ملخص:
يتناول هذا التحليل النقدي كتاب باسكال بونيفاس “ترخيص بالقتل-غزة: إبادة جماعية، إنكار وهسبارا”، الذي يسعى إلى تفكيك الآليات السياسية والإعلامية والقانونية المنتجة لـ”ترخيص ضمني” يمنح إسرائيل الإفلات من العقاب في حربها على غزة. يعتمد الكتاب على ثلاث ركائز: الإفلات الدبلوماسي (عبر الفيتو الأميركي)، والإفلات الإعلامي (عبر إستراتيجية “الهسبارا”)، والإفلات المعياري (عبر تطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي). ورغم قوة أطروحته في فضح التناقض الأخلاقي الغربي (يبكي أوكرانيا ويتجاهل غزة)، وصياغة مفاهيم تحليلية مؤثرة، إلا أن الكتاب يُعاني بعض الثغرات الإبستمولوجية مثل غياب التحليل الاقتصادي-السياسي، وإهمال الجيوسياسية الإقليمية. ويخلص التحليل إلى أن الكتاب ينجح في طرح السؤال الوجودي الأعمق حول انهيار الضمير الإنساني، ويبقى أداةً فكرية ضرورية في زمن التطبيع مع الإبادة.
كلمات مفتاحية: ترخيص بالقتل، هسبارا، إفلات من العقاب، فلسفة العنف، نفاق غربي، غزة.
Abstract:
This critical analysis examines Pascal Boniface’s Permis de tuer. Gaza: génocide, négationnisme et hasbara, which seeks to deconstruct the political, media and legal mechanisms producing an ‘implicit license’ granting Israel impunity in its war on Gaza. The book rests on three pillars: diplomatic impunity (via the US veto), media impunity (via the “Hasbara” strategy) and normative impunity (via selective application of international law). Despite its strength in exposing Western moral contradictions (such as mourning Ukraine while ignoring Gaza) and formulating influential analytical concepts, the book suffers from certain epistemological gaps, such as the absence of political-economic analysis and the neglect of regional geopolitics. The analysis concludes that the book succeeds in raising the deeper existential question about the collapse of human conscience, and remains an essential intellectual tool in an era of the normalisation of genocide.
Keywords: License to Kill, Hasbara, Impunity, Philosophy of Violence, Western Hypocrisy, Gaza.
بطاقة تعريفية بالكتاب
ترخيص بالقتل. غزة: إبادة جماعية، إنكار وهسبارا
Permis de tuer. Gaza: génocide, négationnisme et hasbara
المؤلِّف: باسكال بونيفاس (Pascal Boniface)
دار النشر: ماكس ميلو (Max Milo)
عدد الصفحات: 283
تاريخ النشر: 2025
الطبعة: الأولى
اللغة: الفرنسية
تمهيد
لا يندرج كتاب: “ترخيص بالقتل. غزة: إبادة جماعية، إنكار وهسبارا”، للباحث الفرنسي المتخصص في الجيوبوليتيك، باسكال بونيفاس(1)، في خانة الكتابة الأكاديمية المحايدة فحسب، بل هو محاولة جريئة لتفكيك ما يراه الكاتب نسقًا معرفيًّا وسياسيًّا متكاملًا يُنْتِج “ترخيصًا ضمنيًّا” لممارسة العنف الاستثنائي. يقع الكتاب في تقاطعٍ جيوسياسيٍّ حادٍّ بين فلسفة الأخلاق ونقد الخطاب الإعلامي ونظرية العلاقات الدولية النقدية. وتنبع قيمته من كونه محاولة لقراءة الواقع نسقًا من التبريرات والتضفير المعرفي الذي يُحوِّل القوة الغاشمة إلى فعل مشروع، والإفلات من العقاب إلى بنية نظامية.
ويبقى السؤال المركزي هنا متجاوزًا بذلك تقديم الكتاب وتقييمه، هو: كيف يمكن لعالمٍ تُهَيْمِن عليه السلطة والمعرفة والأنظمة الإعلامية أن يخلق “اللامفكَّر فيه” ويجعله سياقًا طبيعيًّا وبديهيًّا للصراع؟ وكيف تُصبح الفظائع أمرًا عاديًّا، والموت الجماعي رقمًا في نشرات الأخبار، والإبادة “خيارًا إستراتيجيًّا”؟ وكيف يُمارَس العنف تحت غطاء “الدفاع عن النفس”، وتُقَدَّم الإبادة باسم “الحضارة”؟ هذه الأسئلة الوجودية والأخلاقية هي ما يُحاول بونيفاس الاقتراب منها، وإِنْ كان بوسائل لا تخلو من بعض الإشكالات المنهجية. فهو يسأل، في العمق: كيف يمكن لدولة ديمقراطية حديثة، تنتسب إلى القيم الغربية للتنوير (أو على الأقل هكذا تبدو مكانة إسرائيل في المخيال السياسي الغربي)، أن تُمارِس ما تُمارِسُه دون أن تَفْقِد شرعيتها في عيون رعاياها وحلفائها؟ الجواب، من وجهة نظره، يكمن في قدرة هذا النظام على إنتاج “ترخيص” أخلاقي ومعرفي مسبق. وستسعى الورقة لتفكيك هذه المعضلة عبر ثلاثة محاور كبرى:
الأول: تحليل الأطروحة المركزية وغاياتها الأنطولوجية والغائية، مع محاولة تفكيك مفهوم “الترخيص بالقتل” باعتباره بنيةً متعاليةً وليس مجرد غياب للعقاب.
الثاني: نقد البنية الحجاجية والمنهجية، وفحص نسقية الأدلة التي يعتمد عليها بونيفاس، وصولًا إلى تقييم إبستمولوجي لمصداقية المنهج وحدوده.
الثالث: كشف بعض الثغرات المعرفية والجيوسياسية والتاريخية في التحليل، ثم فتح آفاق جديدة للتفكير النقدي في علاقة الإعلام بالسلطة، وفي آليات إنتاج مفاهيم مثل “الضحية المؤهلة” و”الجلاد المشروع”، ومحاولة تجاوز ثنائية “ضد/مع” نحو تفكيك أوسع.
- الأطروحة والغاية: في تفكيك “الترخيص” بِنْيةً متعالية
قبل الخوض في تفصيل الأطروحة المركزية للكتاب، تجدر الإشارة إلى السياق الذي يضع فيه بونيفاس تحليله؛ فـ”الترخيص بالقتل”، بالإضافة إلى وصفه للأحداث، يتبنَّى أداة مفاهيمية تهدف إلى كشف البنى الأخلاقية والمعرفية التي تسمح باستمرار العنف وتقديمه أمرًا طبيعيًّا أو مشروعًا. من خلال هذا الإطار، يسعى الكتاب إلى تحليل الصمت الدولي، والتضليل الإعلامي، والإفلات القانوني والسياسي، لفهم هذه الظاهرة أولًا، ثم لتحديد أبعادها الوجودية والأخلاقية، وإبراز مسؤولية المثقف شاهدًا وفاعلًا في مواجهة الانتهاكات المستمرة للضمير الإنساني.
