ملخص:
تُقارِب الدراسة تأثير البيئة السياسية في تغطية الإعلام الإسرائيلي للحرب على غزة، من خلال الإجابة على هذا السؤال المركَّب: ما تداعيات البيئة السياسية، التي نشأت بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على المعالجة الإعلامية للحرب على غزة في الإعلام الإسرائيلي؟ وكيف تأثرت تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية بالبيئة السياسية خلال الحرب على غزة؟ اعتمدت الدراسة المنهجَ الوصفي التحليلي في مقاربة تأثيرات هذه البيئة السياسية في المعالجة الإعلامية الإسرائيلية للحرب على غزة، كما استعانت بدراسات التحليل النقدي للخطاب لبحث البنية المعجمية والدلالية للخطاب الإعلامي الإسرائيلي وتحديد المعاني والسياقات السياسية لهذا الخطاب. وتشمل عينة الدراسة 22 مادة إعلامية نُِشَرت عبر المواقع الإخبارية لـ”يديعوت أحرونوت”، و”جيروزاليم بوست”، و”هآرتس”، خلال العام 2025. وتوصلت الدراسة إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تخضع لسلطة الخطاب الذي تتحكَّم فيه الحكومة والجيش الإسرائيلي، فضلًا عن الرقابة العسكرية المباشرة التي تفرضها هذه الجهات على القضايا الأمنية والسياسية. كما تتماهى وسائل الإعلام مع موجة التطرف والتحريض والعنصرية التي تسود المستوى الشعبي والرسمي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، باستثناء “هآرتس” التي تبنَّت موقفًا معارضًا. وخلصت الدراسة إلى أن الإعلام الإسرائيلي يتواءم مع الخطاب الحكومي في دعم “الإبادة الجماعية” من خلال نشر الأخبار ذات الصلة. وظل هذا الإعلام أيضًا يُرَدِّد خطاب الاستنكار والتنديد، الذي صدر عن الحكومة الإسرائيلية حول الاحتجاجات العالمية على الإبادة الجماعية في غزة، وعلى اعتراف حكومات حليفة لإسرائيل بالدولة الفلسطينية.
كلمات مفتاحية: البيئة السياسية للإعلام، المعالجة الإعلامية، الإعلام الإسرائيلي، الحرب على غزة.
Abstract:
This study examines how the political environment has shaped Israeli media coverage of the war on Gaza, addressing the following key question: What impact did the political context that emerged after 7 October 2023 have on the media treatment of the war in Gaza within Israeli media? And how was the coverage of Israeli news outlets influenced by this environment during the war? It adopts a descriptive-analytical approach to assess the effects of this political context on Israeli media representations of the war. It also draws on critical discourse analysis to examine the lexical and semantic structures of Israeli media discourse, with the aim of identifying the meanings embedded in it and the political contexts that shape it. The study is based on a sample of 22 media items published on the websites of Yedioth Ahronoth, The Jerusalem Post and Haaretz in 2025. The findings show that Israeli media operate within a discursive framework largely shaped by the Israeli government and military, in addition to direct military censorship over security and political issues. The media also tend to align with prevailing trends of extremism, incitement and racism in Israeli society, both at the official and popular levels, towards Palestinians, with the notable exception of Haaretz, which adopted an oppositional stance. The study further concludes that Israeli media align with government discourse in supporting what it describes as “genocide”, through the dissemination of related news coverage. The media also reproduce official narratives of condemnation and denunciation issued by the Israeli government in response to global protests against the genocide in Gaza, as well as to the recognition of a Palestinian state by Israel’s allied governments.
Keywords: Political Environment of the Media, Media Treatment, Israeli Media, War on Gaza.
مقدمة
تُمثِّل أنشطة السياسيين مُحَدِّدًا رئيسيًّا لأجندة التغطية الإخبارية، ولذلك يرتبط المحتوى الإعلامي ارتباطًا وثيقًا بديناميات الفعل السياسي. وهنا، يُلاحَظ كيف أن الصحفيين يُلاحقون السياسيين، ويبحثون عن المعلومات ويتقصَّون الأخبار من القوى السياسية المختلفة، وعلى رأسها السلطة السياسية. وتتخذ هذه السلطة من الإعلام منصةً لنشر سياساتها وقراراتها، وتُمارِس من خلالها عملية التأثير(1)، إلا أن الإعلام يحتفظ لنفسه بالطريقة التي يُعالج من خلالها الأخبار والمعلومات التي يستقيها من البيئة السياسية، ومن ثم تنشأ مسألتان: الأولى تَتَمَثَّل في دور الإعلام في تشكيل الرأي العام والتأثير في البيئة السياسية بطريقة غير مباشرة، وغير آنية. والثانية تعكس العلاقة بين الإعلام والسياسة؛ إذ قد تنسجم المعالجة الإعلامية مع توجُّهات الساسة، وقد تتعارض معها؛ الأمر الذي يُحَدِّد علاقات التوافق والصراع بين الإعلام والسياسة. ويُجادل الباحث أحمد أبو راشد بأن الإعلاميين يُسْهِمُون في “تشكيل الخطاب السياسي، وتحديد لهجة مناقشة القضايا المهمة، وتحديد إطار النقاش. فهم يختارون المواضيع التي تستحق الاهتمام وكيفية تغطيتها، ومن ثم التأثير في الرأي العام والأجندة السياسية”(2).
وقد ناقشت نظريات الإعلام البيئةَ المحيطة بالمرسل الإعلامي، ومنها البيئة السياسية؛ إذ تناولت نظرية “حارس البوابة” الظروفَ والبيئةَ التي تُحيط بحارس البوابة؛ إذ تُعَد من العوامل المهمة في توجيه أدائه الإعلامي. وبالرغم من أن حارس البوابة هو المُرْسِل المسؤول عن إعداد الرسالة وإرسالها إلى المتلقي، إلا أن هذه العملية لا تتم في فراغ، بل ترتبط ارتباطًا عضويًّا بالظروف المحيطة بالمرسل الإعلامي، ومن ذلك الظروف السياسية. فحارس البوابة هو من يقف على أحد طرفي العملية الاتصالية، فيتحكَّم بما يمرُّ من معلومات إلى المتلقي؛ إذ تؤدي المصالح والأيديولوجيا، فضلًا عن النفوذ السياسي، دورًا في تحديد اتجاه القرارات التي يتخذها(3).
إن الخوض في العلاقة بين البيئة السياسية والأداء الإعلامي يُعَد جزءًا يسيرًا، ولكن مهمًّا، من المؤثرات التي يعمل الإعلام في إطارها. فهناك البيئة الاجتماعية، والبيئة الثقافية، والبيئة الاقتصادية، وحتى البيئة الطبيعية. فـ”البيئة السياسية ليست مجرد ظرف خارجي، بل جزء من الواقع الذي يُعِيد تشكيل الصحفي وسلوكه المهني اليومي، وإن الصحفيين قد يُمارِسون أفعالًا دون وعي نتيجة الضغوط المستمرة”(4).
- اعتبارات منهجية ونظرية
إشكالية الدراسة
برزت في سياق الحرب على غزة، التي استمرت عامين كاملين (أكتوبر/تشرين الأول 2023-أكتوبر/تشرين الأول 2025)، مظاهر سياسية وسلوكية جديدة في إسرائيل لا يمكن وصفها بتحولات، وإنما هي أمور كامنة بدأت تطفو على السطح. فالأنظمة الديمقراطية تتحوَّل إلى دول قمعية في ظل الأزمات(5). ولأن المراقب يلاحظ تغيُّرات في معالجة وسائل الإعلام للصراع، وتحديدًا خلال الحرب على غزة؛ إذ تُعَد الأحداث والممارسات السياسية من أهم المؤثرات في تلك التغيُّرات، فإن دراسة تأثير البيئة السياسية في المعالجة الإعلامية تُمثِّل مسألة مهمة وتتطلب تقصي مستوياتها وأبعادها.
