ملخص:
تبحث الدراسة السرديات المتناقضة والمتنافسة في التغطية الإخبارية التي نشرتها وسائل الإعلام الأميركية لهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة، من خلال الإجابة على هذا الحقل الاستفهامي: كيف قَدَّمَ خطاب الإعلام السائد، وإعلام النشطاء، هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة؟ وما نوع هذا الخطاب وما أُطُرُه؟ وما الذي يُميِّز إعلام النشطاء عن الإعلام السائد في الولايات المتحدة في بناء سرديات الحرب على غزة؟ وكيف تتفاعل هاتان السرديتان من حيث التأثير أو التحدِّي أو التكيُّف مع بنى القوة الجيوسياسية المحلية أميركيًّا والإقليمية والعالمية؟ وتعتمد الدراسة التحليل النقدي للخطاب في مقاربة عيِّنة قصدية شملت المقالات المنشورة في عدد من وسائل الإعلام الأميركية السائدة، مثل “سي أن أن” (CNN)، و”نيويورك تايمز” (The new York Times)، و”فوكس نيوز” (Fox News)، ووسائل إعلام النشطاء المتضامنة مع فلسطين، مثل “موندووايس” (mondoweiss) و”بالستين كرونيكل” (palestinechronicle)، و”إلكترونيك انتفاضة” (electronicintifada). وتكوَّنت العيِّنة من عشر مواد صحفية في كل موقع من المواقع الستة المذكورة ليبلغ مجموعها ستين مادة نُشِرت خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 19 يوليو/تموز 2025. وأظهرت النتائج أن وسائل الإعلام التقليدية أعادت في الغالب إنتاج خطاب ينسجم مع سياسة الإدارة الأميركية تجاه فلسطين، في المقابل، ركزت وسائل الإعلام التي يُدِيرها النشطاء على تجربة الفلسطينيين الإنسانية خلال الحرب، والمشروعية الأخلاقية والقانونية للنضال الفلسطيني. وتكشف السرديات المتناقضة التقاطعَ الجيوسياسي بين الإعلام والسلطة، وتُظهر كيف أن الخطاب الإعلامي يعكس في نصوصه بنى القوة ويُعيد إنتاجها بما يُعَزِّز الرؤى والسياسات المتعلقة بالفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي.
كلمات مفتاحية: إعلام النشطاء، الإعلام السائد، الحرب على غزة، الرواية الفلسطينية، التحليل النقدي للخطاب.
Abstract:
The study examines the competing and contradictory narratives in American media coverage of the 7 October 2023 attacks and the war on Gaza. It addresses the following set of questions: How did mainstream media discourse and activist media present the 7 October 2023 attack and the war on Gaza? What are the characteristics and framing strategies of these discourses? What distinguishes activist media from mainstream American media in constructing narratives about the war on Gaza? And how do these two narratives interact in terms of influence, challenge or adaptation within local American, regional and global geopolitical power structures? The study adopts critical discourse analysis and relies on a purposive sample of articles published in several major American mainstream media outlets, such as CNN, The New York Times and Fox News, as well as activist media outlets supportive of Palestine, including Mondoweiss, The Palestine Chronicle and The Electronic Intifada. The sample consists of ten articles from each of the six platforms mentioned, totalling sixty articles published between 7 October 2023 and 19 July 2025. The findings show that traditional media largely reproduced a discourse aligned with the US administration’s policy toward Palestine. In contrast, activist media focused on the human experience of Palestinians during the war, as well as the moral and legal legitimacy of the Palestinian struggle. The conflicting narratives reveal the geopolitical intersection between media and power, demonstrating how media discourse reflects and reproduces structures of power in ways that reinforce prevailing perspectives and policies regarding Palestinians and the Israeli occupation.
Keywords: Activist Media, Mainstream Media, War on Gaza, Palestinian Narrative, Critical Discourse Analysis.