1.1. الترخيص بالقتل: ميتافيزيقا القوة
تتمثَّل الأطروحة المركزية التي يَبْنِي عليها بونيفاس صرح كتابه: “ترخيص بالقتل” في أن العنف الإسرائيلي في غزة لا يعمل في فراغ أخلاقي أو قانوني بل في فضاء مشحون بـ”تصريح ضمني” بالقتل والإفناء. هذا “الترخيص” ليس مجرد غياب للعقاب -وهو ما يُعَرِّفُه الفقه القانوني بـ”الإفلات من العقاب”- بل هو بنية فعَّالة وإيجابية تنتج المعرفة، وتُشَكِّل الضمير العام، وتُعِيد تعريف حدود الأخلاقي وغير الأخلاقي. بونيفاس هنا لا يتحدث عن “إباحة” قانونية مباشرة (فالقانون الدولي، نظريًّا، يحظر ما يحدث) بل عن نظام خطابي يجعل العنف الإسرائيلي يبدو دفاعيًّا ومتناسبًا بل وضروريًّا بينما يُقْرَأ العنف الفلسطيني برمَّته بوصفه “إرهابًا عبثيًّا وغير عقلاني”. وفي هذا السياق يعود إلى ما أكده الفيلسوف والإعلامي الشهير، برنار هنري ليفي (Bernard-Henri Lévy)، الذي كتب عن ضرورة إلغاء المحكمة الجنائية الدولية؛ لأنها “تُشَوِّه القانون الدولي” حسب رأيه، ويُضيف بونيفاس مُتَهَكِّمًا: “بالنسبة لبرنار هنري ليفي إذا كانت إسرائيل تنتهك القانون، فعلينا تغيير القانون”. وهو نفس التوجه لدى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أصدر أمرًا تنفيذيًّا، في 6 فبراير/شباط 2025، يسمح بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وحظر دخول مسؤولين وموظفين في المحكمة بسبب اتخاذهم إجراءات قضائية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي المقابل، كل ما تقوم به حماس يُعَدُّ جرائم حرب(2).
يمكننا قراءة “الترخيص” عند بونيفاس، في ضوء فلسفة ميشيل فوكو (Michel Foucault)، بأنه ليس مجرد منع أو إذن بل هو أحد “تقنيات السلطة متعددة الأشكال”(3)؛ لأنه جهاز خطابي ومؤسساتي يُنْتِج “حقيقة” معينة عن الصراع، ويُصَنِّف الأطراف في خانتي “الضحية الشرعية” و”الإرهابي غير العقلاني”، ويُمارِس سلطة معرفية تجعل من الصعب، بل من “غير اللائق” أخلاقيًّا، انتقاد الطرف الأول. هذا “الترخيص” يعمل بشكل أفضل عندما لا يُذْكَر، عندما يُصبح حدسًا أخلاقيًّا تلقائيًّا، وعندما يُصبح الحديث عن “حقِّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وكأنه قانون طبيعي، بينما يُعَد أي حديث عن “حقِّ الفلسطيني في المقاومة” خرقًا للقانون الأخلاقي العالمي. ويطرح بونيفاس ثلاث ركائز لهذا “الترخيص”، وهي تُشَكِّل معًا ما يمكن تسميته “الحلقة الميتافيزيقية للإفلات”.
أولًا: الإفلات السياسي والدبلوماسي (أو الاستثناء السيادي). وهنا، يتمتع الفاعل الإسرائيلي بغطاء سياسي (خاصة عبر الفيتو الأميركي في مجلس الأمن) يُحوِّله إلى “استثناء سيادي” في نظام دولي يُفترض فيه عالمية القانون(4). هذا الإفلات ليس مجرد ثغرة أو خَلَل في النظام، بل هو عنصر تأسيسي في بنية النظام الدولي نفسه. فالدول العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تُمارِس سياسة المعايير المزدوجة: قانون دولي للضعفاء أو الأعداء وإفلات للأقوياء والحلفاء، وما الفيتو الأميركي إلا إعلان صريح بأن إسرائيل “فوق القانون”، أو بتعبير كارل شميت (Carl Schmitt)، إنها صاحبة السيادة التي تُقَرِّر متى يتم تطبيق القانون ومتى يتم تعليقه(5). يخلق هذا الإفلات الدبلوماسي بيئة من “الإفلات البنيوي”؛ إذ تُصبح إسرائيل واثقة من عدم وجود عقاب؛ مما يُشَجِّعُها على المزيد من العنف.
ثانيًا: الإفلات الإعلامي (أو إنتاج الحقيقة). وفي هذا السياق، تُنْتِج خطابات “الهسبارا”(6) واقعًا افتراضيًّا تُصبح فيه الضحية جلادًا، ويختفي فيه سياق الاحتلال (وهو سبب جذري للعنف) ليَحلَّ مَحلَّه سرد “الصراع الأبدي” بين “شعب الأنوار] اليهود[” و”شعب الظلمات] الفلسطينيين[” بين “الحضارة” و”الهمجية”(7). ويُحَلِّل بونيفاس آليات هذا الإفلات على مستوى الآليات الدقيقة للخطاب الإعلامي: اختيار الكلمات (“مقاتل” مقابل “إرهابي”، “قتيل مدني” مقابل “شهيد”)، وتضخيم المعاناة الإسرائيلية وتهوين المعاناة الفلسطينية (الأرقام “مبالغ فيها”، والضحايا “أدوات دعائية”)(8)، ومن ثم إعادة إنتاج الصور النمطية عن العربي “العدواني” واليهودي “الضحية الأبدية”. هذا الإفلات الإعلامي ليس مجرد تحيُّز بل هو “إبستمولوجيا استعمارية”: أي طريقة في المعرفة تُنْتِج الحقائق وتُصَنِّف البشر، وتجعل بعض الأرواح “قابلة للبكاء” وأخرى “غير قابلة للبكاء” بمفهوم جوديث بتلر ( Judith Butler)(9).
ثالثًا: الإفلات المعياري (القانوني أو أخلاق القانون). وهنا، يُطبَّق القانون الدولي بشكل انتقائي لدرجة أن “نِيَّة” الإبادة تُصبح مستحيلة الإثبات في سياق الإبادة الجماعية المعلنة، بينما تكون حاضرة دائمًا وفي كل مكان في تهميش الفلسطيني وتجريم مقاومته. بونيفاس يُظْهِر كيف أن المؤسسات القانونية الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، تُعاني من شَلَلٍ هيكليٍّ عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، بسبب الضغوط السياسية والتهديدات المباشرة (مثل تهديد مسؤولين أميركيين وإسرائيليين للمحكمة)(10)، وكأننا في حالة “ما بعد القانون”؛ إذ تُصبح القوة هي القانون الوحيد، ولكن مع استمرار استخدام الخطاب القانوني غطاءً أخلاقيًّا. هذا هو التناقض الأعمق: القوة تَسْتَخْدِم القانون عندما ينفعها، وتَتَجَاهَلُه عندما يَضُرُّها، ولكنها في كلتا الحالتين تزعم أنها “دولة قانون”، بل هي أيضًا امتداد للغرب “المخترِع والمطبِّق” لمبادئ القانون الدولي. وهذا الإفلات المعياري هو ما يُنْتِج “فجوة الإفلات”: فجوة بين ما يقوله القانون وما يحدث على الأرض، وهذه الفجوة تُمثِّل بالضبط مساحة عمل “الترخيص بالقتل” التي تنعم بها إسرائيل.
