلق بسياسات التجويع التي تنتهجها إسرائيل. ومن ذلك إعلان كل من بريطانيا وفرنسا اعترافهما بدولة فلسطين وعقد مؤتمر دولي لدعم حلِّ الدولتين تحت ضغط الغضب الجماهيري في أوروبا والعالم ضد إسرائيل.
ومن خلال متابعة موقعي “فرانس 24″ و”بي بي سي” يَتَبَيَّن أن مبادرة سفينة “مادلين” لكسر الحصار حظيت بتغطية أوسع على الموقع الأول الذي نشر مادة إخبارية تتكوَّن من 19 تقريرًا، أما في الموقع الثاني فلم تعثر الباحثة إلا على 10 تقارير إخبارية. لذلك قرَّرت، تحقيقًا للتوازن والتمثيلية، الاعتماد على عينة قصدية تشمل التقارير الإخبارية التي تُغطِّي حادثة اعتراض السفينة مادلين وتداعياتها والمنشورة منذ الثامن يونيو/حزيران 2025 (أي قبل يوم واحد من حادثة اعتراض السفينة) إلى الثاني عشر من الشهر نفسه في الموقعين الإخباريين. ومن ثم أصبحت عينة الدراسة تتكوَّن من 12 تقريرًا خاصًّا بموقع “فرانس 24″، و10 تقارير خاصة بموقع “بي بي سي” كما يُبَيِّنُها الجدول الملحق في نهاية الدراسة.
العُدَّة النظرية
تستند الدراسة إلى إطار مرجعي يشمل ثلاثة مداخل نظرية تُساعد في فهم منطق المعالجة الإخبارية الغربية لأخبار التضامن الإنساني العالمي مع غزة.
أولًا: نظرية القيم الخبرية
ظهرت نظرية القيم الخبرية (News values theory)، سنة 1965، من خلال جهود عالمي الاجتماع النرويجيين، يوهان غالتونغ (Johan Galtung) وماري هومبو روج (Mari Homboe Ruge)، في دراستهما التي اهتمت بتحليل الأخبار الدولية لمعرفة العوامل المشتركة بينها، والعوامل التي جعلتها تَتَصَدَّر أجندة الأخبار العالمية(19). واستنادًا إلى مفهوم “الجدارة الإخبارية” أو “الأحقية الإخبارية” (Newsworthiness)، اقترح المُؤَلِّفان اثني عشر معيارًا تجعل الأحداث ذات قيمة إخبارية، أي جديرة بأن تكون أخبارًا محتملة تستحق التغطية الإعلامية وتجذب انتباه الجمهور. واعتبرا هذه العوامل متغيرات مهمة في انتقاء الأحداث وبناء الأخبار تستخدمها المؤسسات الإعلامية بشكل منتظم.
وتشمل هذه العوامل: التكرار، والضخامة، والوضوح، والمغزى (القرب الثقافي والأهمية)، والتناغم (القدرة على التنبؤ والطلب)، وغير المتوقَّع (عدم القدرة على التنبؤ والندرة)، والاستمرارية، والتركيب. وتتعلق القيم الأربع المتبقية بالثقافة: وهي الإشارة إلى نخبة الدول، ونخبة من الأشخاص أو الشَّخْصَنَة، والإشارة إلى شيء سلبي، أو إيجابي.
وقد استندت دراسات عديدة إلى هذه العوامل/المعايير، وقامت بتوسيعها أو اختزالها أو إعادة هيكلتها إلا أنها لم تبتعد كثيرًا عن تصور كل من غالتونغ وروج، الذي ما زال يُعَد العمل الرائد والدراسة الأكثر تأثيرًا في هذا المجال(20).
ونذكر، على سبيل المثال، المراجعة النقدية التي قام بها توني هاركوب (Tony Harcup)، وديردري أونيل (Deirdre O’Neill)، سنة 2001، واقترحا فيها مجموعة معاصرة من قيم الأخبار تَمَثَّلَت في: النخبة المُتَنَفِّذَة، والمشاهير، والترفيه، والمفاجأة، والأخبار السيئة، والأخبار الجيدة، والضخامة، والأهمية، والاستمرارية، وأجندة الوسيلة الإعلامية(21).
وتستفيد الدراسة من نظرية القيم الخبرية، ومعاييرها الأصلية والمُحَدَّثَة، في فحص الجدارة الإخبارية التي حظيت بها مبادرة سفينة “مادلين” لكسر الحصار على غزة في الموقعين الإخباريين “فرانس 24″ و”بي بي سي”. والغرض من ذلك هو معرفة ما إذا كانت حقوق الإنسان قيمة عالمية في انتقاء الأخبار ومعالجتها أم مرتبطة بالسياق الثقافي والجيوسياسي الذي تشتغل ضمنه وسائل الإعلام الغربية.
ثانيًا: مدخل بناء الأجندة
يركز مدخل بناء الأجندة (Agenda Building) على الإجابة عن التساؤل المحوري: من يضع أجندة وسائل الإعلام؟ أي من يتحكَّم في عملية انتقاء الأخبار وبنائها؟ ويهتم هذا المدخل النظري، المتفرِّع عن نظرية وضع الأجندة، بدراسة العوامل والمتغيرات التي تتحكَّم في ترتيب أولويات غرف الأخبار، وكيفية تأثير مصادر الأخبار في أجندة الوسيلة الإعلامية.
وقد بيَّن الباحثان، بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld ( وروبرت ميرتون (Robert Merton)(22)، في دراسة لهما نُشرت سنة 1948، أن ترتيب أولويات وسائل الإعلام هو نتاج لما تُمارِسه القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الفاعلة من ضبط اجتماعي.
وأظهرت دراسة أَعَدَّها شانتو إينغار (Shanto Iyengar) وزملاؤه، تساءلوا فيها عمن يضع أجندة واضعي الأجندة، أن 75% من الأحداث لا تتم معالجتها في وسائل الإعلام(23). ولاحظت الدراسات التجريبية ضمن هذا المدخل النظري أن الأحداث والقضايا لا تبرز بدرجة متساوية في وسائل الإعلام، وأن القصص الخبرية تخضع إلى عملية انتقاء تظهر بموجبها بعض القضايا والموضوعات ويُهْمَل بعضها الآخر.
واتِّساقًا مع الفرضية الأساسية لهذا المدخل النظري، تختبر الدراسة علاقة الرواية الإسرائيلية الرسمية والإعلامية حول مبادرة كسر الحصار على غزة بالمعالجة الإخبارية الغربية لهذه المبادرات وتأثير هذه الرواية (بوصفها مصدر الأخبار) في أجندة الموقعيْن الإخباريين، “فرانس 24” و”بي بي سي”، اللذين يُمَثِّلان مجتمع الدراسة.