مقدمة
منذ اليوم الأول للحرب التي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة، بدأ تنافس واضح في الولايات المتحدة الأميركية بين وجهتي نظر تنازعتا سلطة سرد وتفسير الأحداث، إزاء هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم أحداث الحرب ونتائجها. تبنَّى أنصار القضية الفلسطينية الوصف الفلسطيني (طوفان الأقصى) لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الذي يرونه “كسرًا لجدار السجن”(1)، بينما وصفه حلفاء إسرائيل، بمن فيهم الرئيس الأميركي، جو بايدن، آنذاك بـ”الهجوم الإرهابي” مع إعلان دعمٍ أميركي كامل لإسرائيل(2)، مؤكدًا “عمق التحالف الاستخباراتي والعسكري بين البلدين”(3). ولم تقتصر أهمية هذه التوصيفات على البُعْد الخطابي بل إن كل رواية صدرت أو نُشِرت من الجانبين كانت تُقَدِّم للجمهور الأميركي سردية سياسية وعسكرية وإنسانية مختلفة، وتُسْتَخْدَم لتبرير سلسلة الأفعال والقرارات اللاحقة من قِبَل الفلسطينيين وإسرائيل.
وقد انعكست هذه السرديات المتضاربة بوضوح في التغطية الإعلامية؛ إذ دأبت وسائل الإعلام الأميركية السائدة على إعادة إنتاج السردية المهيمنة على الخطاب العام الأميركي، والتي تُبَرِّر الأفعال الإسرائيلية، من خلال وصف الهجوم الذي نفَّذته كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في المستوطنات الإسرائيلية بغلاف غزة، بـ”أعمال إرهابية” والتقليل من شأن المعاناة الفلسطينية، أو تقديمها بصورة مجرَّدة من السياق الأكبر لنضال الفلسطينيين تحت الاحتلال. في المقابل، قَدَّمَت وسائل الإعلام التي يُشْرِف عليها نشطاء متضامنون مع الشعب الفلسطيني تغطية إعلامية أبرزت هجوم السابع من أكتوبر في سياق نضال من أجل الحرية بوصفه فعلًا مقاومًا، وسَلَّطَت الضوء على الأصوات الفلسطينية وتجاربها الحياتية في ظل الحرب.
وفي هذا السياق، تُحاول الدراسة الإجابة على هذا الحقل الاستفهامي: كيف قَدَّمَ خطاب الإعلام السائد، وإعلام النشطاء، هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة؟ وما نوع هذا الخطاب وما أُطُرُه؟ وما الذي يُميِّز إعلام النشطاء عن الإعلام السائد في الولايات المتحدة في بناء سرديات الحرب على غزة؟ وكيف تتفاعل هاتان السرديتان من حيث التأثير أو التحدِّي أو التكيُّف مع بنى القوة الجيوسياسية المحلية أميركيًّا والإقليمية والعالمية؟
- محددات منهجية ونظرية
الإستراتيجية المنهجية
تعتمد الدراسة منهج التحليل النقدي للخطاب، كما طوَّره نورمان فيركلوف (Norman Fairclough) ، بهدف الكشف عن علاقات القوة وتجلياتها في السرديات التي يُقَدِّمُها الإعلام السائد وإعلام النشطاء المتضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة الأميركية حول الحرب على غزة. ويُعَد التحليل النقدي للخطاب أداةً فاعلة لفهم علاقات القوة من خلال اللغة ليس فقط عن طريق فهم علاقات القوة الكامنة داخل الخطاب بل أيضًا تكشف عن القوة التي تقف خلف ذلك الخطاب(4). ويُوفر تحليل الخطاب مقاربة نوعية لفهم الظواهر الاجتماعية من خلال اللغة، وذلك بهدف الكشف عن بنية السلطة التي تحملها النصوص(5). واعتمدت الدراسة النموذج ثلاثي الأبعاد الذي يُتِيح تحليلًا شاملًا للخطاب يضم السمات اللغوية الدقيقة والسياقات الاجتماعية والثقافية التي تُعبِّر عنها اللغة، وصولًا إلى ربطها بالبُعْد الثالث الذي يتجسَّد في استعمار فلسطين بوصفها قضية تُمثِّل الظاهرة الاجتماعية وتفاعلاتها(6)(7).
ويشمل التحليل كيفية تَشَكُّل السرديات من حيث الأدوار والموضوعات والنبرة العاطفية المتداولة عبر مصادر إعلامية متعددة(8). وسيُسْهِم الجمع بين التحليل النقدي للخطاب وتحليل السرد ودلالاتهما في استكشاف السرديات المتناقضة في الإعلام الأميركي، وكيف تُعِيد هذه السرديات إنتاج علاقات القوة بين وسائل الإعلام والجمهور وإعادة ترسيخها.