هذه الركائز الثلاث لا تعمل بمعزل عن بعضها؛ بل تُشَكِّل حلقة مفرغة من التبرير والتأكيد الذاتي: الإفلات الدبلوماسي يسمح باستمرار العنف وتوسيعه، والإفلات الإعلامي يمنع تشكيل رأي عام قادر على التأثير في السياسات، والإفلات القانوني يُعَطِّل أي مساءلة قضائية؛ مما يُعَزِّز ثقة الدولة في استمرار الإفلات؛ إذ يُصبح ما هو غير قانوني وغير أخلاقي أمرًا عاديًا، مقبولًا، بل محتومًا وحتميًّا. وهذا النوع من التطبيع هو أخطر نتائج “الترخيص”؛ لأنه يُحْدِث تغييرًا في البوصلة الأخلاقية الجماعية.
1.2. غائية النص من الوصف إلى الأخلاق
يكشف بونيفاس عن ضرورة تَحَوُّل جذري في منهجية المثقف الغربي: خروجه من عباءة “العالم المحايد” أو “المراقب الموضوعي” التي تفرضها العلاقات الدولية الكلاسيكية (بنزعتها الوضعية)، إلى فضاء “المثقف العضوي” بالمفهوم الغرامشي، أو “المثقف الشاهد” بالمفهوم الأدبي. ويعلن ذلك بصراحة غير معتادة في حقل العلاقات الدولية: “لن أصمت”(11). هذا التصريح ليس مجرد انفعال عاطفي أو نزوة شخصية بل هو بيان منهجي وإعلان أن الحياد المعرفي في وجه الشر التاريخي المتواصل ليس مستحيلًا فقط (وهو نقاش قديم في العلوم الاجتماعية)، لكنه شكل من أشكال التواطؤ.
لهذا يظل هدف الكتاب ليس فقط فهم العالم، وهو الهدف الكلاسيكي للعلوم الاجتماعية، بل تغييره من خلال كسر جدار “الصمت المُنَظَّم”. هذا الهدف يمنح النص طابعًا وجوديًّا؛ إذ يُمثِّل صرخة ضد ما يَعُدُّه “فشلًا أخلاقيًّا جماعيًّا” للإنسانية، يشمل فشل إسرائيل والمجتمع الدولي والنخب الفكرية والإعلامية الغربية على حدٍّ سواء. إذ يُوجِّه بونيفاس انتقاده الصريح إلى ثلاث جهات مترابطة:
أولًا: النخب السياسية المتواطئة بصمتها ودعمها المطلق، التي تستنكر الحرب في أوكرانيا بوصفها خرقًا للقانون الدولي بينما تُصَفِّق لحرب غزة تحت شعار “الحق في الدفاع عن النفس”(12)، وهو التناقض الذي يُشَكِّل قلب الأطروحة.
ثانيًا: الإعلام الذي يُمارِس “التضليل المُنَظَّم” أو “الهسبارا” كنظام متكامل، وليس مجرد أخطاء عابرة؛ إذ يُقَدِّم الرواية من زاوية واحدة، ويُغَيِّب السياق، ويُجَرِّم الضحية، كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقًا.
ثالثًا: المثقفون والأكاديميون الذين يخافون من “عاصفة نارية” واتهامات معاداة السامية، فيختارون الصمت حفاظًا على مواقعهم أو لتجنُّب المشاكل، رغم معرفتهم بالحقائق، باستثناء بعض المثقفين، مثل آلان غريش (Alain Gresh)، ودومينيك فيدال (Dominique Vidal)، وروني برومان (Rony Brauman)، الذين لا تستضيفهم القنوات التليفزيونية والمحطات الإذاعية رغم تخصصهم في مسألة الشرق الأوسط(13).
من ناحية أخرى، ومن حيث غايته، فإن الكتاب يحمل أبعادًا أربعة تجعل من قراءته تجربة مركبة: فهناك البُعْد التحليلي، الذي يكشف آليات إنتاج الترخيص “بالقتل” ويُخْضِعُها للتشريح المنهجي، وثمة البُعْد التربوي، الذي يَبْنِي جسرًا معرفيًّا بين المواطن العادي وتعقيدات التضليل الإعلامي والضغط السياسي. وهناك البُعْد الجدلي الصراعي، الذي يُهاجم بنية “الإنكار الموسع” ويخوض سجالًا مباشرًا مع الخصوم، أما البُعْد الأخلاقي الوجودي، فهو يُحَوِّل القراءة إلى موقف ويجعل من المستحيل البقاء متفرجًا، واضعًا القارئ أمام مسؤوليته الأخلاقية. وهذا الجانب الأخير هو ما يُثير الجدل الفلسفي الأعمق حول الكتاب: هل يمكن للمحلِّل السياسي أن يكون “ملتزمًا” بهذه الدرجة دون أن يَفْقِد “موضوعيته” أم أن “الحياد” هنا، كما يقترح بونيفاس ضمنيًّا، هو شكل من أشكال التواطؤ مع الجلاد؟ والكتاب يتبنَّى بقوة الخيار الثاني، بمعنى أن عدم الاختيار في هذا السياق هو اختيار لدعم الوضع القائم، وهو بالضرورة لصالح المعتدي المتفوق عسكريًّا.
1.3. الجينيالوجيا الفكرية: نقد الميتا-سردية
لا يصدر طرح بونيفاس من فراغ فكري أو تاريخي. فهو يقع في مفترق طرق مركَّب يجمع بين أربعة تيارات كبرى من النقد الغربي المعاصر. وسيُساعد فهم هذه الجينيالوجيا على تقدير عمق الكتاب وحدوده في نفس الوقت.
أولًا: مع نعوم تشومسكي- نقد “المثلث المشؤوم” وتحديثه: يمكن القول: إن بونيفاس يستعير من تشومسكي النقد البنيوي لدور الإعلام والجامعة والمؤسسات الفكرية في خدمة القوة. فقد أظهر تشومسكي كيف تعمل آليات “صناعة الموافقة”(14) في المجتمعات الديمقراطية لخدمة أهداف الدولة، ليس بالقمع المباشر بل عبر الإقصاء اللطيف للآراء المخالفة(15). ويقوم بونيفاس بتحديث هذا التحليل ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي والحرب الرقمية الحديثة، حيث لم تَعُد “صناعة الموافقة” تتم في غرف التحرير فقط بل من خلال خوارزميات “تيك توك” و”فيسبوك”. لكنه يبتعد عن المادية اللسانية التشومسكية، التي ترى أن بنية اللغة تُحَدِّد الفكر ليَتَّجِه إلى التحليل الثقافي الأوسع كما رأينا.