وهنا، يحاول الباحث الإجابة على هذا السؤال المركَّب: ما تداعيات البيئة السياسية، التي نشأت بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على المعالجة الإعلامية للحرب على غزة في الإعلام الإسرائيلي؟ وكيف تأثرت تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية بالبيئة السياسية خلال الحرب على غزة؟
الإستراتيجية المنهجية
اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي في مقاربة تأثيرات البيئة السياسية في المعالجة الإعلامية الإسرائيلية للحرب على غزة، كما استعانت بدراسات التحليل النقدي للخطاب لبحث البنية المعجمية والدلالية للخطاب الإعلامي الإسرائيلي، وتفكيك رموزه الثقافية، من أجل تحديد المعاني والسياقات السياسية لهذا الخطاب. ويتكوَّن مجتمع الدراسة من المواقع الإخبارية الإسرائيلية: “يديعوت أحرونوت” (Yedioth Ahronoth)، و”هآرتس” (Haaretz )، و”تايمز أوف إسرائيل” (The Times of Israel ). وتحظى “يديعوت أحرونوت” بحضور شعبي واسع، وتُعَد الأكثر انتشارًا، وذات توجه يميني قومي، وتركز على القضايا الأمنية التي تُعد أولوية لدى إسرائيل(6). أما “هآرتس” فصحيفة ليبرالية تتبنَّى منظورًا إعلاميًّا نقديًّا لسياسة الحكومة الإسرائيلية، وتُغطِّي القضايا الفلسطينية بعمق، وتحظى باهتمام المراقبين والطبقة السياسية والإعلامية(7). وتصدر “تايمز أوف إسرائيل” باللغة الإنجليزية، وتهتم بالتحليل المعمَّق للأحداث(8). وتشمل عينة الدراسة 22 مادة صحفية ترتبط بالحرب على غزة، خلال العام 2025، وهو العام الأخير من الحرب. وركزت مواد العيِّنة على الكيفية التي تعاملت بها المواقع الإخبارية الثلاثة مع هذه المجالات: المواقف الدولية، خاصة أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، تجاه الحرب على غزة، بما في ذلك مواقف المنظمات الدولية والحراك الشعبي المعارض للحرب في الدول الغربية، ومواقف الحكومة والمعارضة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال الحرب على غزة، والقيود المفروضة على الإعلام الإسرائيلي، وكذلك القضايا الإنسانية في غزة.
الإطار النظري
استندت الدراسة إلى نظرية حارس البوابة، التي تُشير إلى تحكُّم المْرْسِل في الرسالة التي يتم توجيهها إلى المتلقي بناء على اعتبارات مختلفة، قد تكون مهنية، وقد تكون ذاتية، وقد تكون نتيجة مؤثرات خارجية. ويرتبط سلوك حارس البوابة -بحسب كورت لوين (Kurt Lewin)- بتفاعله مع البيئة، وفي إطار تأثير قوى اجتماعية وسياسية وتنظيمية على قراراته(9). لذلك تمرُّ المعلومات عبر “بوابات” يقف عليها أشخاص يتحكَّمون بمرورها داخل إطار البيئة السياسية والاجتماعية. وتفرض مجموعة من المعايير والضوابط على حارس البوابة، ومن ثم على الأداء الإعلامي، وتشمل البيئة السياسية، والمعايير الذاتية لحارس البوابة، بالإضافة إلى المعايير المهنية والاجتماعية والثقافية، كما تشمل توقعات الجمهور، والتي تُمَثِّل البيئة الاجتماعية التي تُمارِس ضغطًا على حارس البوابة. ويرى لوين أن قرارات حارس البوابة ليست معزولة عن شبكة القوى الاجتماعية والسياسية، والتي تتداخل مع العوامل الذاتية والمهنية التي يعمل حارس البوابة في إطارها. وتُشير دراسة إلى أن الضغوط السياسية ونفوذ الحكومة لها تأثير في الأداء الإعلامي؛ إذ يمكن للسياسات الحكومية واللوائح والعلاقات السياسية أن تُؤثر بشكل كبير في قرارات الرقابة. وقد تُمارِس وسائل الإعلام في ظل الحكومات التي تفرض قيودًا على الإعلام رقابة ذاتية على بعض الأخبار لتجنُّب أية عقوبات. كما أن العلاقات السياسية تؤثر في أداء حارس البوابة؛ إذ قد تُظْهِر المؤسسات الإعلامية، ذات الصلات الوثيقة بالأحزاب أو القادة السياسيين، تَحَيُّزًا في تغطيتها من خلال انتقاء المعلومات لدعم روايات سياسية مُحدَّدة(10). ولذا، فإن الصحافة الإسرائيلية -كما سيبدو لاحقًا في التحليل- تخضع لتأثير الاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية والذاتية في معالجتها للشأن الفلسطيني، وتحديدًا خلال الحرب على غزة.
- البيئة السياسية للإعلام الإسرائيلي
ظلَّت إسرائيل تُوصَف بـ”واحة الديمقراطية” في منطقة الشرق الأوسط -بوصفها الدولة الوحيدة التي تُمارَس فيها الحياة الديمقراطية بشكل يوازي الدول الغربية- في محيط عربي يفتقر لأبسط الممارسات الديمقراطية(11). لكن الحرب على غزة كشفت وجهًا إجراميًّا كان يَسْتَتِر وراء قناع الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل يَسْتَتِر خلف قناع المظلومية، الذي نَفَّذ الاحتلال الإسرائيلي من خلاله أهدافه الكبرى في الهيمنة والتوسع، وفي إخضاع قوى كبرى لإرادته بذريعة أن الشعب اليهودي دفع أثمانًا باهظة نتيجة التمييز العنصري والعداء للسامية، ومن حقِّه أن يحظى بحماية وحصانة دولية لضمان عدم تكرار الإبادة الجماعية بحقِّ اليهود(12). وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى حيثيات تَشَكُّل البيئة السياسية في إسرائيل خلال فترة الحرب على غزة.
العوامل السياسية الداخلية
تُمَثِّل عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي نفَّذت خلالها كتائب القسام -الجناح العسكري لحركة حماس- هجومًا على المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، زلزالًا شديدًا لإسرائيل وللعالم الغربي الذي يُساندها سياسيًّا ودبلوماسيًّا وماليًّا وعسكريًّا. كما تُشكِّل تحوُّلًا دراماتيكيًّا في مسار الصراع في فلسطين؛ حيث زعزعت هذه العملية جذور البنى السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية لإسرائيل(13). ولكن الأخطر من عملية السابع من أكتوبر تجسَّد في تداعيات الحرب على غزة، التي اتخذت منحى غير مسبوق في تاريخ الحروب المعاصرة، سواء من حيث القتل الممنهج والتدمير الذي تجاوز كل الحدود، أو من حيث تأثير ذلك على الداخل الإسرائيلي(14). وما يُثير الاهتمام أيضًا في هذا السياق هو انعكاسات الحرب وتأثيرها في الأداء الإعلامي الإسرائيلي الذي يُعَد جزءًا لا يتجزأ من هذا الواقع، بل يُمثِّل الجهاز العصبي للنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
لقد أدَّت عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم الحرب على غزة، إلى تداعيات اجتماعية وسياسية وأيديولوجية داخل إسرائيل، ألقت بظلالها على المشهد الإعلامي وضاعفت من تأثيرها في وسائل الإعلام. وتمَّ رصد تصاعد التطرف في الحكومة الإسرائيلية وسياساتها داخليًّا وخارجيًّا، بل تعاظم مستوى التطرف على الصعيد الشعبي، حيث أصبح الرأي العام الإسرائيلي مُسْتَقْطَبًا إلى أقصى الحدود، ومُتَشَدِّدًا بشكل غير مسبوق تجاه الشعب الفلسطيني. وقد انعكس ذلك على السلوك المجتمعي، وتحديدًا عنف المستوطنين في الضفة الغربية، واعتداءاتهم على قوافل المساعدات الإنسانية إلى غزة(15). وفي هذا السياق، يمكن أن نشير إلى إقرار قانون الإعدام في الكنيست الإسرائيلي، والذي يسمح بتطبيق عقوبة الإعدام بحقِّ الفلسطينيين الذين يُنفِّذون عمليات عسكرية ضد الإسرائيليين، ثم سياسة الاستيطان في الضفة الغربية التي تصاعدت بشكل غير مسبوق، والحملات العسكرية ضد المخيمات في جنين وطولكرم وغيرها من المخيمات والقرى والمدن، فضلًا عن اعتداءات المستوطنين على السكان الفلسطينيين في الضفة، واقتحامات المسجد الأقصى، ومصادرة الأراضي، وغير ذلك من الأعمال التي تدل على التطرف والتشدد على الصعيد الاجتماعي الإسرائيلي(16).