وستُقارِن نتائج الدراسة بين سرديات كلا النوعين من الإعلام عبر أبعاد تأطير وبناء الشخصيات والاستمالة العاطفية، مستندًا إلى نموذج ديفيد كلمنتسون (David Clementson)، وتايلر بييج (Tyler Page)، في استكشاف تفاعل السرديات التي تُعَزِّز أو تتبنَّى البنى الاجتماعية القائمة، أي مقارنة الروايات حسب علاقات القوة التي تسردها(9). ولا يسعى التحليل إلى مطابقة النصوص بين فئتي الإعلام بل يركز على تفكيك البنية السردية في كل منهما وطرائق تقديم الحرب وأطرافها وأفعالهم بقدر من المرونة في المقارنة استنادًا إلى طبيعة السرديات ذاتها.
واعتمدت الدراسة عيِّنة قصدية شملت المقالات المنشورة في عدد من وسائل الإعلام الأميركية السائدة، مثل “سي أن أن” (CNN)، و”نيويورك تايمز” (The new York Times)، و”فوكس نيوز” (Fox News)، ووسائل إعلام النشطاء المتضامنة مع فلسطين، مثل “موندو وايس” (mondoweiss) و”بالستين كرونيكل” (palestinechronicle)، و”إلكترونيك انتفاضة” (electronicintifada). وتكوَّنت العيِّنة من عشر مواد صحفية في كل موقع من المواقع الستة المذكورة ليبلغ مجموعها ستين مادة نُشِرت خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 19 يوليو/تموز 2025. وتمَّ اختيار المواد المنشورة التي تُقَدِّم تغطيات إعلامية حول هجوم السابع من أكتوبر والحرب على غزة، وشملت المواد أخبارًا وتقارير مطوَّلة وقصصًا ومقالات. واقتصرت وحدات العيِّنة على النصوص المكتوبة دون الاعتماد على المحتوى المرئي، وارتبطت مباشرة بالحرب على غزة، سواء من حيث الوقائع الميدانية أو التطورات الإقليمية والدولية ذات الصلة.
مدخل معرفي: القوة الرمزية للسرد في تشكيل الهويات
أولًا: قوة السردية الإعلامية
أسهمت الوسائط الرقمية في تضخيم قدرة الإعلام على التأثير السياسي؛ إذ باتت الرسائل السياسية قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع وبسرعة أكبر من ذي قبل وإحداث تفاعل غير مسبوق(10)، وإِنْ كان ذلك مصحوبًا بمخاطر التشويه والتضليل المقصود أو غير المقصود. ويُسْهِم تبسيط السردية في تسهيل فهم القضايا السياسية المعقدة، لكنه أيضًا يؤدي إلى إخراجها من سياقاتها وتفاصيلها الضرورية التي تُتِيح فهمها. إن تقديم وسائل الإعلام للأخبار بمعزل عن سياقاتها التاريخية وخلفياتها السياسية قد يُنتِج سردًا قائمًا على أجزاء من الحقيقة وليس على كليتها؛ ما يفتح الباب أمام التلاعب بالوقائع وإعادة توزيع الأدوار والصفات بما يُسْهِم في تثبيت أو تعديل موازين القوة(11)؛ الأمر الذي يُمكِّن من قلب الحقائق ويجعل الضحية مُجَرَّمَة والمعتدي ضحية أو إخراج أيٍّ منهما من دائرة الشرعية والقبول.
تتضح علاقات القوة من خلال السرديات، سواء في مجالات التعليم أو الزراعة أو الحروب أو العلاقات الجيوسياسية؛ إذ يعكس السرد ويُعيد إنتاج أنماط السلطة والخضوع والمقاومة(12)(13)(14)(15). وتستخدم الحكومات السرد لتأطير السياسات وتشكيل أنماط التفكير من خلال الاستعارات السياسية التي تُوَجِّه الناس إلى فهم الأحداث والسياسات بصورة غير مباشرة؛ حيث تتنافس السرديات المتناقضة في إطار ما أطلقت عليه ناتاليا ستبلينا (Nataliia Steblyna): “حروبًا حقيقية” للتنافس على الشرعية والتأثير(16).