ثانيًا: مع ميشيل فوكو- السلطة والمعرفة والخطاب: وهي الجينيالوجيا الفلسفية الأكثر عمقًا وحضورًا في الكتاب، وإِنْ كان ضمنيًّا؛ إذ يُطَبِّق بونيفاس نظرية فوكو في “السلطة/المعرفة” على حالة غزة. فـ”الهسبارا” ليست مجرد دعاية بل “خطاب” بالمعنى الفوكوي: أي نظام من العبارات والممارسات والمؤسسات الذي يُنْتِج “الحقيقة” ويُنَظِّم ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. فمن يمتلك القدرة على تسمية “الإرهاب” يمتلك القدرة على إنتاج الواقع. علاوة على ذلك، يمكن قراءة مفهوم “الترخيص بالقتل” بوصفه تطبيقًا لتحليل فوكو لـ”العنف السيادي” و”البيوبوليتيك” (إدارة الحياة والسكان)(16): وبهذا المعنى تُمارِس إسرائيل بيوبوليتيكًا تمييزيًّا، وتُحافظ على حياة المستوطنين وتُعرِّض حياة الغزاويين للموت. من هذا المنظور الفوكوي، يمكن اعتبار غزة فضاءً يستمر فيه منطق القتل السيادي داخل إطار بيوسياسي حديث؛ حيث يتعايش “الحق في الإبادة” مع آليات الضبط والانضباط.
ثالثًا: مع إدوارد سعيد- تفكيك الاستشراق في زمن الإعلام: من جهة أخرى، يشترك بونيفاس مع إدوارد سعيد في تفكيك “الاستشراق” بوصفه بنية معرفية استعمارية، لكنه يُطَبِّقُها على “تغطية الإسلام” والحرب الإعلامية المعاصرة بدلًا من الأكاديميا الكلاسيكية. وكان سعيد في “تغطية الإسلام” قد أظهر كيف تُنْتِج وسائل الإعلام الغربية صورة نمطية عن الإسلام بوصفه خطرًا دائمًا وجوهريًّا، وكيف يتم تغييب أي صوت إسلامي/عربي يُقَدِّم رواية مختلفة(17). وبونيفاس يقرأ غزة كما قرأ سعيد فلسطين: منتجًا خطابيًّا للغرب. ويُظْهِر كيف أن “الإرهابي الفلسطيني” هو إعادة إنتاج لـ”الشرقي الخطير” في منظور سعيد. لكن بونيفاس يُضِيف بُعْدًا جديدًا لم يتناوله سعيد بقوة، وهو دور “العار الأوروبي” أو عقدة الذنب إزاء الهولوكوست في تشكيل هذه الصورة النمطية الجديدة(18).
رابعًا: مع جاك دريدا- تفكيك الثنائيات: وهنا يكمن ربما العمق الفكري الأكثر دقة؛ إذ يمكن اعتبار كتاب بونيفاس تطبيقًا عمليًّا لـ”التفكيك” على خطاب الحرب والصراع. فلا يكتفي بونيفاس بنقد محتوى الخطاب الإعلامي (أي لا يكتفي مثلًا بقول: “هذا الخبر كاذب”)، بل يُفَكِّك الثنائيات الأساسية التي يقوم عليها هذا الخطاب: ثنائية ضحية/جلاد، دفاع/عدوان، قانوني/غير قانوني، إنساني/وحشي، عقلاني/غير عقلاني. ويُبْرِز كيف أن هذه الثنائيات ليست طبيعية ولا أبدية بل يتم إنتاجها خطابيًّا عبر إستراتيجية “الهسبارا” التي تقلب الأدوار ببراعة: يجعلون القوي يبدو ضعيفًا، والمحتل يبدو محاصَرًا، والمعتدي يبدو مدافعًا(19). كما يسعى النص إلى تفكيك “الترخيص” عبر إظهار التناقضات الداخلية، ومنها الأخلاقي الغربي الذي يبكي أوكرانيا بحرقة ويتجاهل غزة بنفس اللحظة. وهذه هي النقطة الأساسية التي يستغلها بونيفاس بذكاء؛ إذ كيف يكون الألم “الأبيض” ألمًا مُقَدَّسًا، والألم “الملون” ألمًا مشبوهًا؟
وهذا المزج بين تشومسكي (التحليل السياسي المادي)، وفوكو (تحليل السلطة/المعرفة)، وسعيد (نقد الاستشراق)، ودريدا (تفكيك الثنائيات)، منح الكتاب عمقه النظري، رغم أنه يخلق أيضًا توترات منهجية (بين المادية والتفكيك، بين البنيوية وما بعد البنيوية) لا يحلُّها بونيفاس بشكل صريح.
1.4. الجمهور والإقناع: مفارقة الخطاب
يتوجَّه بونيفاس في كتابه إلى جمهورين متناقضين في نفس الوقت، وهذه هي المفارقة الأساسية التي تُحَدِّد نجاحه النسبي وحدوده أيضًا: فالجمهور الأول يضم المثقف الناقد بوصفه قارئًا يبحث عن سلاح نظري وتطبيقي لتفكيك الرواية المهيمنة، ومفاهيم جديدة يستخدمها في جدالاته اليومية. وهذا القارئ يجد في الكتاب مجموعة غنية من المفاهيم (الترخيص، الهسبارا، الإنكار الموسع، صناعة الموافقة، الإفلات البنيوي) وأمثلة تطبيقية حية من الإعلام والسياسة. فبالنسبة لهذا القارئ، يُعَد الكتاب تأكيدًا وتنظيرًا لما كان يشعر به حدسيًّا ويُفَكِّر فيه يوميًّا. أما الجمهور الثاني فيتكوَّن من المواطن العادي “المنوَّم مغناطيسيًّا” بالإعلام التقليدي. وهذا هو القارئ الذي يفترض بونيفاس أنه ضحية للتضليل المُنَظَّم، ويحتاج إلى “فطام معرفي” و”إعادة تثقيف”. وقد شاهد هذا القارئ صور الحرب على شاشات التليفزيون، وسمع عن تعقيدات الصراع، وهو في حالة من الارتباك الأخلاقي. وبونيفاس يريد أن يُقَدِّم له هذا الكتاب مفتاحًا لفك شفرة الواقع.
لكن ورغم قوة الأطروحة ووضوحها، إلا أن لغة الكتاب، التي تجمع بين التحليل الأكاديمي أحيانًا، والخطاب السياسي المشحون أحيانًا أخرى، والإحصائيات الكثيرة، قد تُشَكِّل عائقًا أمام هذا الجمهور الثاني. فالجمهور المستهدف من قِبَل “الهسبارا” اليوم لا يقرأ كتبًا نقدية من حوالي 300 صفحة؛ لأنه يعيش في سردية مغلقة تُغَذِّيها مشاهد فيديو مدتها دقيقة واحدة على “تيك توك”، وعناوين رئيسية أكثرها مُوَجَّه كما تقتضيه السياسات الإعلامية، وخطابات سياسية متكررة. وهذا الجمهور يحتاج إلى أدوات مختلفة: فيديوهات وتحليلات سريعة، وليس كتابًا أكاديميًّا. وهنا تظهر مفارقة “الحقيقة المؤجلة”: الحقيقة التي يحتاجها الجمهور العادي تأتي متأخرة جدًّا وبشكل لا يصل إليه.