وقد رافق ذلك تَمْثِيل سياسي مؤثر لليمين الإسرائيلي المتطرف في الحكومة، والذي شكَّل عنصر ضغط على السياسة الإسرائيلية تجاه غزة، بل على الشعب الفلسطيني وقضيته بشكل عام. وامتدَّ ذلك إلى السياسات الإسرائيلية تجاه لبنان وسوريا وإيران واليمن، وحتى بقية الدول العربية. ويرى الباحث أن سلوكيات الحكومة ومواقفها المتطرفة خير دليل على استفحال التطرف في المجتمع الإسرائيلي. فلأول مرة في تاريخ الصراع، يصرح رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بأن إسرائيل تهدف إلى إنشاء “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”، فضلًا عن تصريحات أخرى حول إخضاع منطقة الشرق الأوسط للإرادة الإسرائيلية بالقوة(17). وكل هذا يُعَد من المؤثرات السياسية الحادة على المجتمع الإسرائيلي ووسائل إعلامه، لاسيما أن أداء الإعلام قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كان متناغمًا مع الحالة السياسية السائدة آنذاك.
وفي سياق الأجواء السياسية التي سادت في فترة الحرب على غزة، عصفت قضية الأسرى الإسرائيليين بالمجتمع الإسرائيلي. فقد تصاعدت هذه القضية بشكل كبير، وأثَّرت في مختلف مناحي الحياة الإسرائيلية. فالمظاهرات والاعتصامات اليومية رافقها في بعض الأحيان إجراءات نفَّذها المتظاهرون، مثل إغلاق الطرق وتعطيل بعض مناحي الحياة، وتعاطف قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي مع هذه الحركة التي شكَّل أهالي الأسرى نواة لها، وحظيت بتأييد قوي من المعارضة السياسية الإسرائيلية. وقد انشغل الإعلام الإسرائيلي بهذه القضية، التي تحظى بإجماع واسع لدى الجمهور الإسرائيلي، مع اختلاف في التوجهات لحلِّ هذه الأزمة.
البيئة السياسية الخارجية
لم تتوقف تداعيات هجمات السابع من أكتوبر عند حدود قطاع غزة، أو حتى داخل إسرائيل، أو في الضفة الغربية، بل امتدَّت لتشمل العالم بأسره، وتحديدًا العالم المرتبط بشكل وثيق بإسرائيل. لقد وصل صدى هذه الهجمات إلى جميع دول العالم ليس بسبب التعاطف مع الشعب الفلسطيني، أو التضامن مع إسرائيل، وإن كان هذا واردًا لدى عدد من الدول، ولكن بسبب الصورة المضخَّمة لإسرائيل في العالم، بوصفها من أكثر الدول ديمقراطية وتقدمية وتطورًا، ناهيك عن موقعها في الخريطة السياسية للعالم الغربي، والمكانة والحصانة التي تتمتع بهما من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية. لقد انهارت، في لحظة، القوة التي وُصَِفت بـ”الخارقة”، وواجهت الدولة التي تعهَّد العالم الغربي بحمايتها والدفاع عنها تحديات أمنية إستراتيجية؛ الأمر الذي دفع رؤساء الدول الحليفة لها إلى زيارتها، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول، لمساندتها وتقديم كل أشكال الحماية لها(18). وكانت هذه الزيارات بمنزلة إعادة الرُّوح إلى الدولة التي ترنَّحت لفترة وجيزة تحت صدمة السابع من أكتوبر.
ولكن تداعيات السابع من أكتوبر لم تتوقف عند هذا الحدِّ. فقد تحوَّل الاهتمام العالمي إلى الجانب الفلسطيني نتيجة الحرب التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة، والتي وُصِفَت بـ”الإبادة الجماعية”، و”المحرقة”. وتحوَّل تعاطف كثير من الدول، على المستوى الشعبي والرأي العام الدولي، وحتى على المستويات الرسمية، إلى تضامن مع الشعب الفلسطيني، وإدانة إسرائيل بسب جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة، وقتل أطفالها ونسائها ورجالها وشيوخها، وتدمير كل مقومات الحياة فيها. وقد عبَّرت منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية، عن صدمتها لمستوى العنف والانتهاكات التي مارستها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة بشكل خاص. فقد عانى السكان من الحصار والتجويع والتدمير والقصف، الذي استهدف كل شيء. وهي معاناة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلًا منذ عقود طويلة(19).
وانعكس كل ذلك على الواقع الإسرائيلي، رغم نبرة التحدي التي مارسها السياسيون في المجتمع الدولي. فقد عانت إسرائيل من عزلة إلى حدٍّ كبير، رغم تواطؤ كثير من الحكومات معها، إلا أن التيارات الشعبية التي اجتاحت العالم وندَّدت بالإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، كان لها الأثر الأكبر على صورة هذه الدولة التي بَنَتْها منذ أكثر من سبعة عقود. كما أن الإعلام الغربي، والدولي، لم يستطع تجاهل الانتهاكات وجرائم الحرب التي قامت بها إسرائيل في غزة، وكانت الشعوب تعيش صراعًا عميقًا بين القيم التي قامت عليها دولهم، والتي تنسجم مع القوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، وبين مواقف حكوماتهم الداعمة للاحتلال الإسرائيلي إلى أقصى الحدود. فكل الضحايا الذين سقطوا في غزة، سقطوا بأسلحة الدول الغربية، وبمساعدتها لإسرائيل عسكريًّا وسياسيًّا واستخباريًّا، فضلًا عن توفير الحصانة التامة لها من أية مساءلة(20).
ويرجع السبب في التحوُّل النسبي للإعلام الغربي في تناوله لهذا الصراع إلى الطفرة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال نشر الانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في غزة بحقِّ المدنيين والأطفال؛ حيث كانت تُنشر أولًا بأول، ولحظة بلحظة. فالصور والمشاهد، والقصص المؤلمة، لامست مشاعر المواطنين في أنحاء العالم، وشكَّلت عامل ضغط كبيرًا على الحكومات الغربية وكذلك إسرائيل، ووسائل الإعلام التقليدية(21). وأدَّى ذلك إلى تحوُّلات ملحوظة في الرواية، وهو ما يُشير إليه عدد المنشورات المؤيدة للفلسطينيين مقارنة بالمنشورات المؤيدة لإسرائيل؛ إذ أظهرت دراسة أجرتها جامعة “نورث إيسترن” في الولايات المتحدة أن كل منشور مؤيد لإسرائيل يُقابله 17 منشورًا مؤيدًا للفلسطينيين(22). كما أظهرت دراسة أن 83% من المنشورات، خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحرب على غزة، كانت مُوجَّهة ضد إسرائيل، في حين كانت المنشورات المؤيدة لا تتجاوز 9%(23).
الإعلام والبيئة السياسية
لا ينفصل الإعلام عن بيئته بجوانبها المختلفة، كما ذُكِر آنفًا، بل يُعَد أحد المكونات العضوية للمجتمع، السياسية والثقافية والاجتماعية، وهو يؤثر فيها ويتأثر بها. وفي الواقع الإسرائيلي، نجد أن الإعلام يُمَثِّل صدى للأحداث السياسية والحراك السياسي، ويتفاعل معها. وتُشير دراسة أعدَّها الباحث غادي وولفسفيلد (Gadi Wolfsfeld) إلى أن الإعلام الإسرائيلي يعتمد على المصادر الرسمية، وينقل السردية التي تتبنَّاها الحكومة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وتحديدًا خلال الصراع والأزمات؛ إذ يُردِّد مصطلحات “الحفاظ على الأمن” و”الدفاع عن النفس”(24). وقد توصل الأكاديمي محمود الحرثاني إلى أن الإعلام الإسرائيلي يُهمِّش الجوانب الإنسانية في الصراع، وبخاصة فيما يتعلق بالطرف الآخر(25).
لقد انعكست الحرب على غزة، بكل أحداثها وتداعياتها، على الأداء الإعلامي الإسرائيلي. وتجلَّت صور الأحداث في نبرة التغطية الإعلامية واتجاهاتها؛ الأمر الذي يُسهِّل على المتابع للإعلام الإسرائيلي رؤية المشهد السياسي بوضوح.
سلطة الخطاب وسلطة الإعلام
تُعَد الجدلية المتعلقة بـ”مَنْ يُؤثِّر في مَنْ؟”: هل السلطة تؤثر في الإعلام أم أن الإعلام يؤثر في السلطة؟ جدلية مثيرة للاهتمام، وتفتح مجالًا واسعًا للدراسة والنقاش، لكن لن تكون هناك إجابة حاسمة لصالح أي طرف بل إن فكرة “التأثير المتبادل” ينبغي أن تكون محور النقاش. فلا يمكن التقليل من سلطة الخطاب، وفي الوقت نفسه لا يمكن التقليل من المساحة التي يعمل فيها الإعلام فيُعبِّر عن رؤيته ويؤثر في الرأي العام وصانع القرار(26).