ثالثًا: التحليل النقدي للخطاب
يَتَجَذَّر هذا المنحى النظري، المعروف أيضًا بـ”الدراسات النقدية للخطاب”، في المدرسة النقدية التي تبلورت في إطار “مدرسة فرانكفورت”، ويتَّخذ من الخطاب موضوعًا له ومن التحليل النقدي منهجه. ويهتم بدراسة العلاقة الجدلية بين اللغة والخطاب والمجتمع وفحص الإستراتيجيات التي يُوظِّفها الخطاب للحفاظ على السلطة وعلاقات القوة القائمة. فالتحليل النقدي للخطاب (Critical Discourse Analysis) هو اتجاه نظري لساني ثقافي، وبرنامج بحثي تندمج فيه اللسانيات مع النظرية النقدية للتركيز على إبراز الصيغ اللغوية في الخطاب من أجل كشف السلطة المهيمنة و”طرائق تنفيذ سوء توظيف السلطة واستمرارها ومقاومتها والهيمنة الاجتماعية وعدم المساواة بواسطة النص والحديث في السياق الاجتماعي والسياسي”(24).
ويركز التحليل النقدي للخطاب على “نطاق الخطاب”، ولا يقتصر على التفاعلات اللسانية التي تعتمل داخل النص؛ إذ يُمَثِّل النص لدى رواد هذا التيار النظري مُنْتِجًا ومُعِيدًا لإنتاج علاقات السلطة في المجتمع. ويسمح الارتكاز على الجهاز المفهومي والمبادئ التوجيهية لنظرية التحليل النقدي للخطاب بتَمَثُّل الممارسة الصحفية بوصفها ممارسة اجتماعية تقوم، بواسطة اللغة والخطاب، ببلورة الأحداث وربطها بسياقها وتحديد طرق معينة لتَمْثِيلها(25). وهو ما يوفر مقاربة تكاملية للتَّمْثِيلات الإخبارية لمبادرة كسر الحصار البحري على غزة في الإعلام الغربي تجمع بين وصف البنيات اللغوية واستجلاء البنيات المعرفية والأنساق الأيديولوجية المهيمنة.
- الجدارة الإخبارية لمبادرة سفينة مادلين في السرد الإعلامي الغربي
تُشَكِّل مختلف وسائل الإعلام قيمها الخبرية بناء على مواقفها التحريرية وتوقعات جمهورها والتأثيرات الجيوسياسية التي تتموقع داخلها. ووفقًا لبينداريك وكابل، فإن قيم الأخبار تُنْقَل بواسطة إستراتيجيات خطابية وأدوات لغوية؛ إذ تؤثر البنية اللغوية للجدارة الإخبارية وقيم الأخبار في السردية وفهم الجمهور للأحداث.
وفي هذا السياق، لاحظت الباحثة، من خلال رصد السمات التحريرية والأدوات اللغوية في التقارير الإخبارية لموقعي “فرانس 24” و”بي بي سي”، أن قيمتي الصراع والنخبوية شغلتا بؤرة التركيز وصنعتا الجدارة الإخبارية لمبادرة سفينة “مادلين” وحادثة اعتراضها. فقد تمَّ التعامل مع هذه الحادثة بوصفها فصلًا من فصول الحرب الدائرة والصراع بين طرفيها، لكن التركيز انصبَّ على الإطار العام للصراع من أجل تجنُّب التصوير القاتم للغاية لهذا الصراع.
الضخامة/الصراع: هل تم تقديم الحدث خطابيًّا بأنه ذو أهمية عالية وحجم كبير من القوة أو الخطورة؟
لم يتم تَمْثِيل هذه الحادثة بوصفها ذات حجم كبير من الأهمية والضخامة أو ذات خطورة أمنية وقانونية. ولم تُبْنَ الجدارة الإخبارية لمبادرة سفينة “مادلين” التضامنية على أساس الأهمية والتأثير، بوصفها مهمة إنسانية تندرج ضمن جهود كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، والتي يبذلها تحالف أسطول الحرية منذ عام 2010، بل تمَّ التعامل مع هذه المبادرة بوصفها إحدى جولات الصراع في الحرب الإسرائيلية على غزة؛ إذ نفَّذت فيها إسرائيل تهديداتها، وفَشَل الناشطون في إيصال المساعدات إلى غزة.
غير المتوقَّع: هل تم تَمْثِيل الحدث خطابيًّا بأنه غير متوقع أم متوقع؟
إن عملية البناء الخطابي للحدث جعلته يبدو حدثًا متوقَّعًا، لاسيما فيما يتعلق بالاستهداف الإسرائيلي للسفينة، الذي بدا أمرًا مقضيًّا (نُفِّذَ أمر إسرائيل. حُوِّلَ مسارُ سفينة “مادلين” الإنسانية) باعتبار أن طاقمها لم يرضخ للتحذيرات المتكررة (اقتربت السفينة من غزة رغم تحذيرات إسرائيل)، وكأن هذا التدخُّل الإسرائيلي أمر مشروع يُنْظَر إليه في إطار حقِّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
ويُبْرِز هذا المقتطف من أحد تقارير موقع “بي بي سي” كيف تمَّ التعامل مع حدث اعتراض السفينة وبنائه ضمن دائرة المتوقَّع والعادي بشكل يدين المفعول به/طاقم السفينة، ويُبَرِّر للفاعل/إسرائيل ممارسته غير القانونية: “كتب محرر الشؤون الدولية في هيئة الإذاعة البريطانية أنه كان من الواضح أن السفينة لن تصل إلى غزة أبدًا، وأن مهمتها كانت تهدف إلى إثارة الجدل والنقاش”(26).
التأثير: هل تمَّ بناء الحدث خطابيًّا بأن له آثارًا وعواقب مهمة؟
لقد غابت اللغة التقييمية في تقارير موقعي “فرانس 24″ و”بي بي سي” أو الإشارة إلى التداعيات المستقبلية. ولم تركز على العواقب طويلة المدى والتداعيات القانونية والإنسانية والجيوسياسية الأوسع نطاقًا لحادثة سفينة “مادلين”. ولم تلاحظ الباحثة كذلك تركيزًا على حجم ضخامة الحدث لا في مستوى أهمية المبادرة وأهدافها الإنسانية والسياسية، ولا في مستوى طبيعة الهجوم الإسرائيلي على طاقم السفينة واعتقالها لهم وما يستتبع ذلك من خرق للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان. ولنأخذ مثالًا على ذلك هذه الجملة الواردة في موقع “فرانس 24”: “وصلت السفينة إلى ميناء أسدود الإسرائيلي، برفقة سفينتين حربيتين إسرائيليتين”(27) التي توحي للقارئ أن الأمر يتعلق بعملية مرافقة للسفينة إلى الميناء تمَّت في منتهى السلمية والطوعية وليست عملية اقتياد قسري لها.