من جهة أخرى ومن منظور فلسفي، يُعِيد الكتاب طرح ما يمكن قراءته بوصفه معضلة ماركوزية (نسبة إلى الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز) في “الإنسان ذو البُعْد الواحد”: كيف يمكن إقناع أفراد شُكِّل أفق تفكيرهم ذاته على نحوٍ يستبعد شروط الإقناع من الأصل؟ إذ يُبَيِّن ماركوز أن المجتمع الصناعي المتقدِّم (الغربي) يُقَيِّد “مجال التفكير والسلوك” بما يتوافق مع النظام القائم(20)، في حين يختزل الوظيفة النقدية للعقل إلى مجرد تأكيد للواقع(21). في مثل هذا السياق، يغدو الإقناع مفارقة؛ إذ إن اللغة والعقلانية اللتين يستند إليهما قد جرى استيعابهما مسبقًا داخل النظام المهيمن. فكيف إذن تُخاطب مَنْ يعيش في “عالم معكوس”؛ حيث الشهيد إرهابي والجلاد ضحية، والاحتلال دفاع عن النفس، والمقاومة إرهاب؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي لا يدَّعي بونيفاس حلَّه، لكنه يكتفي بطرحه بوضوح. والكتاب في النهاية يُخاطِب المقتنعين أصلًا، ويُعَزِّز قناعاتهم، لكنه يفتقر إلى مفاتيح دخول عقل المُنْكِر المعاصر الذي يتغذَّى على مقاطع الفيديو القصيرة والعناوين الصادمة.
- من نسقية الأدلة إلى أخلاق المسؤولية
قبل الخوض في تفصيل نسقية الأدلة التي يعتمدها باسكال بونيفاس، ينبغي تحديد موقعه ضمن إطار أوسع يجمع بين سوسيولوجيا المعرفة الإعلامية وإبستمولوجيا الشهادة. وفي كتابه، لا يكتفي المُؤَلِّف بتجميع الحقائق، بل يُقَدِّم قراءة نقدية لأنظمة الحقيقة التي تُشَكِّل النقاش حول غزة. ومن خلال تقاطع الأدلة الدبلوماسية (الفيتو الأميركي)، والتحليلات الخطابية للإعلام، والحجج القانونية، والبيانات الإحصائية، يسعى بونيفاس إلى كشف آلية “التضفير المعرفي” التي تُحوِّل الصدمة التاريخية الأوروبية إلى ترخيص أخلاقي معاصر. وتتناول هذه الجزئية من الورقة تماسك هذا البناء الحجاجي وحدوده، من خلال استجواب قوته البرهانية في الوقت نفسه الذي تفحص فيه بعض ثغراته المنهجية.
2.1. نسقية الأدلة: من الوثيقة إلى الحدث
يعتمد بونيفاس على منظومة متنوعة ومترابطة من الأدلة، ولكنه يُخْضِعُها لمنطق محدَّد يتجاوز مجرد التجميع الإخباري أو الاستشهاد.
أولًا: الدليل الدبلوماسي (القوي والموضوعي)- استخدام الفيتو الأميركي. يعمل هذا الدليل حجر الأساس في البرهان البونيفاسي(22)؛ لأنه موضوعي وقابل للتحقُّق والتوثيق من أي جهة، بما في ذلك من خصومه. ويُثْبِت هذا الدليل أن النظام العالمي لا يقوم على مبادئ حقوق الإنسان العالمية التي يُعلنها بل على ميزان القوى. ويبقى إثباتًا تجريبيًّا لـ”استثناء إسرائيل” بوصفه بنية نظامية وليس مجرد حادث عرضي (لأنها لا تلتزم بأي قرار أممي حتى لو لم تستخدم الولايات المتحدة الفيتو لصالحها). وهذا الدليل يُعَد “قاطعًا” في البرهان المنطقي؛ لأنه ينتمي إلى عالم الوقائع الثابتة.
ثانيًا: الدليل الإعلامي (المثير للإشكال منهجيًّا ولكنه الأكثر ثراءً). يُحَلِّل بونيفاس “اللغة الإعلامية” و”الاختيارات التحريرية” و”بنية التغطية” بوصفها ممارسة خطابية يومية. يُقَدِّم أمثلة صارخة لا يمكن تجاهلها: تفضيل ظهور المتحدثين المؤيدين لإسرائيل بشكل كبير في البرامج الحوارية الفرنسية (كارولين فوريست (Caroline Fourest)، ورافائيل إينتهوفن (Raphaël Enthoven))(23)، أو استخدام قنوات “أل سي آي” (LCI) و”بي أف أم” (BFM) لتبرير ردِّ فعل الجيش الإسرائيلي على 7 أكتوبر(24)، أو إعجاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بتغطية “سي نيوز” (CNews) للحرب على غزة بوصف القناة محاربة من أجل الحضارة اليهو-مسيحية(25).
وقد يقول قائل: إن بونيفاس وقع في فخِّ التحليل النوعي غير الكمِّي، وهذا يمكن عَدُّه نقطة ضعف منهجية هنا. فهو يصف من الناحية الفينومينولوجية (الظواهرية) التجربة الإعلامية كما تبدو له هو، لكنه لا يُقَدِّم مثلًا إحصاءات دقيقة لزمن البث أو مساحة التغطية أو تحليل الخطاب للعناوين. كما أن قصة واحدة عن تحيُّز قناة لا تُثْبِت بالضرورة تحيُّز النظام الإعلامي بأكمله. هذا النوع من الأدلة يظل مقنعًا أخلاقيًّا، ولكنه غير قاطع علميًّا. ومع ذلك، يمكن القول: إن تكرار هذه “الشهادات” عبر عشرات الصفحات، كما يُلاحظ الباحث، يخلق تراكمًا كميًّا غير مباشر، ومن ثم فإن وفرة الشواهد تُحوِّل الظاهرة إلى نمط قابل للرصد.
ثالثًا: الدليل القانوني (النسبي والمتنازع عليه). يعتمد بونيفاس بشكل كبير على تقارير الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية، ورأي محكمة العدل الدولية الاستشاري لسنة 2024. ويُثْبِت من خلال هذه الأدلة أن القانون ليس محايدًا ولا مستقلًّا، بل هو جزء من ساحة المعركة السياسية(26)، لكن بونيفاس يغفل ذكر نقاط ضعف هذه التقارير: مثلًا اتهام إسرائيل وحلفائها المتكرر لمجلس حقوق الإنسان بالتحيُّز المنهجي المناهض لإسرائيل. فاستخدام هذه التقارير دون سياق نقدي كافٍ يجعل الحجة عرضة للاختراق من الخصوم الذين يمكنهم بسهولة تجاهل كل محتوى التقرير بحجة تحيز مصدره.