ثانيًا: الصمود والمقاومة في سردية المضطهدين
يتجاوز دور السرد حدود الخطاب السياسي السائد ليغدو أداةً مركزية في ممارسات المقاومة. وتُوظِّف المجتمعات المُهَمَّشَة السرد القصصي لتحدي الأيديولوجيات المُهَيْمِنَة، ولاستعادة هويتها وبناء مساحات للتعامل مع الهيمنة كمجتمعات. وتعمل سرديات الشعوب المُسْتَعْمَرة والمُضْطَهَدَة على تثبيت الذاكرة الثقافية ومواجهة محاولات إبادتها(17)(18). كما تؤدي السرديات المضادة في الفضاء العام والمجتمعي دورًا فاعلًا في تفكيك الصور النمطية وتعزيز الصمود الجمعي(19)(20)(21). وتُعَد السرديات المضادة نوعًا من مقاومة الهيمنة؛ إذ تُسْهِم في الدفاع عن قضايا الطرف الأضعف أو الأقل قدرة على استخدام القوة المادية أو الاقتصادية أو الإعلامية، فتلجأ إلى تحصين موقفها في معركة المعرفة بتعريف الجمهور برأيها من خلال سرد وتطوير روايتها وإضفاء طابع من الإنسانية والأخلاقية عليها. ومن أجل ذلك تكون سردية المُسْتَضْعَفِين مُشْبَعَةً بالقصص الواقعية والعاطفية التي تُخاطِب ضمير الإنسان، بينما تركز سردية الطرف الأقوى على تحقيق الانتصار وإبراز القدرة على الإخضاع والسيطرة مع التركيز على نزع الإنسانية وإضفاء الخطورة والوحشية على الطرف الآخر.
وتكتسب سردية المُضْطَهَدِين أهمية خاصة في تَمْثِيل فلسطين داخل الإعلام الغربي -حيث تعكس السرديات السائدة هناك تحيزات استعمارية وتُكرِّس الاستثنائية الإسرائيلية- إذ بإمكان السردية أن تؤدي دورًا مهمًّا في تعزيز الموقف المُسَانِد للفلسطينيين(22)(23)، والتأثير في النقاش العام حول فلسطين في المجتمعات الغربية. وتعمل سردية المُضْطَهَدِين -كسردية مضادة- من خلال النشاط الرقمي والسرد البصري والنقد الأكاديمي على أَنْسَنَة الفلسطينيين وتحدِّي الصور الخطابية المهيمنة(24)(25)(26) التي تُرَوِّج لها الأصوات المساندة لإسرائيل، وهي تتَّخِذ من الموقف الرسمي الغربي مسندًا قويًّا. ولا تقتصر أهمية هذه السرديات على مساعدة الفلسطينيين بوصفهم مجموعة المضطهدين لاستعادة حضورهم في النقاش المثار حولهم بل تمتد إلى المطالبة بالعدالة وإعادة الاعتبار لتاريخ وتعزيز حضور الفلسطينيين سياسيًّا(27)(28).
ثالثًا: السردية الفلسطينية في الغرب
تركزت أبحاث إدوارد سعيد لعقود من الزمن على تحليل الكيفية التي أَنْتَج من خلالها الغرب معرفةً عن المشرق، وما ترتب على ذلك من تشكيل سرديات مُشَوَّهَة أثَّرت بعمق في السياسات الغربية. وتُعَد فلسطين مثالًا صارخًا على هذا النمط؛ إذ يقول إدوارد سعيد وكريستوفر هيتشنز(Christopher Hitchens) : “ليس من المبالغة القول: إن قيام دولة إسرائيل، عام 1948، كان بشكل من الأشكال نتيجة سيطرة الصهاينة على المعركة السياسية حول السيطرة على فلسطين في المجتمع الدولي الذي كانت فيه الأفكار والتَّمْثِيلات والخطابات موضع صراع”(29).
لقد أدَّت السرديات التي تُقَدِّم إسرائيل بوصفها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، و”الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة”، وظائفَ تتجاوز الرمزية؛ إذ أسهمت فعليًّا في إضفاء الشرعية على سياسات التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والعنف الممنهج ضد الفلسطينيين. كما أخرجت هذه السرديات الدعم السياسي والمالي الأميركي لإسرائيل من إطار الجدل السياسي؛ إذ أصبحت تحظى بإجماع حزبي، وربطت المقاومة الفلسطينية بـ”الإرهاب ومعاداة السامية”. ويُجسِّد هذا التفوق السردي ما أشار إليه نعوم تشومسكي(Noam Chomsky) (30) من أن المعرفة التي يُنْتِجُها الأقوياء إنما يُسَخِّرونها لخدمة مصالحهم. وفي هذا السياق، حدَّد الإعلام السائد والمنظومة السياسية المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة ما ينبغي على الجمهور معرفته عن إسرائيل والفلسطينيين الذين وضعتهم في موضع تهميش معرفي وسياسي عميق.