وعلى الرغم من الإشارة إلى أن المبادرة تهدف إلى نقل مساعدات إنسانية إلى غزة، فإن ذكر الهدف الثاني منها، وهو كسر الحصار، لم يُعْتَمَد إلا في سياق نقل التصريح بهذا الهدف عن المنظِّمين فيتمُّ إدراجه بين مزدوجتين. وكذلك الحال في الإشارة إلى الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة الذي لا يَرِد إلا منسوبًا إلى مصدره كما في هذا المقتطف من التقرير نفسه المشار إليه أعلاه: “دمَّر القصف العسكري اليومي قطاع غزة؛ حيث يُهَدَّد السكان بالموت جوعًا بسبب الحصار الإسرائيلي والقيود الصارمة على المساعدات الإنسانية، وفقًا للأمم المتحدة”(28).
السلبية: هل تمَّ تَمْثِيل الحدث خطابيًّا بشكل سلبي أم بشكل إيجابي؟
ولئن كانت التقارير تُشير إلى الدمار والأزمة الإنسانية باقتضاب -عبر استخدام لغة مجردة عاجزة عن تحويل المجرد إلى محسوس- فإنها تقوم بالتعتيم على سلبية الحدث؛ إذ سقطت عدة معلومات تتعلق بمبادرة سفينة “مادلين” وحادثة احتجازها عمدًا من الأجندة الإخبارية لموقعي “فرانس 24″ و”بي بي سي”. فلم تنقل التقارير رواية النشطاء عن معاناتهم أثناء الاحتجاز والظروف القاسية والصحية التي أبلغوا عنها، ناهيك عن إبقائهم رهن الاحتجاز حتى موعد ترحيلهم في ظل قيود قانونية تنتهك حقوقهم كان تَحَدَّث عنها فريق المحامين. ولم تنقل أيضًا تقارير “اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة” والمنظمات الدولية والإنسانية المندِّدة بالاحتجاز وبالحصار.
التناغم أو التوافق: هل تمَّ بناء الحدث خطابيًّا استنادًا إلى الصور النمطية؟
لم يتم إدراج المبادرة ضمن مرجعية حقوق الإنسان بوصفها مرجعيةً نمطيةً إيجابية ومُسَلَّمَة قيمية تحظى بمقبولية فائقة في المجتمعات الغربية؛ مما قد يجعل الخبر متناغمًا مع الجمهور الذي يستهدفه موقعا “فرانس 24″ و”بي بي سي” ومعاييره الذهنية. ولكن أخبار السفينة وحادثة اعتراضها كانت مناسبة لطبيعة هذا الجمهور فيما يتعلق بجنسيات المشاركين فيها وشهرة بعضهم.
النخبوية: هل تمَّ بناء الحدث خطابيًّا بأنه ذو مكانة عالية أو شهرة كبيرة؟
إن مشاركة النائبة الأوروبية، ريما حسن، والناشطة البيئية السويدية، غريتا ثونبرغ، اللتين تحظيان بتأييد كبير من قِبَل جمهور عريض في أوروبا والعالم، جعلت اسميهما وصورتيهما تتصدَّران أغلب عناوين التقارير الإخبارية التي نشرها موقعا “فرانس 24″ و”بي بي سي” كما حظيت تصريحاتهما باهتمام هذه التقارير. وقد تكررت الإشارة إلى هاتين الناشطتين وتصدَّر اسماهما أكثر من عنوان ومطلع باستخدام الصيغ التالية: “إسرائيل تمنع سفينة إنسانية على متنها غريتا ثونبرغ من التوجه إلى غزة”(29)، و”سفينة إنسانية تقل 12 من مناصري القضية الفلسطينية، من بينهم الناشطة السويدية، غريتا ثونبرغ، والنائبة الأوروبية، ريما حسن”(30).
كما أن تسمية الشخصيات والأطراف الفاعلة بأسمائها وصفاتها محدِّداتٍ للدور والمكانة السياسية والاجتماعية التي يحتلُّها المشاركون في الحدث (الناشطة الحقوقية السويدية/النائبة الأوروبية الفرنسية…) تمنح الخبر أهمية إخبارية يستمدُّها من اهتمام الجمهور بأخبار هذه الشخصيات العامة. ولذلك تضمنَّت التقارير نقلًا لأخبار التحركات الدبلوماسية الفرنسية والسويدية لترحيل الناشطتين، فضلًا عن نقل تصريحاتهما بشأن المبادرة وحادثة اعتراض السفينة.
القرب: هل تمَّ بناء الحدث خطابًّيا بأنه قريب جغرافيًّا أو ثقافيًّا؟
تَعَامَل موقع “فرانس 24″ و”بي بي سي” مع الحادثة من منظور قيمة القرب باعتبار أن السفينة مادلين تحمل على متنها نشطاء من بلدان أوروبية بالنسبة إلى الموقع البريطاني وستة نشطاء فرنسيين بالنسبة إلى الموقع الفرنسي الذي خصَّص 6 تقارير لسرد أخبار ترحيل النشطاء الفرنسيين والناشطة السويدية.
وبدا أن الأهمية الإخبارية للمبادرة التضامنية في “فرانس 24” لا ترتبط بطابعها الإنساني بقدر ما ترتبط بالأهمية الوطنية للمشاركين الفرنسيين فيها والمواقف السياسية الفرنسية منها، وهي الاعتبارات التي تهم الجمهور الفرنسي. فقد تمَّ بناء الحدث خطابيًّا بأنه قريب جغرافيًّا وثقافيًّا من المواطن الفرنسي من خلال التركيز على مسار ترحيل المواطنين الفرنسيين الستة والناشطة السويدية. هذا فضلًا عن إضفاء طابع سياسي محلِّي على الحادثة بالاهتمام بردود أفعال الأحزاب السياسية الفرنسية تجاهها في سياق سياسي وانتخابي محلِّي يشهد استقطابًا حادًّا.
الشخصنة: هل تمَّ بناء الحدث خطابيًّا بحيث يكون له وجه شخصي أو إنساني؟
في المقابل، لم يول موقع “فرانس 24″ و”بي بي سي” أهمية لعرض قصص شخصية للناشطين المشاركين في المبادرة التضامنية لإضفاء طابع شخصي وإنساني على الحدث، وشرح دوافعهم وأهدافهم الشخصية من المشاركة في المبادرة. واكتفى الموقعان بعرض تقرير خاص عن الصيادة الفلسطينية التي سُمِّيَت السفينة “مادلين” تيمُّنًا باسمها.