لقد تبنَّى توين فان ديك (Teun van Dijk) وجهة النظر التي تؤكد قوة سلطة الخطاب، وتأثير السلطة على وسائل الإعلام؛ ويربط ذلك بمفهومي النفاذ إلى الخطاب والسيطرة على إنتاجه: “مَنْ الذين يستطيعون النفاذ إلى الخطاب السياسي، والخطاب الإعلامي، والخطاب التعليمي، والخطاب العلمي؟ ومَنْ القادرون على السيطرة على إنتاج مثل هذا الخطاب، كما هي الحال بالنسبة لعقد المؤتمرات الصحفية؟ لأنه بمجرد السيطرة على جزء من إنتاج الخطاب العام، يمكن أيضًا السيطرة على جزء من مضامينه، ومن ثم يُمكنك، بصورة غير مباشرة، السيطرة على العقل العام. ربما لا تستطيع التحكُّم تمامًا في كيف يُفكِّر الناس، ولكن يمكن -على الأقل- التحكُّم فيما سوف يُفكِّرون فيه”. ويضيف فان ديك: “في العمل الميداني تكون القاعدة العامة هي: كلما كانت الخطابات المتنفِّذة في أعلى الهرم السياسي، كانت نقاشاتها أكثر سرية ومتاحة بدرجة أقل للجمهور، وأقل خضوعًا للتدقيق النقدي، وأحيانًا تكتسب الحصانة من القانون، كما هي الحال بالنسبة إلى اجتماعات مجلس الوزراء”(27).
وكان من أبرز الإجراءات التي قامت بها الحكومة الإسرائيلية لتقييد الإعلام، وفرض الخطاب الرسمي عليه، إصدار قرار بمنع الصحفيين الأجانب من دخول قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بذريعة حماية “الأمن القومي”. وفي أبريل/نيسان 2024، أصدر الكنيست قانونًا يسمح للحكومة بوقف عمل أية وسيلة إعلامية أجنبية يمكن أن تنشر ما تراه “يضرُّ بالأمن القومي”، بما في ذلك إيقاف البث وإغلاق المكاتب، بالإضافة إلى إغلاق المواقع الإلكترونية، وهو ما عُرِف بـ”قانون الجزيرة” التي كانت مستهدفة بشكل أساس من هذا القانون(28). وقد جرى إغلاق مكاتب الجزيرة ومنعها من التغطية الإعلامية. كما قامت السلطات الإسرائيلية بشنِّ حملة اعتقالات في صفوف الصحفيين الفلسطينيين خلال الحرب على غزة دون توجيه لائحة اتهام لهم. كما قامت بفرض عقوبات على صحيفة “هآرتس” بسبب انتقاداتها للحرب على غزة، وترى أن ذلك “تجاوز حدود الصحافة إلى تحريض ضد الدولة”(29).
وتحكَّمت السلطات الإسرائيلية بشكل واضح بالمعلومات التي تُصدَّر إلى وسائل الإعلام، وحجبت الكثير من المعلومات، وذلك وفق العبارة المشهورة في الإعلام “سُمِح بالنشر”(30). ولذلك اشتغل الإعلام ضمن إطار حدَّدته السلطة السياسية، مع احتفاظه بحقِّ النقد والتساؤل والمناقشة، لكن تحت السقف الذي وضعته هذه السلطة. ولذا، وفي سياق الحديث عن العنصرية والتطرف، نجد أن الخطاب الإعلامي كان عنصريًّا في بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية بشكل صريح ومباشر(31). وبناء على نظرية فان ديك، يمكن القول: إذا كان الخطاب العنصري المعلن في وسائل الإعلام الإسرائيلية يُمثِّل فقط الحدَّ الذي أتاحته وفرضته “سلطة الخطاب” الرسمي، فكيف يمكن أن يكون خطاب المستويات الأعلى مرتبة في الدولة، والمحاط بالسرية؟!
إن تحكُّم بنيامين نتنياهو وحكومته في المعلومات، وحاجة الإعلام لاستقاء هذه المعلومات من أعضاء الحكومة في المناصب العليا حول الأحداث والتطورات والقرارات، لن يُتيح للإعلام أي مجال لعدم نشر تلك المعلومات، لاسيما في ظل غياب مصادر أخرى؛ الأمر الذي يحتم عليها نشرها وإعطاءها الأولوية في التغطية. ولا يمكن تفسير ذلك فقط باحتكار القيادات السياسية للمعلومات، وتحديد المواقف الرسمية، بل لأن الظرف استثنائي (الحرب)، كما أن المعلومات التي تصدر عن تلك القيادات تؤثر بشكل مباشر وفعَّال في مجريات الأحداث؛ الأمر الذي يُعطي قيمة لتلك المعلومات، فتصبح أولوية لدى الإعلاميين من جهة، وذات أهمية بالغة للجمهور من جهة أخرى(32).
- سلطة الخطاب والرقابة على النشر
في تقرير نشره موقع “يديعوت أحرونوت”، في 9 فبراير/شباط 2025، ينقل عن الرئيس الإسرائيلي، حاييم هرتسوغ، هجومه على قناة “بي بي سي” البريطانية التي تتحدث عن العنف الذي تُمارِسه إسرائيل بحقِّ الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. رفض هرتسوغ ما أسماه بـ”المزاعم” التي بثتها “بي بي سي”، وأكد أن “الترويج لها أمرٌ شائنٌ، ولا أساس له”. وأضاف: “نحن دولة ديمقراطية تُحافظ على سيادة القانون، كما أن جميع السجناء في إسرائيل يقبلون الشروط التي يحقُّ لهم التمتع بها بموجب القانون”. وأضاف: “بعض الأسرى الفلسطينيين لا يريدون حتى المغادرة والعودة إلى غزة، بل يُفضِّلون البقاء في السجون الإسرائيلية. وهكذا، فإن قصة “بي بي سي” هذه شائنة بالنسبة لي، وأدعوكم جميعًا إلى وقف هذا الموقف وفهم أن الهجوم الذي وقع في 7 أكتوبر هو هجوم على العالم الحر بأكمله، وعندما نعتقل الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الفظائع، فهو لمنعهم من الهجوم مرة أخرى”. وفي هذا التقرير، نجد أن رئيس دولة ينتقد وسيلة إعلام في دولة حليفة، وتقوم “يديعوت أحرونوت” بنقل تصريحاته دون مناقشة محتوى المعلومات التي تحدث عنها. كما أن الموقع لم يُناقش مثلًا الانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في معتقل سديه تيمان، ولم يهتم بتقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان حول التعذيب في السجون الإسرائيلية، وبأعداد الوفيات في تلك المعتقلات، والتي فاقت أعداد الذين تُوُفُّوا منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي، فضلًا عن جثث الأسرى الفلسطينيين، التي سلَّمتها إسرائيل إلى الجانب الفلسطيني في غزة، وقد ظهرت عليها علامات التعذيب والعنف الشديد، وسرقة الأعضاء(33).
إن الرقابة في إسرائيل ليست أمرًا جديدًا؛ حيث يخضع الإعلام الإسرائيلي للرقابة العسكرية، وتحديدًا في الأمور الأمنية. فلا يُسْمَح للإعلام بنشر الأحداث والتفاصيل التي ترتبط بالقضايا الأمنية والعسكرية، مثل مقتل إسرائيليين، أو العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين أو لبنان أو إيران، أو غيرها من الأهداف العسكرية، إلا بمقدار ما تسمح به الحكومة والجهات المختصة(34). ويتفهَّم الجمهور الإسرائيلي هذه القيود (مع وجود انتقادات لهذه السياسة)، بوصفها تهدف إلى الحفاظ على معنويات الجمهور، ومنع أي استغلال للمعلومات بما يضرُّ بالمصالح الإسرائيلية. فقد نشرت “تايمز أوف إسرائيل”، في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، خبرًا تؤكد فيه مخاوف السياسة الأمنية من النشر: “بعد فرض أمر منع نشر طويل الأمد، سمحت الرقابة العسكرية بنشر حقيقة وقوع حادث أمني خطير في منطقة قطاع غزة. لا تزال التفاصيل خاضعة لقيود مشدَّدة لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ولا يمكن الكشف عن أي معلومات إضافية في الوقت الحالي”. ويتكرَّر هذا الأسلوب بصيغ مختلفة، مثل “حدث صعب في غزة”، والذي يعني أن جنودًا إسرائيليين تعرضوا لكمين، أو استهداف عسكري أوقع خسائر بشرية، لكن لا يُسمح بنشر أية تفاصيل إلا بعد التدقيق الأمني، واتخاذ قرار حول القدر الذي يمكن السماح بنشره من المعلومات. وترى الجهات الرقابية أن نشر هذه المعلومات قد يخدم “أعداء إسرائيل”.