2.2. جدة الطرح: التواطؤ المعرفي والضحية المقدسة
رغم بعض النقد المنهجي الذي يمكن توجيهه للكتاب، يُقَدِّم بونيفاس جديدًا حقيقيًّا ومهمًّا لا يمكن إنكاره، وهو ما يُبَرِّر قراءته ويجعله عملًا مرجعيًّا في مجاله؛ وذلك لعدة أسباب يمكن اختصارها في:
أولًا: ربط “الهسبارا” بـ”العار الأوروبي”: يشرح بونيفاس كيف أن جراح الهولوكوست الأوروبية (التي هي جراح شبه “مقدسة” في الضمير الغربي) تحوَّلت من درس في الإنسانية (شعار “لن يحدث مرة أخرى”) إلى “ترخيص” أخلاقي للقمع والتقتيل في الشرق الأوسط. هذا هو البُعْد ربما الأعمق والأكثر إبداعًا في الكتاب: كيف يتحوَّل الألم التاريخي إلى أداة سلطة معاصرة؟ كيف يُصبح ضحية (الأمس) جلادًا (اليوم)؟ وكيف يستغل هذه الهوية المزدوجة لإنتاج الإفلات من العقاب أو حتى من التأنيب؟ ويصف بونيفاس ما يمكن تسميته بـ”ميتافيزيقا الضحية المقدسة”. وفي هذه “الميتافيزيقا”، اليهودي (الإسرائيلي) ليس مجرد إنسان عادي له حقوق وعليه واجبات، بل أصبح أيقونة أخلاقية، تتجسَّد فيها المعاناة المطلقة، وأي نقد لإسرائيل لا يُقْرَأ على أنه نقد سياسي-أخلاقي عادي، بل يُقْرَأ تلقائيًّا على أنه تدنيس لهذه “الأيقونة المقدسة”، وإنكار للمحرقة (أو على الأقل تشكيك فيها)، ومعاداة للسامية (كراهية لليهودي بصفته يهوديًّا، وليس بوصفه كائنًا سياسيًّا-أخلاقيًّا). وهذا التحليل يُفَسِّر لماذا يمكن للدولة الإسرائيلية أن تقصف المستشفيات والمدارس دون أن تَفْقِد دعمها الغربي، بينما لو فعلتها روسيا أو الصين لكانت العقوبات جاهزة. وهذا ليس مجرد “نفاق غربي” بل هو بنية أخلاقية-نفسية عميقة لها جذورها في المسيحية(27) (اليهودي بوصفه “شاهدًا” على العهد القديم، وبصفته “ضحية أبدية”) وفي الحداثة الأوروبية (العار من المحرقة).
ثانيًا: مفهوم “الترخيص بالقتل” أداة تحليلية جديدة. حتى لو كان هذا المفهوم يحتاج إلى تطوير منهجي (كما تمت الإشارة إليه)، فإن قيمته الكبرى تكمن في قدرته على الربط بين مستويات التحليل المختلفة: الدبلوماسية، والإعلامية، والقانونية، والأخلاقية، والنفسية. ومن ثم، بالإمكان اعتباره “مفهومًا جامعًا” يسمح للباحث أن يدرس هذه الظواهر بشكل متكامل.
ثالثًا: فضح تناقض “القانون الدولي الانتقائي”: يُقَدِّم بونيفاس حجة قوية ومؤثرة حول كيفية استخدام الغرب للقانون الدولي سلاحًا سياسيًّا: يُطبِّقه بقسوة على أعدائه (روسيا، الصين، دول الجنوب)، ويُعَلِّقه أو يُخَفِّفُه على حلفائه (إسرائيل على الخصوص). وهذا ليس مجرد ادِّعاء، بل هو مُوَثَّق بالوقائع والأرقام والتقارير. ويُقَدِّم كتاب بونيفاس، كما ذُكِر آنفًا، شهادة قوية على أن النظام العالمي، الذي يفترض أنه يقوم على القانون، هو في الواقع نظام قائم على الهيمنة.
2.3. نقد إبستمولوجي مزدوج
بعد الحديث عن البناء الحجاجي للكتاب والوقوف عند بعض حدوده المنهجية التي تبقى مفهومة في السياق الحالي، يُصبح من الضروري الانتقال إلى مستوى آخر من التحليل يستهدف مساءلة الأسس المعرفية التي يقوم عليها، في إطار ما يمكن تسميته بـ”نقد النقد”. ومن هذا المنطلق، تكشف القراءة الإبستمولوجية عن ثغرات بنيوية تُحَدِّد أفق تحليل المُؤَلِّف وتوجه نتائجه، خاصة عندما يُفْصَل الخطاب عن شروط إنتاجه المادية بما يؤدي إلى اختزال يُضْعِف تفسير ديناميات القوة. وأولى هذه الثغرات تتجلى في غياب المادية التاريخية؛ حيث يتعامل التحليل مع الخطاب والتمثيلات والإعلام بوصفها كيانات مستقلة منفصلة عن المصالح الاقتصادية والبنى الإنتاجية. غير أن المنظور الماركسي يُبَيِّن، كما هو معلوم، أن الوعي لا يُحَدِّد الواقع بل العكس(28)؛ إذ تتشكَّل الأفكار ضمن شروط مادية محددة. وبهذا المعنى، يُغْفِل التحليل مثلًا دور المجمع الصناعي-العسكري؛ حيث تسهم شركات كبرى مثل “لوكهيد مارتن” في إعادة إنتاج الصراع عبر منطق الربح، كما يتجاهل أيضًا الأبعاد الجيو-اقتصادية المرتبطة باكتشافات الغاز في شرق المتوسط، التي أعادت تشكيل مواقف القوى الدولية، فضلًا عن تأثير اللوبيات السياسية مثل “إيباك” في توجيه القرار الأميركي. إن هذا الإغفال يجعل التحليل أقرب إلى المثالية الأيديولوجية التي تصف الظواهر دون النفاذ إلى جذورها المادية.
إلى جانب ذلك، تَبْرُز ثغرة ثانية تتعلق بغياب منظور “المدى الطويل”؛ إذ يُعالج التحليل الأحداث الراهنة بمعزل عن ترسباتها التاريخية العميقة. غير أن فهم “الترخيص” يقتضي حفرًا أركيولوجيًّا يمتد من النكبة وما رافقها من تطبيع سردي لفكرة “أرض بلا شعب”، مرورًا بحرب 1967 التي كرَّست الاحتلال تحت مسميات مؤقتة، وصولًا إلى اتفاقيات أوسلو التي أعادت تشكيل القضية ضمن منطق إدارة ذاتية مقيدة (وبونيفاس يسرد هذه الوقائع في بداية الكتاب من باب التوطئة ولا يُدخلها في التحليل)، وفكِّ الارتباط عن غزة الذي أعاد إنتاج الاحتلال في صيغة حصار. كما تشمل هذه السلسلة تحولات تَمْثِيل المقاومة خلال الانتفاضتين، من رمز تحرري إلى تهديد أمني. إن تغييب هذا الامتداد التاريخي يُفْرِغ التحليل من عمقه البنيوي؛ لأن “الترخيص” ليس حدثًا طارئًا، بل هو نتاج تراكمي لمسار طويل من تطبيع الاستعمار الاستيطاني داخل الوعي الغربي.