وتجدر الإشارة إلى أن موقع “بي بي سي” كان قد نشر قصصًا شخصية لمدنيين إسرائيليين في بداية الحرب تُبْرِز معاناتهم من قصف الفصائل الفلسطينية. وتُضخِّم هيئة الإذاعة البريطانية الأصوات الإسرائيلية التي تُقَدِّم سردية تبريرية لأفعال إسرائيل. وقد بيَّن التقرير الصادر عن مركز رصد الإعلام(31) الانحياز المُؤَسَّسِي الصارخ لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” لصالح الرواية الإسرائيلية، وتجاهلها المتعمَّد لمعاناة الفلسطينيين.
التوقيت المناسب: هل تمَّ بناء الحدث خطابيًّا بأنه مناسب من حيث التوقيت بالنسبة لتاريخ النشر؟
يُشير توقيت الاهتمام بمبادرة سفينة مادلين في موقع “بي بي سي” إلى هذا الانحياز المُؤَسَّسِي؛ إذ لم تحظ هذه المبادرة بالجدارة الإخبارية في الموقع إلا في الثامن من يونيو/حزيران 2025 (أي بعد أسبوع من انطلاقها) عندما بدأت إسرائيل تُطْلِق تحذيراتها باعتراض السفينة إذا اقتربت من المياه الدولية لغزة. وبدا كأنها حصلت حينها على إذن بالنشر أو “إذن بالسرد”(32) من إسرائيل التي كانت تُعَتِّم على موضوع هذه المبادرة في وسائل إعلامها.
في المقابل، بدأ موقع “فرانس 24” الاهتمام بالمبادرة الإنسانية منذ انطلاق السفينة في الإبحار نحو غزة مطلع يونيو/حزيران 2025. ويمكن أن يعزى هذا الاهتمام إلى عامل القرب؛ حيث انطلقت السفينة مادلين من ميناء “كاتانيا” في جزيرة صقلية الإيطالية وتضمُّ6 نشطاء فرنسيين وآخرين من عدة دول أوروبية.
وفي المجمل، خضع إنتاج أخبار سفينة الإغاثة “مادلين” إلى عملية “توطين”(33) لها ضمن أُطُر تفسيرية ملائمة للجمهور المحلِّي. ولا تكمن غاية هذا التوطين في بناء معاني هذا الحدث بطريقة تتوافق مع الثقافة والأيديولوجية السائدة للجمهور بل في إبعاد النظر عن الأهداف الإنسانية للمبادرة وعن ملابسات الحصار والتجويع الإسرائيلي التي فرضت إطلاقها.
ويُثْبِت ذلك غياب تجانس عالمي في التشكيل الميديائي لقضايا حقوق الإنسان التي من المفترض أن تتم معالجتها كقضايا عالمية. كما يُبَيِّن أن “الحروب والصراعات ليست ذات أهمية إخبارية في حدِّ ذاتها، بل يجب أن تكون قريبة ثقافيًّا بما يكفي لتصبح أخبارًا”، على حدِّ تعبير براسون سونوالكار (Prasun Sonwalkar)، الذي يرى أن الصراع لا يحظى بجدارة التغطية إلا إذا اعتقد الصحفيون أنه يؤثر فيما يَعُدُّونه “نحن” في السرد الإخباري، في حين أن الصراع الذي يدور حول “هم” قد يتم تجاهله وتهميشه أو معالجته بشكل مخصوص. ويُلاحظ سونوالكار أن وسائل الإعلام الغربية تتجاهل بشكل نمطي الحروب والصراعات في الجنوب العالمي، حتى لو كانت تنطوي على سيناريوهات مروعة من العنف والإرهاب(34).
- البناء الخطابي للسرد الإخباري: خطاب محاصر محاذر وآخر مراوغ
تخضع الأخبار الصحفية -بحسب فان دايك- لمقولات مجردة تتجسَّد في أشكال سردية تتفاعل ضمنها البنية النصية للخبر مع البنى المعرفية للسياق. ولفهم المقاصد الخبرية يجب الإمساك بذلك الخيط الناظم بين النص والسياق في الخطاب الإخباري الغربي حول مبادرة سفينة “مادلين”. ويستلزم ذلك الارتحال من الصياغة اللفظية للعنوان والموجز مرورًا بالملابسات والخلفيات ووصولًا إلى النتائج والتعاليق للعثور على البنية الدلالية العميقة للسرد الإخباري الذي يرتبط بحادثة اعتراض السفينة واعتقال ناشطيها.
العناوين
لاحظت الباحثة تطابقًا في صياغة عناوين تقارير كلا الموقعين الإخباريين؛ إذ تجنَّبت الإشارة صراحة إلى الهجوم الذي شنَّته البحرية الإسرائيلية على السفينة واختطاف النشطاء الذين كانوا على متنها. فعلى الرغم من الابتعاد عن البنية العنوانية النمطية التي تعتمد فعل الحدث تفاديًا لذكر الفاعل (إسرائيل)، إلا أن الملفوظات الدالَّة على الفعل والدور الدلالي لهذا الفاعل اتسمت بالتحفُّظ والمراوغة. فبالتركيز على الفاعلية النحوية في العناوين، نجد أن الفاعل (إسرائيل) تصدَّر العنوان في تقرير لـ”فرانس 24″:
“إسرائيل تعترض أسطول المساعدات الإنسانية المتجه إلى غزة وسيتم ترحيل طاقمه”.
بينما تذيَّل الفاعل العنوان في تقرير لـ”بي بي سي:
“سفينة ناشطين من غزة محمَّلة بالمساعدات ترسو بعد أن احتجزتها إسرائيل”.
ولئن تمَّ إسناد صفة الفاعل لإسرائيل في الموقع الأولى، فإن البنية التركيبية للعنوان بدت متحفظة عن تحديد الدور الدلالي لهذا الفاعل: هل هو معتدٍ أم ضحية تُدافع عن أمنها؟ بل ولعل الجزء الثاني من هذه الجملة العنوانية التي تعلن أن طاقم السفينة سيتمُّ إجلاؤه يُخفِّف من وطأة فعل اعتراض أو تحويل مسار السفينة الذي اختار موقع “فرانس 24” أن يصف به الحادثة ويُعتِّم فعلَ اختطاف طاقم السفينة.
أما الجملة العنوانية في تقرير “بي بي سي”، فتسند الفعل المركزي “ترسو” للسفينة وتجعله نتيجة لفعل احتوته في خلفية العنوان، وهو احتجاز إسرائيل للسفينة دون إشارة إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي داهمت السفينة وأوقفت رحلتها إلى قطاع غزة باختطاف طاقمها.