ومن أمثلة هذه القيود، ما نشره موقع “يديعوت أحرونوت”، بتاريخ 8 يناير/كانون الثاني 2025، حول قرار رئيس الأركان الإسرائيلي، هيرتسي هاليفي، بـ”إخفاء هوية أي شخص يُشارك في القتال برتبة عميد أو أقل”، بسبب “محاولة اضطهاد المقاتلين في جميع أنحاء العالم”. كما نشر الموقع ذاته، في 20 يونيو/حزيران 2025، خبرًا بعنوان: “الإضرار بالمتطلبات: سيُطلب من المراسلين الأجانب الموافقة على الحظر المسبق للبث أثناء القتال” جاء فيه أن وزير الأمن الوطني الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، قال: إن “أي فريق اتصال أجنبي يبث من مناطق قتالية أو سقوط صواريخ سيُطلب منه الحصول مسبقًا على موافقة خطية مسبقة من الرقابة العسكرية.. ويمكن للشرطة مصادرة المعدات وحرمان الصحفيين من التغطية، عندما يُعد البث غير المصرح به جريمة جنائية”. وأضاف أن “الفوضى الإعلامية لوسائل الإعلام الأجنبية قد انتهت. لن نسمح لأولئك الذين يخدمون حماس أو حزب الله أو إيران بالبث من داخل أراضي دولة إسرائيل. كل من لا يحترم القواعد الأمنية ستتعامل معه الشرطة الإسرائيلية”. ولم يُعَلِّق الموقع على هذه التصريحات أو ينتقد القرارات وكأنها مسلمات لا تتعارض مع حرية الصحافة والنشر والتعبير.
- التطرف والعنصرية
التطرف والعنصرية ضد العرب ليست ظاهرة جديدة في إسرائيل، ويبدو ذلك من خلال بعض المظاهر الاجتماعية؛ إذ إن بعض الشوارع مخصَّص لليهود الذين يستطيعون المرور دون إيقاف من الحواجز العسكرية، وبعضها الآخر للعرب الذين يتم إيقافهم لساعات على الحواجز العسكرية، أو يُمنعون من المرور من الشوارع المخصصة لليهود. كما تختلف أحكام السجن والعقوبات فيما إذا كان المتهم يهوديًّا أو عربيًّا(35). ولم تكن الأضواء مسلطة على السلوك العنصري، أو التصريحات العنصرية قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ إذ كان التطرف والتفرقة العنصرية تُمارَس دون ضجيج، ودون أن يُولي الإعلام اهتمامًا بها. ولم تكن ضمن توجُّهات السياسيين أو الأحزاب السياسية أو الإعلام الإسرائيلي، ولم تظهر بوضوح في ممارساتهم. أما بعد السابع من أكتوبر، فقد شهدت الساحة الإسرائيلية سلوكيات وتصريحات عنصرية صارخة(36). ومن أبرزها ما ورد على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، وغيره من المسؤولين، من أن الفلسطينيين “حيوانات بشرية”، فضلًا عن التصريحات التي تصدر باستمرار عن الوزيرين المتطرفين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش. وقد فسح الإعلام في المجال للتصريحات المتطرفة والعنصرية، مثل ظهور متحدثين بلهجة عنصرية صريحة عبر وسائل الإعلام المرئية، ودون أي انتقاد لتلك التصريحات؛ ما يوحي بتقبُّلها للتوجهات العنصرية(37).
وقد مثَّلت حادثة معتقل سديه تيمان، حيث مارست قوات الجيش الإسرائيلي اعتداءً جنسيًّا على أحد الأسرى الفلسطينيين، صورة فاضحة وبارزة في التطرف والعنصرية. وقال عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو: “الحادثة في سديه تيمان تسبَّبت في ضرر هائل لصورة دولة إسرائيل وللجيش الإسرائيلي ولجنودنا. ربما هذا الهجوم الإعلامي الأصعب الذي شهدته إسرائيل منذ تأسيسها، لا أذكر شيئًا بهذا التركيز والشدة. هذا يستلزم تحقيقًا مستقلًّا ومحايدًا، وأتوقع أن يتم إجراء تحقيق كهذا كذلك”. وقد اختار موقع “هآرتس”، في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، هذا العنوان لتقرير نشره حول الموضوع: “فيديو سديه تيمان ليس أزمة “هاسبارا” بل حقيقة يُراد طمسها” في نقد لاذع لمعالجة هذه القضية سياسيًّا وإعلاميًّا. وقد برزت عبارة “الهجوم الإعلامي” في تصريح نتنياهو، وتُشير إلى أنه لم يُدِن الحادثة بل ركز حديثه عن النشر الإعلامي لها والضرر الذي أحدثه لصورة إسرائيل على المستوى العالمي. فقد تمت الإشارة فقط إلى توجيه “لائحة اتهام” لعدد من الجنود “بشبهة” الاعتداء الجنسي على أسرى فلسطينيين. ولم يصدر أي ردِّ فعلٍ على مستوى الإعلام، الذي يُمثِّل صدى الرأي العام والمواقف السياسية، لانتقاد هذا الأداء الإعلامي والمواقف السياسية، باستثناء “هآرتس” كما ذُكِر سابقًا. أما القناة الرابعة عشرة فبثَّت فيديو للمجرمين الذين نفَّذوا عملية الاغتصاب وهم يُظْهِرون أنفسهم “ضحايا”، ويعانون من أسلوب التعامل معهم، بوصفهم نفَّذوا مهمات مكلفين بها، فيما يخضعون في الوقت الحالي لتعامل سيء(38).
- الإعلام الإسرائيلي والإبادة الجماعية
هل يمكن اعتبار الإعلام الإسرائيلي شريكًا للمؤسسة السياسية والعسكرية في جرائم الحرب والإبادة الجماعية بحقِّ المدنيين الفلسطينيين في غزة؟ كانت وسائل الإعلام تنقل وبدون أي تحفُّظ أو نقد أو استهجان السياسات الإسرائيلية المخالفة لأبسط قواعد حقوق الإنسان التي نصَّت عليها القوانين الدولية الإنسانية. ويُسْتَثْنَى من ذلك بعض وسائل الإعلام التي ظلت تقليديًّا معارضة للسياسات الإسرائيلية، مثل “هآرتس”(39).
نشر موقع “يديعوت أحرونوت”، في 9 مارس/آذار 2025، تقريرًا حول تزويد الاحتلال الإسرائيلي لغزة بالكهرباء. وأشار إلى أن قرار وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، بوقف تدفُّق الكهرباء إلى غزة هو “جزء من قرار وقف المساعدات الإنسانية لغزة”. ونقل التقرير تصريحًا عن مسؤول إسرائيلي قوله: “إن فصل أنابيب المياه عن غزة مطروح على الطاولة”. ولذلك فإن هذه الإجراءات تُمثِّل -أولًا- عقوبات جماعية ضد المدنيين، وثانيًا: تُستخدم سلاحًا للضغط على المقاومة الفلسطينية، وهي أمور محظورة في القانون الدولي. ولم يُعلِّق الموقع على هذه الانتهاكات وكأنها أمرٌ مشروع ومقبول ولا يمسُّ حياة المدنيين، ولا يُخالف القانون الدولي. وهو ما يمكن وصفه بتواطؤ إعلامي مع الإبادة الجماعية التي ارتكبتها قوات الجيش الإسرائيلي، وبخضوع لسياسة الحكومة.
في المقابل، نشر موقع “هآرتس” تقريرًا بعنوان: “كيف نواصل حياتنا كالمعتاد بينما تحدث في غزة فظائع كهذه؟” ذكر أن الجنود الإسرائيليين قتلوا توأمًا فلسطينيًّا أعمارهما ثلاثة أيام فقط، بينما كان والدهم في طريقه لاستصدار شهادتي ميلاد لهما. وجاءت ردود الفعل لإسرائيليين يهود عبر مواقع التواصل الاجتماعي تنضح بـ”الشماتة والكراهية” وتبرير قتل الطفلين. لقد مثَّلت “هآرتس” الوجه الآخر أو النقيض للإعلام الإسرائيلي الذي تماهى إلى أقصى الحدود مع السياسة الإسرائيلية الرسمية والشعبية؛ إذ تجرَّأت الصحيفة على نقد سياسة الإبادة الجماعية، لكنها واجهت انتقادات من قبل الحكومة وقطاعات أخرى في المجتمع الإسرائيلي(40). ولكن رغم النقد الشديد، وكشف جرائم الجيش الإسرائيلي، وجرأة “هآرتس” التي كانت تسير عكس التيار السائد، فإنها تُقدِّم(41) خدمة كبيرة لإسرائيل؛ إذ توحي بأن هذه الدولة بالفعل ديمقراطية، وتتمتع بهامش واسع لحرية التعبير. ولا يعني ذلك أن النقد الذي تقدَّمت به “هآرتس” زائف أو مفتعل.