رابعًا: إعلام النشطاء واختراق حاجز الصمت
يُعَد التواصل عاملًا محوريًّا في الفعل الجماعي؛ إذ يؤدي دورًا أساسيًّا في تحفيز المشاركين وبناء الهوية الجمعية وتعزيز التضامن. وفي هذا الإطار، لا يقتصر دور “إعلام النشطاء” على نقل المعلومات بل يتجاوز ذلك إلى التدخل المباشر في الصراعات السياسية والثقافية. وخلافًا للإعلام السائد الذي غالبًا ما ينحاز إلى مراكز القوة ويُخْضِع أولوياته لمنطق الربح، يتمتع الإعلام الذي يقوده النشطاء بقدرة أكبر على تَمْثِيل الأصوات المُهَمَّشَة نظرًا لالتزامه الأخلاقي والسياسي بالقضايا التي يُدافع عنها.
وينبع هذا الالتزام من بنية وأهداف هذا النوع من الإعلام الذي يُديره النشطاء بهدف مناصرة ودعم قضايا مختلفة وتقديم محتوى يختلف عما تُقَدِّمُه وسائل الإعلام السائدة؛ إذ إن الإعلام الأميركي تحديدًا هو إعلام المُتَنَفِّذِين المرتبطين بالضرورة بالقوى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المهيمنة. فنظام الإعلام الليبرالي في الديمقراطيات الرأسمالية هو شركات ربحية لها مساهمون ومستثمرون، وتربطها ببعضها البعض شبكة من علاقات الربح واقتسام سوق الإعلانات والجمهور، وترتبط بدوائر صنع القرار، سواء كانت ذات توجه سياسي واضح (ليبرالية أو محافظة) أو تلتزم بالحياد العقائدي. من هنا، نشأ إعلام الناشطين من أجل لفت النظر إلى قضايا سياسية واجتماعية وبيئية لم تَعُد على أجندة الإعلام العام، أو لم يوفر هذا الإعلام المرتبط بالسلطة السياسية مضمونًا مناسبًا حولها. فالنشطاء الذين يسعون إلى لفت نظر الرأي العام الأميركي أنشؤوا هذه القنوات غير الربحية للتعبير عن رفض الصمت والتحيز الذي تُمارِسه كبريات وسائل الإعلام الأميركية ضد الصوت الفلسطيني والقضايا الأخرى التي لا تريد النخب إثارة النقاش حولها.
ويتميز إعلام النشطاء بقدرته على إعادة توظيف عناصر الثقافة السائدة وتصميمها من جديد. ولا يُعَد هذا التوظيف ممارسة محايدة بل يحمل أبعادًا نقدية وتفكيكية ومُعارِضة. وبهذا المعنى، يعمل إعلام النشطاء بوصفه أداة للاعتراض والتشويش على السائد وإحداث التغيير الثقافي. وتُشير ليا ليفرو (Leah Lievrouw)(31) إلى مجموعة من الخصائص الأساسية لهذا النوع من الإعلام، فهو منخفض التكلفة، وضيِّق النطاق في التوزيع والوصول إلى الجمهور، ويُنْتَج خارج الأطر المُؤَسَّسِية والتجارية. ويُتِيح هذا الموقع الهامشي لإعلام النشطاء حرية أكبر للحفاظ على استقلاليته والقيام بدور نقدي يتجاوز القيود السياسية والثقافية المفروضة على الإعلام السائد.
ويتمثَّل الهدف الأساسي لإعلام النشطاء في التدخل في الخطاب السائد، ولا يكتفي بالتوثيق والتغطية الإخبارية، وهو لا يدِّعي الحياد، بل يتميز بذلك عن الإعلام السائد الذي يَدَّعي الموضوعية ويركز على نقل المعلومات. فإعلام النشطاء يسعى إلى إحداث تحوُّل في الخطاب السائد ويتحدَّى البنية السلطوية المسيطرة(32) من خلال التركيز على جوهر القضايا وأسبابها وتحليل الفعل ودوافعه وكشف العلاقات والسياسات، في معالجة تتسم بالعمق وتتجاوز مجرد نقل الأخبار المستهلكة.
ومن بين الأدوات التي يعتمدها إعلام النشطاء لمنع استمرار السردية المهيمنة ما يُعرَف بـ”تشويش الثقافة”، وهو شكل من أشكال المقاومة الموازية التي تستهدف رموز الإعلام السائد لكشف تناقضاته الأيديولوجية من خلال أساليب السخرية والتجريد من الأدوات المعرفية بهدف تقويض سلطة الإعلام السائد الرمزية على إطلاق السرديات(33).