وتجدر الإشارة إلى أن “بي بي سي” تداركت بهذا العنوان عنوانًا سابقًا لفيديو يُظْهِر ما وصفته بـ”لحظة صعود القوات الإسرائيلية على متن سفينة المساعدات المتجهة إلى غزة”. وقد أسقط هذا العنوان الجزء الثاني المتعلق بمسؤولية إسرائيل عن احتجاز السفينة(35). ويمكن القول: إن “بي بي سي” قامت بتأخير الموقع اللغوي للفاعل (إسرائيل) في الجملة العنوانية كما تشترك مع موقع “فرانس 24” في انتقاء التعبيرات الواصفة للفعل. وتستشف الباحثة من العنوان، بوصفه مقولة خبرية تلخيصية، أن التمثيل الدلالي للحدث تبطَّن تحفُّظًا تحريريًّا على إدانة إسرائيل.
المدخل (المطلع)
تحركت المقولات الخبرية في مدخل تقرير موقع “فرانس 24″(36) في أفق ثلاث تيمات أساسية: اعتراض البحرية الإسرائيلية للسفينة، وتأكيد إسرائيل أن الناشطين سيعودون إلى بلدانهم، وسعي فرنسا إلى ضمان العودة السريعة لمواطنيها الستة. وهي تيمات منسجمة مع ما ورد في عنوان التقرير تحاشت من خلالها الإشارة إلى مكان اعتراض السفينة (أين؟) أو إلى طريقة الاعتراض (كيف؟) أو سبب الاعتراض (لماذا؟). واكتفى موقع “بي بي سي” في مدخل تقريره(37) بالقول: “تمَّ نقل السفينة مادلين إلى ميناء أسدود في إسرائيل بعد اعتراضها في الساعات الأولى من الصباح” دون كشف عن الفاعل أو توضيح لكيفية الاعتراض ومكانه وأسبابه ومصير طاقم السفينة.
وفي هذين المدخلين لا نعثر على مؤشرات لفظية عن كيفية وقوع الحدث كما لا نعثر على إجابة محددة عن سؤال أين وقع حدث “الاعتراض”؟ وفي ذلك تعمُّد لتجنُّب الإشارة الصريحة إلى الهجوم الإسرائيلي على طاقم السفينة، وإلى أن هذا الهجوم تمَّ في المياه الدولية؛ حيث لا تتمتع إسرائيل بأي سيادة، وما قد يستتبعه ذلك من إدانة لإسرائيل.
وعلى الرغم من اعتراف التقريرين في الخلفية بالحصار المفروض على غزة منذ حوالي عقدين، فإنهما لم ينسبا مسؤولية الحصار إلى أي طرف في العنوان أو المدخل مما يُحيل إلى تعمُّد تجاهل أسباب اعتراض السفينة وإسقاط الإشارة إلى أن هدف السفينة هو كسر الحصار رغم الإقرار بأنها تحمل مساعدات.
الحلقة الحدثية
اتسمت الإشارة إلى السبب الثاني لرحلة سفينة “مادلين” نحو غزة في الحلقة الحدثية (الحدث الرئيسي وتفاصيله وخلفياته ونتائجه) بالحذر في كلا التقريرين المذكورين آنفًا؛ إذ ورد بين مزدوجتين نقلًا عن الناشطين، أو عن تحالف أسطول الحرية الذي يُنَظِّم الرحلة (فرانس 24)، أو مصحوبًا بنفي الجانب الإسرائيلي (بي بي سي). وبالمثل، وردت الاتهامات الموجَّهة لإسرائيل بخرق القانون الدولي المنقولة على لسان الناشطين بين مزدوجتين ومشفوعة أحيانًا باستدراك مضمر كما يُبَيِّنُه المقطع هذا المقتطف من تقرير “فرانس 24”: “وندَّدت غريتا ثونبرغ بـ”الانتهاك الصارخ للقوانين الدولية”، مؤكدة أن عملية الاعتراض جرت في المياه الدولية. ولم تُحدِّد إسرائيل المكان الذي تمَّ فيه اعتراض السفينة الشراعية وفقًا لها من قِبَل الجيش الإسرائيلي”(38). وبهذه الجملة الاستدراكية شكَّك التقرير في صحة اتهام الناشطة السويدية لإسرائيل بخرق القانون الدولي، وتحصَّن من أيِّ انخراط في هذه التهمة.
وارتكزت بنية التقارير الإخبارية الخاصة بموقع “بي بي سي” على التعارض بين الأقوال لخلق توازن زائف كي يبدو للمتلقي أن هذه التقارير تقوم على تضمين وجهات النظر المتعارضة بين كل الأطراف الفاعلة في الحدث. ولكن المتأمل سيتفطَّن إلى أن اعتماد هذا التعارض هو إستراتيجية للتلاعب تخلق انطباعًا بالموضوعية والتوازن، ولكنها تهدف إلى الدفاع عن وجهة النظر الإسرائيلية؛ إذ ترد رواية الطرف المناصر لفلسطين بين مزدوجتين محاطة باللبس والتشكيك، بينما ترد الرواية الإسرائيلية مُتَحَرِّرَة من كل شك. ويهدف ذلك إلى توفير مساحة أكبر للرواية الإسرائيلية وتضخيم مبررات إسرائيل. ولم تُفَصِّل الحلقة الحدثية سيرورة الفعل بقدر ما ركزت على النتائج والتوقعات المترتبة عن هذا الفعل من تنديدات من طرف الناشطين وتحالف أسطول الحرية وردود أفعال بعض الدول.
النتائج والتوقعات
أشارت التقارير إلى النتائج المباشرة التي أفرزتها الحادثة، وتجنَّبت التنويه إلى تداعياتها. وانحصرت التوقعات في أن طاقم السفينة سيتم ترحيله، وأن إسرائيل لن تسمح لأي أحد بكسر الحصار نقلًا عن المصادر الإسرائيلية. وقد عرض تقرير “بي بي سي”، المذكور آنفًا، لمواقف وتقييمات الطرف الإسرائيلي للمبادرة مع ما تضمَّنته من لغة انفعالية (أقل من حمولة شاحنة واحدة من المساعدات، غريتا المعادية للسامية وزملاؤها من المتحدثين باسم حماس، محاولة لمساعدة المنظمات الإرهابية…).
في المقابل، لم تتسم الأفعال والمسميات الواصفة لحادثة اعتراض السفينة بالانفعالية؛ إذ تمَّ انتقاؤها بعناية. وكان من الواضح أن هناك تحفُّظًا تحريريًّا على استخدام المصطلحات القانونية الدقيقة والإشارة إلى الطابع غير القانوني للعملية بهدف عدم توريط إسرائيل قانونيًّا وحقوقيًّا.