- الإعلام الإسرائيلي والبيئة السياسية الخارجية
تراوحت السياسة الإسرائيلية تجاه دول العالم ومواقفها من الحرب على غزة بحسب مواقف تلك الدول وتحركاتها. كما أن الإعلام الإسرائيلي جسَّد مواقف الحكومة من جهة، وعبَّر عن الاتجاه الجمعي الإسرائيلي من جهة أخرى، وهو الاتجاه الذي يتطابق مع مواقف الحكومة فيما يتعلق بالمصلحة القومية.
التعامل بحذر مع الولايات المتحدة
كان الإعلام يتلقى تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المؤيدة لإسرائيل والمتطابقة مع مواقفه، ويُروِّج لها. فقد أطلق ترامب عدة تصريحات، من أهمها -كما نشر موقع “يديعوت أحرونوت”، في 5 فبراير/شباط 2025- ما اقترحه بشأن تهجير سكان غزة إلى دولة ثالثة، حيث عُدَّ الاقتراح من قِبَل المستوطنين واليمين الإسرائيلي “فرصة تاريخية” لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية والتخلُّص نهائيًّا من وجود الشعب الفلسطيني على الأرض الفلسطينية. وقد حظي الاقتراح بدعم وزراء، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش. ونشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه التصريحات، وكأنها احتفالية، لأنها عبَّرت عن الفكرة التي لم يجرؤ الإسرائيليون على النطق بها منذ قيام إسرائيل وحتى إطلاق هذه التصريحات على لسان دونالد ترامب. ورغم أن الرئيس الأميركي تراجع عن هذه التصريحات لاحقًا(42)، إلا أن الإسرائيليين يُردِّدونها من وقت لآخر، بوصفها كسرت “المحرمات” التي كانت سائدة في السابق.
ومن الأمثلة التي ردَّدتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، نقلًا عن الرئيس دونالد ترامب -كما جاء في “تايمز أوف إسرائيل”، بتاريخ 10 فبراير/شباط 2025- عبارة “سيتم فتح أبواب الجحيم على حركة حماس في حال لم تُطْلِق سراح الرهائن”. وردَّد هذه العبارة كذلك مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية؛ إذ نشر ذات الموقع عن بنيامين نتنياهو بعد لقائه بوزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قوله: “لدينا إستراتيجية مشتركة ولا يمكننا دائمًا مشاركة تفاصيلها مع الجمهور، بما في ذلك متى ستُفتح أبواب الجحيم، كما ستُفتح بالتأكيد إذا لم يُطْلَق سراح جميع رهائننا، حتى آخر واحد منهم”.
ولكن الأهم من كل ذلك، هو ترديد عبارات لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وقادة آخرين، مثل: “تمَّ التنسيق مع إدارة ترامب”، “وفق ما أعلن ترامب”، و”إدارة ترامب رحَّبت”… إلخ. هذه العبارات، التي أصبحت مستخدمة في الإطار السياسي وكذلك الإعلامي في إسرائيل، تعكس الضعف الذي يشعر به الإسرائيليون، وحاجتهم باستمرار للغطاء، وكذلك المساعدة الأميركية؛ الأمر الذي يُشير بوضوح إلى الاستقواء بالولايات المتحدة في كل شيء. فقد أدركت إسرائيل أن الأمر الوحيد الذي حال دون انهيارها بعد السابع من أكتوبر هو الدعم الأميركي والغطاء السياسي والعسكري غير المحدود الذي حصلت عليه(43)، وهو ما أثَّر بشكل جذري على الخطاب السياسي والإعلامي.
من المهم أيضًا الإشارة إلى أن أي خلاف بين الطرفين، الإسرائيلي والأميركي، كان يُنْقَل في وسائل الإعلام الإسرائيلية من خلال إبراز المواقف الرسمية التي تؤكد باستمرار على متانة العلاقة بين البلدين، ويتحاشى الإعلام التعقيب على هذا الخلاف، بحيث لا يؤدي النشر إلى المساس بتلك العلاقة(44)، وهو ما تدركه وسائل الإعلام، ومن ثم تعمل وفق هذه المعادلة.
التنديد بالاعتراف بالدولة الفلسطينية والمظاهرات المعادية للحرب
لم يكن الغضب الإسرائيلي من اعتراف عدد كبير من دول العالم -وعلى رأسها الدول المتحالفة معها إستراتيجيًّا، مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا- بالدولة الفلسطينية محصورًا في إطار الطبقة السياسية، بل كان يعكس غضبًا شعبيًّا وإعلاميًّا. فقد أظهر استطلاع للرأي -بحسب ما أوردته صحيفة “معاريف” في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025- أن 17% فقط من المواطنين الإسرائيليين يوافقون على قيام دولة فلسطينية، أي على حلِّ الدولتين. وقد وصف موقع “يديعوت أحرونوت”، في 24 سبتمبر/أيلول 2025، اعتراف عدد كبير من دول العالم بالدولة الفلسطينية بـ”هزيمة دبلوماسية قاسية لإسرائيل”، و”انحدار سياسي غير مسبوق” للدولة العبرية. في حين عدَّت “هآرتس”، في 25 سبتمبر/أيلول 2025، أن هناك رفضًا إسرائيليًّا شبه إجماعي للاعتراف بدولة فلسطين، مؤكدة أن سياسة الحكومة لم تتغير، لكنها على النقيض من اتجاهات غالبية وسائل الإعلام الإسرائيلية، اعتبرت أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد يكون ضرورة لوجود “دولة إسرائيل”.
مارس الإعلام دوره في نقل الانتقادات، والتهجم على الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية؛ إذ نقل موقع “يديعوت أحرونوت”، في 27 يوليو/تموز 2025، تنديد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بفكرة حلِّ الدولتين، وعدَّه “تكريمًا للإرهاب”. كما نقل الموقع موقف الإدارة الأميركية الذي اعتبر أن “الاعتراف خطوة متهورة تدعم خطاب حماس وتُضْعِف الموقف الإسرائيلي”. ولم يتحدث عن وجهة النظر المخالفة التي تقول: إن فكرة حلِّ الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية يُمَثِّل حلًّا جذريًّا للصراع.
وبالرغم من أن خطة دونالد ترامب لوقف الحرب على غزة تضمنت “مسارًا نحو أفق سياسي يفضي إلى حلِّ الدولتين”، فإن موقع “يديعوت أحرونوت” نقل، في 27 سبتمبر/أيلول 2025، عن الحكومة الإسرائيلية رفضها التام لقيام دولة فلسطينية. وقد تعاملت وسائل الإعلام الإسرائيلية بحذر تجاه هذه المسألة؛ إذ نقلت بدقة مواقف الحكومة، ونشر “يديعوت أحرونوت”، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحليلًا صحفيًّا، يتضمن التعامل بحذر مع الموقف الأميركي؛ إذ نَصَّ التقرير على أن “الإعلان الأميركي عن خطة السلام، رغم إشاراته إلى حلِّ الدولتين، لا يعني التزامًا عمليًّا بإنشاء دولة فلسطينية”.
أما فيما يتعلق بالحراك الدولي تجاه غزة، الذي يُندِّد بـ”الإبادة الجماعية” وعمليات القتل والتدمير اليومي بحقِّ الشعب الفلسطيني، وخاصة استهداف الأطفال والنساء والمدنيين، وتدمير البنية التحتية والمدارس والجامعات والمؤسسات الدولية، وتشريد سكان غزة، فقد كان الموقف الإسرائيلي مهاجمًا بعنف لهذا الحراك ومُحَرِّضًا ضده، بما في ذلك الحراك الذي شهدته الولايات المتحدة، والجامعات الأميركية بشكل خاص. ووجدت تلك المواقف صدى في وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ إذ نشر موقع “تايمز أوف إسرائيل”، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تصريحات رسمية لمسؤولين حكوميين إسرائيليين ندَّدوا فيها بالإدانات الدولية لسياسات إسرائيل في الحرب، وأكدوا إصرار الحكومة على موقفها الأمني. ونشر موقع “تايمز أو إسرائيل”، في 26 سبتمبر/أيلول 2025، أيضًا أن احتجاجات خرجت تنديدًا بالحرب على غزة، وأن المتظاهرين هتفوا ضد “ما يُسَمَّى بالإبادة الجماعية في غزة”. أما موقع “هآرتس” فقد غطَّى هذه الاحتجاجات بشكل نقدي؛ إذ تتسبَّب في المزيد من العزلة لإسرائيل على المستوى الدولي.