4.2. آفاق بحثية: نحو أخلاق المسؤولية
رغم الثغرات، يظل كتاب بونيفاس مفتاحًا لفتح آفاق بحثية جديدة، وتكمن قوته الحقيقية في الأسئلة التي يُثيرها أكثر من الإجابات التي يُقَدِّمُها. ومن خلال الملاحظات النقدية يمكن استخلاص ثلاثة محاور كبرى للبحث المستقبلي. المحور الأول يركز على المنهج الكمِّي الصارم بدل الانطباعية النوعية، بما يُتيح إجراء تحليلات إحصائية واسعة على وسائل الإعلام الغربية: تحليل مضمون كمِّي لعيِّنة عشوائية ممثلة من الأخبار، وقياس دقيق للمتغيرات مثل الوقت الذي يخصَّص لكل طرف، ومساحة الصفحة، واختيار الصور، وعناوين الأخبار والمصادر المستشهَد بها، وتحليل خطابي للبنية المعجمية المستخدمة في وصف كل طرف. هذا النوع من التحليل يُقَدِّم إجابة واضحة على سؤال التحيُّز المنهجي في الإعلام ويُمكِّن من تفادي الجدل الأيديولوجي الذي يستعمله الخصوم.
ويتعلق المحور الثاني بدراسات التلقي في زمن الخوارزميات، من الجمهور السلبي إلى المستخدم الفاعل، مع التركيز على كيفية استهلاك الشباب للمحتوى الإعلامي عن غزة، ودور خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم أو قمع الرواية الفلسطينية، وفهم فجوات الاستقبال بين الأجيال وتأثيرها على المواقف السياسية.
أما المحور الثالث فهو نقد “أخلاق الذنب” الأوروبي وتفكيكها، نحو أخلاق كونية غير انتقائية، تشمل بناء أخلاقيات عالمية لا تميز بين الضحايا، وتجاوزَ الضمير التاريخي الغربي نحو أخلاق المسؤولية التي تركز على عواقب الأفعال، وتجاوز المركزية الأوروبية لفهم آلام الآخر غير الأوروبي باعتبارها حقًّا إنسانيًّا عامًّا، وهو البُعْد الفلسفي الأوسع الذي يُلْمِح إليه الكتاب لكنه لا يكتمل فيه.
خاتمة
يُقَدِّم كتاب باسكال بونيفاس نموذجًا مركَّبًا للقراءة النقدية للعنف المعاصر؛ إذ يتجاوز مجرد توثيق الأحداث أو سرد الوقائع ليصل إلى قلب ما يمكن تسميته بالـ”ميتافيزيقا العملية للقوة”: إنتاج العنف ضمن نسق معرفي وسياسي يجعل الفظائع قابلة للعيش أخلاقيًّا، ويُحوِّل الاستثناء إلى قاعدة، وغير الأخلاقي إلى مألوف. ففي قراءة بونيفاس، لا يُنظر إلى العنف الإسرائيلي في غزة كأحداث منعزلة بل هو نتاج نسقي لمجموعة من “التصاريح المضمرة” أو “التراخيص المعرفية” التي تُنْتِجُها المؤسسات الدولية، ووسائل الإعلام، والخطابات الأكاديمية والسياسية. هذا الترخيص ليس مجرد غياب للعقاب، بل آلية متكاملة لإعادة تشكيل البوصلة الأخلاقية الجماعية؛ إذ يُصبح الدفاع عن النفس، أو السيادة، أو الحضارة، مظلة شرعية لممارسة أعمال العنف الممنهجة.
ومن خلال فحص آليات هذا الترخيص، يكشف الكتاب عن ثلاثة أبعاد مركزية: الإفلات السياسي والدبلوماسي، الذي يسمح باستمرار الاستثناءات السيادية وتوظيف القانون الدولي انتقائيًّا. وثمة الإفلات الإعلامي، الذي يُنْتِج “الحقيقة” ويُعيد إنتاج الصور النمطية عن الضحايا والجلادين. أما البُعْد الثالث فهو الإفلات المعياري، الذي يُحوِّل القانون نفسه إلى أداة سلطة أكثر من كونه إطارًا لحماية العدالة. هذه الحلقة المفرغة لا تعمل بمعزل عن أبعادها الأخلاقية والسياسية، بل تُشَكِّل فضاءً متسلسلًا من التبرير الذاتي؛ إذ يُصبح الصمت الدولي والحياد الأكاديمي جزءًا من “الترخيص” ذاته، ويغدو ما هو غير قانوني وغير أخلاقي أمرًا مقبولًا بل محتومًا.
على المستوى الفلسفي، يُسَلِّط الكتاب الضوء على الطبيعة الخطرة للعلاقات بين السلطة والمعرفة، بما يتفق مع رؤى ميشيل فوكو حول “السلطة/المعرفة” و”البيوبوليتيك”. فالقدرة على تسمية “الإرهاب” أو “الدفاع المشروع” هي في جوهرها القدرة على إنتاج الواقع وتوجيهه، وإعادة تشكيل ما يُعَد مسموحًا أو محرَّمًا. وفي هذا السياق، يَظْهَر الترخيص بالقتل ليس أداةً قانونيةً فحسب، بل خطابًا وجوديًّا يُحوِّل الموت الجماعي إلى رقم في نشرات الأخبار، والاعتداء الإستراتيجي إلى خيار محسوب. إضافة إلى ذلك، يضع بونيفاس المثقف الغربي في مواجهة مباشرة مع فشل “العالم المحايد”. فالمثقف الذي يختار الحياد في وجه الانتهاكات الممنهجة ليس بريئًا، بل مشاركًا ضمنيًّا في ترسيخ النظام المعرفي الذي يُبيح العنف. وهنا، تتجلَّى وظيفة الكتاب كإبستمولوجيا للشهادة: فهو لا يكتفي بالكشف والتحليل بل يحث القارئ على إدراك أبعاده الأخلاقية الوجودية، ويؤكد أن المعرفة النقدية تتطلب اتخاذ موقف أخلاقي صريح تجاه الواقع، مهما كانت تبعاته. وهذا يقودنا إلى جدلية أخلاقية عميقة: هل يمكن للعلم والسياسة والإعلام أن يبقوا محايدين في مواجهة ما يمكن وصفه بـ”الإبادة المنظمة” أم أن الحياد هنا هو نوع من التواطؤ البنيوي مع الفعل الغاشم؟
وعلى صعيد النسقية الفكرية، يجمع الكتاب بين تحليلات تشومسكي حول “صناعة الموافقة”، وفوكو في السلطة والمعرفة، وسعيد في نقد الاستشراق وتفكيك الخطاب الاستعماري، ودريدا في تفكيك الثنائيات. هذا المزج يمنح النص بُعدًا نظريًّا فريدًا، يُتيح رؤية الواقع شبكةً معقَّدةً من الخطابات والممارسات والمؤسسات، ويكشف كيف يمكن للسلطة أن تُحوِّل القيم الأخلاقية إلى أدوات لإنتاج التبريرات، والعنف إلى فعل مشروع في المخيال الجماعي الغربي.
وأخيرًا، يُقَدِّم النص درسًا بالغ الأهمية عن طبيعة المعرفة والوعي: الحقيقة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل صناعة متواصلة تتطلب يقظة نقدية دائمة، وشجاعة معرفية وأخلاقية لمواجهة الانتهاكات المستمرة. إن قراءة بونيفاس، بهذا المعنى، هي دعوة لإعادة بناء البوصلة الأخلاقية الجماعية، وإعادة التفكير في حدود ما يمكن الاعتراف به كشرعية، وأي ألم يمكن عَدُّه “مشروعًا” أو “مقدسًا”. إنه دعوة للوعي النقدي المستمر؛ إذ تُصبح مسؤولية المثقف والقارئ النشط واجبًا أخلاقيًّا، وفعلًا فلسفيًّا من أجل مقاومة الانزلاق نحو العنف المشروع، والتواطؤ البنيوي، والصمت المعرفي الذي يُغَذِّي الاستثناءات على حساب الإنسانية المشتركة.