وقد تمَّ اعتماد أسلوب التلطيف اللفظي تجنُّبًا لتصنيف الفعل الإسرائيلي تصنيفًا سلبيًّا يُدِينُه قانونيًّا: “اعتراض” أو “إيقاف” بدلًا من “احتجاز”، و”حوَّلت مسار السفينة” عوضًا عن “قرصنتها أو اختطافه”، و”الجوع” أو “أزمة نقص غذاء” بدلًا من “التجويع”. لذلك، فإن استخدام هذه العبارات الملطَّفة جعل الحادثة تبدو عملية تفتيش مألوفة قام بها خفر السواحل. فعبارة “تحويل المسار” مثلًا تُستخدَم في مجال النقل اللوجستي، وليس في العمليات البحرية المسلحة. وتهدف في هذا السياق إلى تخفيف فعل القوة وإزاحة تهمة خرق القانون الدولي عن إسرائيل.
الخلفية
اقتصرت التقارير على المعلومات الحالية المتزامنة مع الحدث، وتجاهلت الملابسات السابقة المرتبطة به والمحدِّدة لأسبابه والمتسبِّبين فيه. فتمَّ تجنُّب تناول تعقيدات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في الخلفية وعدم الإشارة بوضوح إلى الروابط السببية. وتمَّ اختزال الصراع في لحظة هجوم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما انجرَّ عنها من ردٍّ عسكري إسرائيلي مع التشديد على مسؤولية حماس في تأجيج الصراع كما ورد في تقرير لـ”فرانس 24″: “الحرب التي اندلعت إثر الهجوم الدموي الذي شنَّته حركة حماس على إسرائيل، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023″(39). وتعتمد التغطية اللغةَ المشكِّكة في النتائج الميدانية للصراع في غزة كما يَتَبَيَّن في تقرير لـ”بي بي سي”: “مرَّ ما يقرب من عشرين شهرًا منذ أن شنَّت إسرائيل حملة عسكرية على غزة ردًّا على هجوم غير مسبوق عبر الحدود شنَّته حماس على إسرائيل، والذي قتل فيه نحو 1200 شخص واخْتُطِف 251 آخرون. وقُتل ما لا يقل عن 54.880 شخصًا في غزة منذ ذلك الحين، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع التي تديرها حماس”(40).
وقد أهملت كلٌّ من أساليب التأطير، وجميع القصص الإخبارية المُختارة، تغطيةَ محنة المدنيين في غزة الذين حُظِرت مساعداتهم، وما زالت حياتهم مُقَيَّدة بالحصار. واستخدمت “فرانس 24″ و”بي بي سي” “التأطير المدمر/المبطل” (Annihilating Framing)(41) من خلال التقليل من أهمية العناصر والمعطيات القانونية والحقوقية والإنسانية المحيطة بحادثة اعتراض السفينة والعمل على استبعادها كجوانب أساسية للحدث. فقد تمَّ تجريد المبادرة من سياقها الإنساني والقانوني فغاب الاستشهاد باتفاقيات القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالحصار البحري والتجويع والإبادة الجماعية(42).
ولم تُخصِّص التقارير عنصرًا يُشير إلى تعرُّض سفينة “الضمير” لهجوم مماثل قبالة سواحل مالطا، في أوائل مايو/أيار2025، اضطر طاقمها إلى إلغاء مهمته كما لم تُذَكِّر بحادثة سفينة “مرمرة” وما انجرَّ عنها من تداعيات دبلوماسية وقانونية. لذلك فإن إغفال الإحالات التاريخية، التي تُفَسِّر متى بدأ الحصار ولماذا؟ فضلًا عن الإحالات القانونية الحقوقية، تعكس اعتماد تأطير ظرفي/عرضي (Episodic Framing) للحدث(43)؛ إذ تُعرَض القصص الخبرية من خلال لقطات آنية بدلًا من استدعاء المنظور الهيكلي أو التاريخي الأوسع لهذا الحدث. وفي هذه الإستراتيجية تبسيط لواقع الصراع والأزمة الإنسانية بإخفاء أسبابها الهيكلية العميقة.
وعمومًا، تفاعلت القوالب المعجمية والتركيبية في التقارير الإخبارية التي قامت الباحثة بتحليلها مع قالب معرفي جاهز يُقيِّدها داخل إطار مرجعي واتجاه تمثيلي تُحاذر من أجل عدم الخروج عن حدوده. فتموقعت الدلالات المعرفية داخل اصطفاف واضح وراء الرواية الإسرائيلية المُضَلِّلَة حول مبادرة سفينة “مادلين”، التي حاولت نزع الشرعية عن المبادرة الإنسانية وتشويه صورة الناشطين فيها، وإن لم تنغمس فيها بشكل تام ومفضوح.
فقد نأت هذه التقارير عن الخطاب التحريضي والتجريمي الذي تمَّ ترويجه في الإعلام الإسرائيلي أو على لسان المسؤولين السياسيين الإسرائيليين بهدف تشويه الناشطين والادِّعاء بأنهم “مجرد مؤثرين يسعون إلى خلق ضجة”، والدعاية لأنفسهم وأنهم “يمينيون متطرفون” و”أنصار سلام زائف” “يُهَلِّلُون للإرهابيين” ويقومون بنشر دعاية حماس.
ولئن لم تُجَرِّم الإغاثة، فإن هذه التقارير انخرطت في محاولة إبعاد الأنظار عن الهدف الإنساني للمبادرة، والتقليل من أهميته في تحدِّي الحصار الإسرائيلي غير القانوني وغير الإنساني المفروض منذ أكثر من عقدين على غزة، في مقابل تبرير الهجوم الإسرائيلي على طاقم السفينة ومنعهم من إدخال المساعدات إلى غزة والتقليل من خطورة ذلك.
خاتمة
يُبَيِّن تحليل خطابات “فرانس 24″ و”بي بي سي” الطبيعةَ الأيديولوجية لقيم الأخبار في هذين الموقعين الإخباريين، وهيمنةَ الأجندة السياسية والإعلامية الإسرائيلية على بناء سياستهما التحريرية فيما يتعلق بمعالجة أخبار التضامن الإنساني مع غزة. فقد قدَّم الموقعان معالجة إخبارية لمبادرة كسر الحصار بحصار لغوي وتواطؤ تحريري حذر مُقَيِّدَيْن للحقيقة؛ إذ تعاضدا لنزع الطابع الإنساني الحقوقي عن هذه المبادرة، وهو ما أنتج سردًا إعلاميًّا يتحصَّن بالحياد الظاهري لتجنُّب تسجيل موقف أخلاقي وقانوني ضد إسرائيل. ويُفصح ذلك عن “تبعية خطابية” للرواية الإسرائيلية لحادثة سفينة مادلين بما تعنيه التبعية الخطابية من “تخلِّي خطاب ما عن خصوصياته الخطابية وتوحُّده مع خطاب آخر مهيمن”(44).