ومن خلال تحدِّي السردية التي تُرَوِّج لها المؤسسة الأميركية بشأن إسرائيل وفلسطين، يُسْهِم إعلام النشطاء في إيصال الصوت الفلسطيني وإعادة توجيه النقاش العام حول فلسطين داخل الولايات المتحدة(34). فإعادة توجيه هذا النقاش يُمثِّل بالضرورة تفكيكًا للبنى السلطوية التي تستند إليها السياسات الأميركية في المنطقة، تلك التي اكتسبت تأييدًا واسعًا بين الأميركيين بسبب هيمنة تلك السردية الرسمية التي تُبَرِّر الدعم المطلق الذي تحظى به إسرائيل داخل المؤسسة السياسية الأميركية(35).
خامسًا: الخطاب وقوة الرواية
تُعَد القصص الإخبارية أكثر من أدوات للسرد؛ إذ تُشَكِّل أساسًا لفهم الكيفية التي تُسْهِم من خلالها وسائل الإعلام في تشكيل إدراك الناس للأحداث وبناء هويتهم وتحفيزهم على الانخراط في الفعل الجماعي، فالسرديات بوصفها تَمَثُّلات منطقية للواقع تنقل القيم الثقافية وتستثير الاستجابات العاطفية وتُوجِّه السلوك السياسي(36)(37).
ويُوظِّف الفاعلون السياسيون السرديات بوصفها أدوات للإقناع والسيطرة. فمثلًا، يُظْهِر ديفيد كوفمان (David Kaufmann)، ولوران بيرنهارد (Laurent Bernhard) كيف تقوم النخب السياسية بتأطير السياسات الخاصة باللاجئين من خلال سرديات الإساءة لهم(38)؛ إذ تتغلَّب السرديات المشحونة عاطفيًّا في التأثير على التفكير المنطقي. كما أن الغموض المتعمد في السردية الخاصة بالقضايا السياسية يؤدي إلى انفعالات عاطفية(39). ويُشير جون بوزويل (John Boswell)(40) إلى أن السرديات تسمح بإسقاط الأفراد لتجاربهم الذاتية على القصة غير أن هذه الأفكار التأويلية التي يُقَدِّمُها الباحثون تُثير إشكالات أخلاقية؛ لأنها تفتح الباب لإمكانية التلاعب بالعقول والعواطف. وهنا يرى إدوارد سعيد ضرورة الاهتمام الكبير بدوافع القصة التي تُروى؛ إذ تتساوى مع أهمية سرد القصة ذاتها(41).
وللسرد قوة كبيرة في إقناع الجمهور بالرسالة السياسية في الإعلام. وفي هذا السياق، يُشير الباحثان، إميلي موير جوس (Emily Moyer-Guse) وروبن نابي (Robin Nabi)، إلى أن قوة الإقناع بالسياسات والأفكار عن طريق السرد القصصي للأحداث تتعاظم ليس فقط بسبب ربط الفكرة بالعواطف والذاكرة، بل لأنها تُقَلِّل من مَيْلِ الجمهور إلى تحدِّي الرواية المنشورة برواية مضادة(42). كما تمتلك السرديات في الخطاب السياسي قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام وحشد العواطف وبناء الهويات السياسية لدى الجمهور. فالتوجيه الإستراتيجي للسردية يؤدي دورًا محوريًّا في العلاقات الدولية(43). وقد كرَّس إدوارد سعيد عقودًا من البحث والتحليل لمعرفة الكيفية التي أَنْتَج من خلالها المثقفون الغربيون منظومة معرفية صاغت سرديات الشعوب الأخرى (الشرقية عمومًا) في صور جرَّدتها من إنسانيتها؛ الأمر الذي أسهم في تشكيل العلاقة مع هذه الشعوب، ثم إخضاعها والسيطرة عليها لاحقًا(44). واستخلص سعيد أن السردية الغربية عن مجتمعات الشرق جاءت لتُعَبِّر عما أراده الرواة والرسامون والرحَّالة والفنانون والمُؤَلِّفون والسياسيون أن يكون عليه حال الشرق، وليس بالضرورة حقيقة مجتمعاته، كل ذلك بفعل قوة الرواية التي لم تخلُ من نسج الخيال(45).