ولم يُظْهِر الإعلام الإسرائيلي نقدًا لمواقف الحكومة الإسرائيلية من تلك الاحتجاجات، بل إن رفض الحكومة الإسرائيلية، وكذلك قطاعات واسعة من الجمهور لموجات الاحتجاج الدولية على الحرب على غزة، وتحديدًا مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، فضلًا عن تدمير القطاع، والحصار الخانق، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، يُمثِّل للإسرائيليين “مواقف قومية” يكاد يُجْمِع عليها المجتمع الإسرائيلي، والساسة في الحكومة والمعارضة. وربما شكَّل هذا الأمر صدمة لقطاعات شعبية واسعة في الغرب (الحليف التقليدي لإسرائيل)، والذي يتوقَّع ظهور مواقف إنسانية في المجتمع الإسرائيلي ضد قتل الأطفال والنساء وتشريد الأبرياء والمدنيين.
- المستوى المهني للأداء الإعلامي الإسرائيلي
إن تحليل المستوى المهني للأداء الإعلامي الإسرائيلي يتطلب إجراء بحث مستقل يتضمن مستوى أشمل وأعمق من البحث والتحليل. ولكن من المهم الإشارة إلى هذا الجانب في سياق معالجة تأثير البيئة السياسية على المعالجة الإعلامية للحرب على غزة. وحتى يكون التحليل دقيقًا وموضوعيًّا، فإن فحص تفاصيل صياغة الأخبار والتقارير في الإعلام الإسرائيلي، مثل “يديعوت أحرونوت”، يُشير إلى سمة التطرف والعنصرية والتحريض، التي تظهر بشكل واضح أحيانًا، وبشكل ضمني أحيانًا أخرى. وبالرغم من أن الصحيفة غير مُصَنَّفَة يمينيًّا، إلا أن موشيه نايجر (Moshe Neiger)(45) عدَّها ذات اتجاه وطني متحيِّز نسبيًّا نحو الخطاب الرسمي الإسرائيلي؛ الأمر الذي يُمثِّل عملية إقصاء واضحة للسردية الفلسطينية في الصراع. وتَبْرُز في التغطية الإعلامية الإسرائيلية سمة التبرير؛ إذ تُقَدِّم الأسباب وتوضح السياقات والملابسات بشكل يعكس الرواية الإسرائيلية.
وذكرت “يديعوت أحرونوت”، في 9 مارس/آذار 2025، أن حركة حماس تستفيد من الإمدادات الكهربائية، وأن استمرار إمداد غزة بالطاقة الكهربائية هو بسبب الضغط الذي تُمارِسه الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ومن المهم أيضًا الإشارة هنا إلى أن الرواية الرسمية التي تبثُّها إسرائيل حول عملياتها وسياساتها لا تخضع للتحقُّق، بل يَعُدُّها الإعلام الإسرائيلي مسلَّمات وحقائق مطلقة. وفي حال ظهر دليل على عدم صحة الرواية الإسرائيلية تعلن الحكومة أو الجهة المختصة فتح تحقيق في القضية؛ الأمر الذي يجد صدى في وسائل الإعلام. ولكن نتائج هذا التحقيق -فيما لو أُعْلِن عنها- لا تجد نفس الاهتمام لدى الإعلام. مثال ذلك، ما نشره موقع “تايمز أوف إسرائيل”، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حول قيام قوات الجيش الإسرائيلي بقتل شابين في جنين يُشْتَبَه فيهما بـ”الإرهاب” أثناء تبادل إطلاق النار. ونشر الموقع ذاته، في 27 ديسمبر/كانون 2025 -بعد انتشار فيديو يُظْهِر أن القتل تمَّ “بدم بارد” عقب استسلام الشابين- أن سلطات الاحتلال فتحت تحقيقًا حول قيام ضابط بإطلاق النار على فلسطينيين مشتبهين بالإرهاب بعد استسلامهما ورفع أيديهما “ما أدى إلى مقتلهما؛ حيث وقع الحادث خلال عملية لمكافحة الإرهاب في مدينة جنين في الضفة الغربية”.
ويبدو واضحًا، من خلال هذه النماذج، أن الإعلام الإسرائيلي رغم محاولاته التعامل بمهنية مع أحداث الحرب وتطوراتها، استنادًا إلى المصادر الرسمية، فإن اللامهنية في الأداء تبدو واضحة في السياق. فكما يظهر من المثال الأخير أن المصدر نفسه غير موثوق، فضلًا عن أن الإعلام يُرَدِّد المبررات التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في انتهاكاته لحقوق الإنسان، وتغليفه لعملية قتل شابين غير مسلحين -ومن دون أن يُشكِّلا خطرًا على الجنود، وبدمٍ بارد- بغلاف “الاشتباه فيهما بالإرهاب”.
خاتمة
يبدو من خلال تحليل إستراتيجيات الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في تَمْثِيل صورة الذات الإسرائيلية والفلسطينية أن هناك تأثيرًا واضحًا للبيئة السياسية في الأداء الإعلامي الإسرائيلي بشكل عام، بل إن الإعلام هو جزء لا يتجزأ من بيئته السياسية والاجتماعية. فجدلية تأثير البيئة السياسية في الإعلام، وتأثير الإعلام في السياسة، يؤكدان العلاقة الارتباطية بينهما ولا ينفيان مفهوم “سلطة الخطاب” الذي يُعطِي القادة والزعماء القدرة على التحكُّم في المعلومات، وعلى توجيه الأداء الإعلامي. ومن أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة في ضوء هذه العلاقة:
– الإعلام الإسرائيلي يتأثر بالبيئة السياسية الداخلية والخارجية. وتتمثَّل البيئة الداخلية في سياسات الحكومة والمعارضة، والتوجهات السياسية العامة في البلاد. فيما تتمثَّل البيئة السياسية الخارجية في مواقف الدول الغربية على وجه الخصوص، وهي الدول الحليفة لإسرائيل. وتُعَد الولايات المتحدة على رأس قائمة الدول المؤثرة في السياسة الخارجية.
– يوجد انسجام كبير بين توجهات الجمهور وتوجهات الحكومة، وإلى حدٍّ كبير توجهات المعارضة الإسرائيلية نحو قضية الصراع مع الفلسطينيين. ويقف الإعلام موقفًا منسجمًا مع هذه المواقف، باستثناء بعض الأصوات المعارضة، مثل “هآرتس”. وينعكس ذلك على الأداء الإعلامي ومعالجة القضايا المختلفة.
– على صعيد السياسة الداخلية، تتحكَّم الحكومة في الإعلام بشكل مباشر وواضح، من خلال التحكُّم في نشر المعلومات، وفرض الرقابة على الإعلام فيما يخص الجانب السياسي والجانب الأمني والعسكري. وتتفهم وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا الأمر، مع وجود تسريبات أحيانًا للأخبار؛ الأمر الذي لا تستطيع الحكومة منعه.
– نزعة التطرف في خطاب السلطة، وكذلك في اتجاهات المجتمع، تؤثر في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تتعامل مع الجانب الفلسطيني بأسلوب متطرف، وتُمارِس التمييز العنصري فيما يتعلق بحقوق الإنسان الفلسطيني.
– يتماهى الإعلام الإسرائيلي في قضية الإبادة الجماعية مع خطاب الحكومة والمزاج الشعبي. فبالرغم من أن معظم دول العالم، فضلًا عن محكمة الجنايات الدولية، اعتبرت أن الحرب على غزة وممارسات الاحتلال الإسرائيلي ترقى إلى جرائم حرب، إلا أن الإعلام الإسرائيلي لم يتطرق إلى هذه القضية، بل نقل أخبار قطع الكهرباء والماء والغذاء عن غزة دون الإشارة إلى أنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وجريمة ضد المدنيين وشكلٌ من أشكال الإبادة الجماعية.
– فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، كان الإعلام الإسرائيلي ينسجم مع سياسة الحكومة إزاء مواقف الإدارة الأميركية من الصراع. ويسعى إلى عرض القضايا بأسلوب يحافظ على العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة. فقد أثبتت الحرب على غزة أن وجود إسرائيل يتركز على الدعم والمساعدات الأميركية والغطاء السياسي. ولذلك يجب أن تتجنَّب إثارة الخلافات مع الإدارة الأميركية.