في النهاية، يضعنا هذا الكتاب أمام سؤال أساسي يتجاوز الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: كيف يمكن لعالمٍ تُهَيْمِن عليه السلطة والمعرفة والأنظمة الإعلامية أن يخلق “اللامفكَّر فيه” ويجعله طبيعيًّا؟ وكيف يمكن للوعي النقدي والأخلاقي أن يُصبح سلاحًا فعليًّا في مواجهة تلك الميكانيزمات؟ إن بونيفاس لا يُقَدِّم إجابة جاهزة، لكنه يُقَدِّم أدوات تفكير تجعل من المستحيل تجاهل هذه المعضلة، ويُذكِّرنا بأن الصمت والحياد في مواجهة الترخيص بالقتل ليس خيارًا بريئًا بل فعلًا له أبعاد وجودية وأخلاقية يجب مواجهتها.
المراجع
(1) لفهم خلفيات هذا الكتاب، ينبغي استحضار المسار الفكري والمؤسسي لمُؤَلِّفِه، باسكال بونيفاس، الذي يُعَد من أبرز المتخصصين الفرنسيين في الجيوسياسة. أسَّس، سنة 1990، معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية، الذي أصبح من أهم مراكز التفكير في فرنسا إلى جانب المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، مع تبنِّي خط تحريري نقدي يميل إلى الدفاع عن التعددية الدولية وانتقاد الأحادية الأميركية والسياسة الإسرائيلية. وقد أكسبه هذا التوجُّه حضورًا في الأوساط المؤيدة للفلسطينيين مقابل اتهامات متكررة بمعاداة السامية. يتميز بونيفاس بغزارة إنتاجه، فقد ألَّف عشرات الكتب في قضايا متعددة؛ ما يعكس قدرة تحليلية واسعة. وفي سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، دافع في كتابه: “هل يُسمح بانتقاد إسرائيل؟” عن شرعية نقد إسرائيل، ويأتي كتابه: “ترخيص بالقتل” امتدادًا لهذا الطرح مع تركيز خاص على حالة غزة.
(2) Pascal Boniface, Permis de tuer. Gaza: génocide, négationnisme et hasbara (Paris: Max Milo, 2025), 24-25.
(3) نستعير هذا المفهوم من ميشيل فوكو؛ إذ يرى الفيلسوف الفرنسي أن السلطة لا تُختزل في بنية مركزية صلبة، بل تتجسَّد في شبكة من التقنيات والآليات العملية التي تعمل عبر المراقبة والفحص والتصنيف. فهي، بطبيعتها متعددة الأشكال، لا تصدر حصرًا عن الدولة أو السيادة السياسية بل تتغلغل في مختلف الفضاءات الاجتماعية مثل المدرسة والمستشفى والثكنة، بل وحتى في العلاقات اليومية بين الأفراد. وبهذا المعنى، لا تقتصر السلطة على القمع أو المنع، وإنما تُمارِس وظيفة إنتاجية؛ إذ تُسْهِم في تشكيل الذوات وبناء أنماط المعرفة. وعليه، فإن هذه التقنيات تُمَثِّل الكيفيات المتحولة التي تُعيد بها السلطة تشكيل نفسها باستمرار، بما يسمح لها بالتحكم في الأجساد وتوجيه السلوكيات دون اللجوء الدائم إلى العنف المباشر. انظر مثلًا:
Michel Foucault, Histoire de la sexualité, vol. 1: La volonté de savoir, (Paris: Gallimard, 1976), 12.
(4) Boniface, Permis de tuer, 40-41.
(5) Paul W. Kahn, Political Theology: Four New Chapters on the Concept of Sovereignty, (New York: Columbia University Press, 2011), 31-32.
(6) الهسبارا (كلمة عبرية تعني حرفيًّا “الشرح” أو “التفسير”) وهي الإستراتيجية الاتصالية السياسية التي تستخدمها إسرائيل للتأثير في الرأي العام الدولي. يوضِّح باسكال بونيفاس في كتابه كيف تهدف هذه الإستراتيجية إلى تبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتوجيه التناول الإعلامي، وصياغة النقاش العام باستخدام مفردات ومصطلحات مُحَدَّدة بعناية، ونزع الشرعية عن أي انتقاد لإسرائيل من خلال ربطه بمعاداة السامية أو بدعم الإرهاب. انظر:
Boniface, Permis de tuer, 113-117.
(7) Ibid, 76-79.
(8) Ibid, 155-161.
(9) Judith Butler, Frames of War: When Is Life Grievable?, (London: Verso, 2009), 22.
(10) Boniface, Permis de tuer, 36-39.
(11) Ibid, 16.
(12) Ibid, 143-148.
(13) Ibid, 74-75.
(14) تجدر الإشارة إلى أن مصطلح “صناعة الموافقة” (Manufacture of consent) يستعيره تشومسكي من الصحفي الأميركي، والتر ليبمان (Walter Lippmann) (1889-1974)، والمشهور أيضًا بإدخاله مصطلح الحرب الباردة إلى مجال الإعلام وحقل العلاقات الدولية.
Noam Chomsky, The Fateful Triangle: The United States, Israel, and the Palestinians, 2nd ed. (Cambridge, MA: South End Press, 1999),151.
(15) Ibid, 481-530-645.
(16) Foucault, Histoire de la sexualité, 125-127.
(17) Edward W. Said, Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How We See the Rest of the World, (New York: Pantheon Books, 1981).
(18) لا ينفك مثقفون أمثال آلان فينكلكروت (Alain Finkielkraut) وبرنار هنري ليفي (Bernard-Henri Lévy) يُذَكِّرون الجمهور الفرنسي (والغربي) بالهولوكوست، وخصوصًا عدم مقارنة ما تقوم به إسرائيل في غزة بما قام به الألمان ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.
Boniface, Permis de tuer, 14.
(19) وذلك عبر إستراتيجيات تُوظِّفها وزارة الخارجية الإسرائيلية. انظر:
Ibid, 116-119.
(20) Herbert Marcuse, One-Dimensional Man: Studies in the Ideology of Advanced Industrial Society, (Boston: Beacon Press, 1964), 12.
(21) Ibid, 19.
(22) Boniface, Permis de tuer, 22.
(23) Ibid, 97.
(24) Ibid, 78-79.
(25) Ibid, 83.
(26) Ibid, 43-56.
(27) على الأقل منذ أن ألغت الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا بولس السادس (1897-1978) فكرة القتل الديني اليهودي للسيد المسيح، وهو الاعتقاد المسيحي الذي كان سائدًا من قبل بأن الشعب اليهودي هو المسؤول عن “صَلب المسيح”.
(28) Karl Marx, Friedrich Engels, Collected Works, vol. 5, (London: Lawrence & Wishart, 2010), 37.