- سرديتان من التناقض والتنافس
يُجْمِع الإعلام الأميركي السائد -وعلى مدار عقود- على دعم إسرائيل في كل خطوة تقوم بها ضد العرب والفلسطينيين، سواء كانت حروبًا قصيرة أو نزاعًا طويلًا، وبما يشمل احتلال عاصمة عربية أو قمع وتشريد وقتل الفلسطينيين وصولًا إلى شنِّ حرب على قطاع غزة قتلت خلالها أكثر من سبعين ألف شخص وتمت تسوية قطاع غزة بالأرض. ويَحْرِم هذا الإجماع الطرفَ الآخر، الفلسطيني، من فرصة تقديم نفسه للرأي العام الدولي وحقِّه في أن يُقاوِم هذا الاحتلال. لكن اللافت في السنوات الأخيرة، والأوضح في الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن النشطاء أخذوا على عاتقهم إيصال هذا الصوت داخل الولايات المتحدة الأميركية، وبما يُعَزِّز فَهْمَ الصراع، ومن خلال تقديم سياق أوسع وأشمل، وليس من منظور إخباري فقط.
2.1. الإعلام السائد: سردية استشراقية مؤيدة للاستعمار
بَنَى الإعلام السائد (نيويورك تايمز، فوكس نيوز، سي أن أن) سرديته عمومًا وفق منطق السبب والنتيجة؛ إذ بدأت التقارير والمواد الإعلامية بذكر هجوم حماس وادِّعاءات منسوبة إلى الحركة عن حرق أطفال إسرائيليين واغتصاب النساء، ثم انتقل إلى عرض الخطوات الإسرائيلية كردود أفعال؛ مما يُعَزِّز فكرة أن إسرائيل إنما تتحرَّك في إطار ردِّ الفعل. على المستوى الإنساني، تُظْهِر هذه السردية عملية أَنْسَنَة للإسرائيليين مقابل نزعها من الفلسطينيين؛ إذ تعرض معاناة الإسرائيليين بوصفها حزنًا إنسانيًّا طبيعيًّا في حين تُجَرِّد الفلسطينيين من تجاربهم الإنسانية وكياناتهم كأفراد. وتُحافظ التغطية على السردية المهيمنة المؤيدة لإسرائيل في الخطاب العام الأميركي بما يعكس ما وصفه إدوارد سعيد بـ”التقليد الاستشراقي” الذي يُقَدِّم إسرائيل بوصفها كيانًا مُتَحَضِّرًا ومُدافِعًا عن نفسه، بينما يُقَدِّم الفلسطيني/الآخر بوصفه عنيفًا وغير عقلاني(46).
أولًا: تبرئة القاتل ولوم الضحية
يتَّسم الخطاب الذي يُقَدِّمُه الإعلام السائد في أميركا بنبرة سلطوية تهدف إلى إضفاء الطابع الأمني/العسكري على الحرب من خلال الاعتماد المكثف على متحدثين عسكريين ومسؤولين حكوميين إسرائيليين وأميركيين. كما يعتمد هذا الخطاب على مصطلحات عسكرية وأيديولوجية إسرائيلية في توصيف ما يجري في القطاع، مثل وصف غزة بـ”بيئة ديناميكية خطيرة”، وأعمال المقاومة بـ”همجية خالصة” و”شر مطلق”، ووصف جنود الجيش الإسرائيلي والمستوطنين بـ”أبطال”، مُطْلِقًا أحكامًا أيديولوجية وأخلاقية تضع طرفًا في موقع البراءة والشرعية، وتُجَرِّم الطرف الآخر. كما تُعطي وسائل الإعلام المذكورة أولوية للسردية الإسرائيلية بوصفها “رواية المتحضر” في مواجهة الآخر “غير المتحضر”. كما تُنْتِج هذه الوسائل الإعلامية صورًا ذهنية تُقَدِّم الفلسطينيين أشياء لا شخصيات، وتُعِيد إنتاج المنظور العسكري/الأمني الإسرائيلي من خلال تفاصيل حسية ودرامية، مثل وصف الأنفاق والاشتباكات داخل المدارس في المستوطنات والمقاتلين الملثمين. وفي هذا السياق كتبت “فوكس نيوز”: “علينا أن نُوصِل هذه الرسالة إلى العالم، فهذا أمر بالغ الأهمية. أضاف بايدن: هذا ليس سلوكًا إنسانيًّا على الإطلاق، بل همجية خالصة، وسنفعل كل ما بوسعنا لإعادتهم إلى ديارهم إن تمكَّنا من العثور عليهم. وقد قُتِل أكثر من 3600 شخص -من بينهم 30 أميركيًّا- منذ أن شنَّت حماس هجومها على إسرائيل في السابع من أكتوبر؛ ما أدى إلى تحرُّك عسكري من قِبَل القوات الإسرائيلية”(47).