يبدو أن غرف الأخبار في الموقعين المذكورين اشتغلت ضمن نطاق خطابي أكثر تقييدًا، وحاولت الموازنة فيه بين التحالفات الجيوسياسية المعقَّدة ودفع اتهامات التحيُّز عنها، وتوقعات الجمهور شديدة الاستقطاب. ولا شك أن عوامل بنيوية، مثل الرقابة التحريرية ونقص المراسلين الأجانب في منطقة الصراع، تؤدي إلى إنتاج مثل هذا السرد الإخباري المراوغ الذي يحاول الحفاظ على توازن رمزي في الخطاب.
وفي المجمل، يمكن القول: إن مبادرة سفينة “مادلين” التضامنية فرضت نفسها على الأجندة الإخبارية في الإعلام الدولي، إلا أن تشكيلها الميديائي لم يخرج عن نطاق التغطية النمطية والمُؤَدْلَجَة للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني التي اتسم بها الإعلام الغربي السائد؛ الأمر الذي أنتج نمطًا من الجمود السردي الذي يُكرِّس التحيُّزات الراسخة، ولا يعمل على التشكيك فيها. ويُسْهِم هذا الجمود السردي في خلق نقاط ذهنية عمياء تُصَعِّب على المتلقي الغربي رؤية وجهة النظر المخالفة التي لم تكشف عنها المعالجة الإخبارية بوضوح.
وهكذا يُبَيِّن السرد الإخباري تحيُّزًا تحريريًّا للرواية الإسرائيلية كما يكشف الغطاء عن التفريغ القانوني والاستخدام الانتقائي لحقوق الإنسان لخدمة أجندات ومصالح جيوسياسية. فهذه التَّمَثُّلات المُعَتِّمَة على انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بحقِّ نشطاء مبادرات كسر الحصار وبحقِّ المدنيين الفلسطينيين المجوَّعين هي محاولة متعمَّدة لـ”إسكات حقوق الإنسان”، أو ربما نوع من التطبيع مع الانتهاكات بما يجعلها أمرًا عاديًّا ومألوفًا يُهَيئ العقل الغربي لاستساغته. و”يبدو أن الأمر الوحيد الأسوأ من انتهاك حقوق الإنسان الفعلي هو عندما تفشل وسائل الإعلام في لفت انتباه العالم بأسره إلى هذه الانتهاكات؛ إذ يتمُّ تجاهل العديد من الحروب أو النزاعات أو لا يتم الإبلاغ عنها؛ مما يُثير إحباط المنظمات غير الحكومية والوكالات الأخرى التي تناضل من أجل زيادة الضغط السياسي على الأنظمة المخالفة عن طريق فضحها أمام الرأي العام العالمي”(45).
المراجع
(1) Lieve Gies, Mediating Human Rights Media, Culture and Human Rights Law, (New York : Routledge, 2015), 1.
(2) Walter Benjamin, Illuminations, Translated by Harry Zohn, (New York : Schocken Books, 2007), 256.
(3) انظر نص التقرير:
World Report 2024, hrw.org, 2024, “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/3ruw7m2y.
(4) Lieve Gies, Mediating Human Rights Media, 7.
(5) Jesper Strömbäck, “Four Phases of Mediatization: An Analysis of the Mediatization of Politics,” The International Journal of Press/Politics, Vol. 13, Issue. 3, (July 1, 2008): 228-246.
(6) David Altheide, Media logic, in The international encyclopedia of political communication, (John Wiley & Sons, Inc, 2015), 1-6.
(7) Monica Bednarek, Helen Caple, “Why do news values matter? Towards a new methodological framework for analyzing news discourse in Critical Discourse Analysis and beyond,” Discourse & Society, Vol. 25, No. 2, (January 2014): 135–158.
– Monica Bednarek, Helen Caple, The discourse of news values: How news organizations create ‘newsworthiness’, (Oxford: Oxford University Press, 2017), 320.
(8) Helen Caple, Monica Bednarek, “Rethinking news values: What a discursive approach can tell us about the construction of news discourse and news photography,” Journalism, Vol. 17, No. 4, (February 2015): 435-455.
(9) Johan Galtung, Holmboe Ruge Mari, “The Structure of Foreign News the Presentation of the Congo, Cuba and Cyprus Crises in four Norwegian Newspapers,” Journal of Peace Research. Vol. 2, No. 1, (1965): 71.
(10) Tim Vos, Teri Finneman, “The early historical construction of journalism’s gatekeeping role,” Journalism, Vol.18, No. 3, (March 2014) : 277.
(11) Bednarek, Caple, The discourse of news values: How news organizations create ‘newsworthiness’, 55.
(12) توين فان دايك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي، ط 1 (بيروت، المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 43-59.
(13) منية عبيدي، التحليل النقدي للخطاب: نماذج من الخطاب الإعلامي، ط 1 (عمان، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2016)، ص 134.
(14) المرجع السابق، ص 135.
(15) Teun Van Dijk, News Analysis: Case Studies of International and National News in the Press, (London: Lawrence Erlbaum Associates Publishers, 1988), 348.
(16) أحمد العاقد، تحليل الخطاب الصحفي من اللغة إلى السلطة، ط 1 (الدار البيضاء، دار الثقافة، 2002)، ص 155.
(17) يارا خالد، “سفن المساعدات الإنسانية لغزة: قراءة في تجارب مرمرة ومادلين مع الاحتلال الإسرائيلي”، مركز ترو للدراسات، 18 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 18 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https ://truestudies.org/1953.
(18) “من الانحياز إلى التصدع أفق التحول في المواقف الأوروبية من حرب الإبادة في غزة”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 4 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 18 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://shorturl.at/0cX6U.
(19) Galtung, Ruge Mari, “The Structure of Foreign News the Presentation of the Congo,”: 64-91.
(20) Nico Meissner, “50 years on: Galtung and Ruge’s news value factors revisited in online audience building for independent films,” First Monday, Vol. 20, Issue. 3, (2015): “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/5bb3ar5d.
(21) Tony Harcup, Deirdre O’Neill, “What Is News? Galtung and Ruge revisited,” Journalism Studies, Vol. 2, No. 2, (December 12, 2010): 261–280.
(22) Paul Lazarsfeld, Robert Merton, “Mass Communication, Popular Taste and Organized Social Action,” in Mass Culture: The Popular Arts in America, eds. Bernard Rosenberg, David White, (The Free press, Collier-Macmillam, 1965), 95- 118.
(23) Shanto Iyengar et al., “Experimental Demonstrations of the ‘Not-So-Minimal’ Consequences of Television News Programs,” American Political Science Review, Vol. 76, No. 4, (1982): 848–58.
(24) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 189.
(25) نورمان فيركلوف، تحليل الخطاب التحليل النصي في البحث الاجتماعي، ترجمة طلال وهبة، (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 63- 64.