– التزم الإعلام الإسرائيلي بالرواية الرسمية للحكومة، وسوَّق للروايات التي تُبَرِّر الإجراءات التي تقوم بها الحكومة والجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، مع استثناء صحيفة “هآرتس” التي تجهر بالنقد والمعارضة لسياسات الحكومة الإسرائيلية.
المراجع
(1) أحمد أبو راشد، “دور وسائل الإعلام في الحياة السياسية للمجتمع”، فيسبوك، 8 يونيو/حزيران 2025، (تاريخ الدخول: 10 يونيو/حزيران 2025)، https://ln.run/LpyTS.
(2) المرجع السابق.
(3) Pamela Shoemaker, Timothy Vos, Gatekeeping theory, (New York: Routledge. (2009), “accessed September 8, 2025”. https://tinyurl.com/3jhdwwpd.
(4) Marju Himma-Kadakas, Signe Ivask, “Journalists under attack: Self-censorship as an unperceived method for avoiding hostility,” Central European Journal of Communication, Vol. 3, Issue. 32, (2023): 359–378.
(5) Fathali Moghaddam, The psychology of dictatorship, (American Psychological Association, 2019), “accessed September 8, 2025”. https://tinyurl.com/bdec9rm3.
(6) “Yedioth Ahronoth,” Reference.org, “accessed September 8, 2025”. https://tinyurl.com/3tb27u9c.
(7) سيلفان سيبيل، “هآرتس”: آخر أقطاب المعارضة في المجتمع اليهودي الإسرائيلي”، orientxxi، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 8 سبتمبر/أيلول 2025)، https://orientxxi.info/article5995.
(8) Michael Madar et al., “Foreign Anti-Mainstream Propaganda and Democratic Publics, Comparative Political Studies, Vol. 55, Issue. 10, (2022): 1732-1764.
(9) Kurt Lewin, “Frontiers in Group Dynamics: Concept, Method and Reality in Social Science; Social Equilibria and Social Change,” Human Relations, Vol. 1, Issue. 1, (1947): 12, 38-39.
(10) “Psychology and Media: Understanding the Gatekeeping Hypothesis in Media,” PubAdmin Institute, December 1, 2023, “accessed October 15, 2025”. https://tinyurl.com/yz4wa6uz.
(11) Alan Dershowitz, Defending Israel: Against Hamas and its Radical Left Enablers was published in the United States, (New York, Skyhorse Publishing, 2023), 17.
(12) Norman Finkelstein, The Holocaust industry: Reflections on the exploitation of Jewish suffering, 2nd ed. (New York, Verso Books, 2003), 38.
– Shira Klein, “The growing rift between Holocaust scholars over Israel/Palestine,” Journal of Genocide Research, Vol. 28, Issue 1, (2026): 179-199.
(13) Benjamin Miller, “Israel’s post-October 7 wars and the international order,” Institute for National Security Studies, Vol. 28, Issue. 1, (February 2025), “accessed October 15, 2025”. https://tinyurl.com/5ezvtefs.
(14) “Patterns of harm analysis: Gaza, October 2023,”, airwars.org, December 2024, “accessed October 15, 2025”. https://tinyurl.com/yd8nekvw.
(15) “World Report 2025: Israel and Palestine: Events of 2024,” hrw.org, 2025, “accessed October 15, 2025”. https://tinyurl.com/szythbt5.
(16) “Humanitarian situation update #337: West Bank,” ochaopt.org, November 6, 2025, “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/3erhvjtu.
(17) Alan Waring, “The “Greater Israel” Plan Has a Colossal Reach,” fairobserver.com, December 19, 2024, “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/3nj3aj6m.
(18) “One year after the October 7 attacks: The impact on four fronts,” cfr.org, October 2, 2024, “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/54hcudsn.
(19) “World Report 2025: Israel and Palestine: Events of 2024,” op, cit.
(20) “Global threats to freedom of expression arising from the conflict in Gaza-Report of the Special Rapporteur on the promotion and protection of the right to freedom of opinion and expression, Irene Khan (A/79/319),” un.org, August 23, 2024, “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/ycykhy6b.
(21) “Writer Adam Shatz on how Oct. 7 & Israel’s brutality in Gaza reshaped the world,” democracynow.org, July 17, 2025, “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/nawn629b.
(22) Cyrus Moulton, “Pro-Palestinian posts on TikTok continue to vastly outnumber pro-Israel posts,” northeastern.edu, October 10, 2025. “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/4waw7cvc.
(23) Aviel Schneider, “Tachles with Aviel – Patience with Israel is blowing away in the wind,” israeltoday.co.il, December 20, 2023, “accessed November 15, 2025”. https://tinyurl.com/4tur97br.
(24) Gadi Wolfsfeld, Media and the path to peace, (Cambridge University Press, 2004), 45.
(25) Mahmoud Alhirthani, “Media Coverage of Human Rights in Palestine, Case Study: Israel’s War on Gaza 2023–24.” Journal of Arab & Muslim Media Research, Vol. 18, No. 1, (2025): 83–100.
(26) Jie Wang, “The mutual influence between politics and media: Advances in Educational,” Humanities, and Social Science Research, Vol. 3, Issue. 1, (2023): 1–5.
(27) توين فان ديك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 22، 51-52.
(28) Laura Albast, Silencing and Censorship: Israel’s Dual Media Bans on Foreign Press,” palestine-studies.org, January 7, 2026, “accessed January 8, 2026”. https://tinyurl.com/4buwcn9p.
(29) “الحكومة الإسرائيلية تقر بالإجماع فرض عقوبات على صحيفة “هآرتس” بسبب انتقاداتها للحرب في غزة”، arabic.cnn.com، 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، (تاريخ الدخول: 25 ديسمبر/كانون الأول 2025)، https://tinyurl.com/yztc7uxp.
(30) نظير مجلي، “مندوب في كل صحيفة.. كيف تراقب إسرائيل الإعلام خلال الحرب؟”، الشرق الأوسط، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2024، (تاريخ الدخول: 18 سبتمبر/أيلول 2025)، https://ln.run/IQDit.
(31) “Israel/Occupied Palestinian Territory: ‘You Feel Like You Are Subhuman’: Israel’s Genocide Against Palestinians in Gaza,” December 5, 2024. amnesty.org, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/mr35kkx2.
(32) Gershom Gorenberg, “The two extremists driving Israel’s policy, theatlantic.com, May 30, 2025, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/yfv4p8cp.
(33) “UN report: Palestinian detainees held arbitrarily and secretly, subjected to torture and mistreatment,” ohchr.org, July 31, 2024, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/cuh3s5wx.
(34) Haggai Matar, “Breaking new records, Israel sees unprecedented spike in media censorship,” 972mag.com, May 2, 2025, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/2kta6nk8.
(35) “World Report 2025: Israel and Palestine: Events of 2024,” op, cit.
(36) Klein, “The growing rift between Holocaust scholars over Israel/Palestine,”: 179-199.
(37) “Israel/Occupied Palestinian Territory: ‘You Feel Like You Are Subhuman’: Israel’s Genocide Against Palestinians in Gaza,” op, cit.
(38) Nada Elia, “The Israel exemption,” Journal of Palestine Studies, Vol. 54, Issue. 2, (July 11, 2025): 66–74.
(39) Oren Tausig, “The Israeli press and the delegitimization of the occupation: The case of Haaretz,” Journalism, Vol. 22, Issue. 8, (2021): 1987–2004.
(41) Jason Burke, “Israeli government orders officials to boycott left-leaning paper Haaretz,” November 24, 2024, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/4jxtj7mz.
(41) Yoram Peri, “The Israeli media: Between national security and democracy,” Israel Studies, Vol. 17, Issue. 3, (2012): 1–23.
– Tausig, “The Israeli press and the delegitimization of the occupation: The case of Haaretz,”: 1987–2004.
(42) “Trump Appears to Back Away from His Gaza Plan,” nytimes.com, February 21, 2025, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/36pzhuww.
(43) Miller, “Israel’s post-October 7 wars and the international order,” Institute for National Security Studies, Vol. 28, Issue. 1, (February 2025), “accessed October 15, 2025”. https://tinyurl.com/5ezvtefs.
(44) Neslihan Mehamli, “The Role of Media in the Strengthening of Israeli-American Relations During Trump’s Presidency,” La Revue de la Communication et du Journalism, Vol. 12, Issue. 2, (2025): 98-111.
(45) Moshe Neiger, Israel’s media landscape: Democratic practice, constrained environment, in The Palgrave International Handbook of Israel, ed. Pratap Kumaraswamy, (London: Springer Nature, 2025), 1–19.