(26) Sofia Ferreira Santos, Ben Hatton, “Gaza activist boat carrying aid docks after being seized by Israel”, BBC News, June 9, 2025, “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/2jkmsb4j.
(27) Flottille pour Gaza, “Greta Thunberg expulsée d’Israël, quatre Français présentés à un juge, » France24.com, 9 juin 2025, « accessed October 6, 2025 ». https ://shorturl.at/6Ebw4.
(28) « Flottille pour Gaza : Greta Thunberg expulsée d’Israël, quatre Français présentés à un juge, » France24.com, 9 juin 2025, « accessed October 6, 2025 ». https ://shorturl.at/6Ebw4.
(29) « En route vers Gaza، Israël bloque le navire humanitaire avec à son bord Greta Thunberg, » France24.com, 8 juin 2025, « accessed October 6, 2025 ». https ://shorturl.at/f7Xcw.
(30) « En route vers Gaza، Israël bloque le navire humanitaire avec à son bord Greta Thunberg, » France24.com, 8 juin 2025, « accessed October 6, 2025 ». https://shorturl.at/f7Xcw.
(31) “BBC On Gaza-Israel: One Story, Double Standards,” CfMM, June 6, 2025”, « accessed October 6, 2025 ». https://tinyurl.com/4nm77hs8.
(32) Noureddine Miladi, “Seeking ‘permission to narrate’: Debunking the global media reporting of the Israeli War on Gaza and the Palestine exceptionalism”, Journal of Arab & Muslim Media Research, Vol. 18, No. 1, (April 2025): 3 – 14.
(33) Lisbeth Clausen, “Localizing the global”, Media Culture & Society, Vol. 26, No. 1, (January 2004): 27.
(34) Prasun Sonwalkar, “Out of Sight, Out of Mind: the non reporting of Small Wars and Insurgencies,” in Reporting War: Jounalism in War Time, eds. Stuart Allan, Barbie Zelizer, (New York: Routledge, 2004), 207.
(35) يمكن مشاهدة الفيديو عبر هذا الرابط:
« Gaza activists’ aid boat with Greta Thunberg on board docks in Israel,” bbc.com, June 9, 2025, “accessed December 18, 2025”. https://tinyurl.com/2jkmsb4j.
(36) « Israël a dérouté la flottille humanitaire à destination de Gaza, son équipage sera expulsé, » France24.com, 9 juin 2025, « accessed October 6, 2025 ». https://shorturl.at/yRQiq.
(37) “Gaza activist boat carrying aid docks after being seized by Israel,” BBC News, 9 June 2025, “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/2jkmsb4j.
(38) « Israël a dérouté la flottille humanitaire à destination de Gaza, son équipage sera expulsé, » France24.com, 9 juin 2025, « accessed October 6, 2025 ». https ://shorturl.at/yRQiq.
(39) « Flottille pour Gaza : Greta Thunberg expulsée d’Israël, quatre Français présentés à un juge, » France24.com, 9 juin 2025, « accessed October 6, » 2025 ». https://shorturl.at/6Ebw4.
(40) “Six Gaza aid boat activists deported from Israel after three days in detention,” BBC News, 12 juin 2025, “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/mubjmnab.
(41) Dalia Gavriely-Nuri, Tiki Balas, “Annihilating framing: How Israeli television framed wounded soldiers during the Second Lebanon War,” Journalism, Vol. 11, No. 4, (August 17, 2010): 409-423.
(42) أسطول الحرية محمي بموجب العديد من صكوك القانون الدولي الملزمة التي تضمن حقَّ إيصال المساعدات الإنسانية، وتحظر عرقلتها، وتفرض التزامات على الدول بمنع المجاعة، وحماية المدنيين. وأي هجوم أو مصادرة أو عرقلة للأسطول يُعَد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ويُحمِّل الدول والأفراد مسؤولية قانونية بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واتفاقية جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ودليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق في النزاعات المسلحة في البحار وقراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2720 و2728.
(43) Shanto Iyengar, Is anyone responsible? How television frames political issues, (University of Chicago Press, 1991), “accessed September 18, 2025”. https://tinyurl.com/3ejrm2hd.
(44) عماد عبد اللطيف، “التبعية الخطابية”، صحيفة العربي الجديد، 22 سبتمبر/أيلول 2025، ص 16.
(45) Gies, Mediating Human Rights Media, 1.
ملحق: عيِّنة التقارير الإخبارية في “فرانس 24″ و”بي بي سي”
| الموقع الإخباري | التاريخ | عنوان التقرير الإخباري |
|
فرانس 24 |
8 يونيو/حزيران 2025 | Reva Viard, à bord du bateau pour Gaza : « une action légale, nécessaire et urgente » |
| 8 يونيو/حزيران 2025 | En route vers Gaza, Israël bloque le navire humanitaire avec à son bord Greta Thunberg | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Israël a déroute la flottille humanitaire à destination de Gaza, son équipage sera expulsé | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Flottille pour Gaza déroutée : plus de contact avec l’équipage du navire | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Flottille pour GAZA : les passagers interceptés vont être auditionnés par Israël | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | L’armée israélienne a intercepté le navire humanitaire Madleen | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Flottille pour Gaza : Greta Thunberg expulsée d’Israël, quatre français présentés à un juge | |
| 10 يونيو/حزيران 2025 | Greta Thunberg rapatriée en avion après l’interception du navire humanitaire | |
| 10 يونيو/حزيران 2025 | Flottille pour Gaza : « nous avons été kidnappés » par Israël dit Greta Thunberg sur France 24 | |
| 10 يونيو/حزيران 2025 | Les militants du Madleen rapatriés et transférés à l’aéroport de Tel- Aviv | |
| 11 يونيو/حزيران 2025 | Les quatre français toujours détenus en Israel vont être expulsés | |
| 12 يونيو/حزيران 2025 | Flottille pour Gaza : l’eurodéputée Rima Hassan de retour en France | |
|
بي بي سي |
8 يونيو/حزيران 2025 | Israel warns it will be stop aid yacht heading for Gaza |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Israeli forces intercept Gaza activist’ aid boat with Greta Thunberg on board | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Watch : Moment Israeli forces board Gaza aid boat | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Madleen docks in Israel – report | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Israel diverts aid boat bound for Gaza with Thunberg on board | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Gaza boat expedition was an act of protest (Jeremy Bowen) | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | Gaza activists’ aid boat with Greta Thunberg on board docks in Israel | |
| 9 يونيو/حزيران 2025 | France working to return citizens as quickly as possible, AFP reports | |
| 10 يونيو/حزيران 2025 | Greta Thunberg deported Israel says, after Gaza aid boat intercepted | |
| 12 يونيو/حزيران 2025 | Six Gaza aid boat activists deported from Israel after three days in detention |