وعند تحميل الضحايا المسؤولية، يعمد الإعلام الأميركي السائد إلى تبرئة الجناة من الذنب. فعلى سبيل المثال، وصفت شبكة “سي أن أن” وفاة الطفلة رزان أبو ظاهر، التي تبلغ من العمر أربع سنوات، دون تسمية الجاني: “فارقت الحياة يوم الأحد” مع التقليل من أهمية السبب المباشر كما لو كانت الوفاة قدرًا محتومًا. فقد جاء في التقرير أن رزان “توفيت في أحد مستشفيات وسط غزة نتيجة مضاعفات ناجمة عن الجوع وسوء التغذية، بحسب مصدر طبي، وقد وُضِع جسدها الهزيل على لوح حجري”(48). ولا يكتفي هذا الخطاب بتخفيف المسؤولية عن وفاة الطفلة رزان، بل يستبدل بمفهوم المجاعة، الذي يرتبط مباشرة بالسياسات الإسرائيلية، مصطلحَ سوء التغذية الذي يمكن تبريره بنقص التنوع الغذائي وسوء الظروف الاقتصادية المحلية، وبهذا يُطْمَس الفعل السياسي والجنائي، ويخلق تأويلًا حول مسؤولية الاحتلال بأن المسؤول عن موت الطفلة غير معلوم.
وفيما يتعلق بتأطير الفاعلين والأحداث، يُقَدِّم الإعلام السائد حركة حماس بوصفها “منظمة إرهابية”، ويتَّهِمُها بـ”الاستخدام الانتهازي للسكان” و”تخزين المساعدات” و”استغلال النساء والأطفال” و”وضع مكافآت لقتل عمال الإغاثة”(49). كما يُقَدِّم وجود حماس باعتباره السبب الرئيس لمعاناة الفلسطينيين، غالبًا بدون موازنة ذلك بتأثيرات القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية. ويُسْهِم هذا التأطير في تشكيل الفهم العام للحرب، وتوجيه ردِّ فعل الجمهور الأميركي بما يُعَزِّز الإجماع على دعم السياسة الأميركية تجاه إسرائيل والفلسطينيين(50)(51).
كما أن هذه السردية لا تكتفي بتجريم حماس، بل تُحَمِّل أيضًا الفلسطينيين المدنيين مسؤولية معاناتهم من خلال ربطها بسلوك الحركة، بما يُعِيد إنتاج منطق “لوم الضحية” إطارًا استعماريًّا يُشَرْعِن استمرار الاحتلال والحصار(52)(53). بالمقابل، يُصوِّر الإعلام السائد العمليات العسكرية الإسرائيلية بوصفها إستراتيجية وضرورية وذات طابع دفاعي. فقد استخدمت “سي أن أن” عبارات، مثل “منع حماس من سرقة المساعدات”، التي تُشَكِّل شريان الحياة كقوافل الإغاثة الإنسانية و”القضاء على الإرهابيين”(54) لتبرير العنف الإسرائيلي ضد المدنيين، مُعَزِّزَة دور الضحية على الجانب الإسرائيلي بعرض قصص المحتجزين والقتلى الإسرائيليين بأسلوب إنساني مؤثر يُضفي عليهم الطابع الشخصي والعاطفي: “تُجسِّد -معركة- رفح العبقرية المنحرفة لإستراتيجية حماس، والمآزق الأخلاقية المستحيلة التي خلقتها الحرب وتعمَّدت إشعالها. فمن خلال شنِّ هجوم وحشي على إسرائيل، وارتكاب عنف جنسي واسع النطاق، وأخذ مئات الرهائن، ضَمِنَت حماس أن تَرُدَّ إسرائيل بقوة ساحقة. ومن خلال اختفائها بين السكان، ضَمِنَت أن يؤدي الردُّ الإسرائيلي إلى معاناة هائلة للفلسطينيين، وهي تعلم أن إسرائيل ستتحمَّل اللوم وأن دعم حماس سيتصاعد، ولاسيما في الضفة الغربية؛ حيث تُهيمن حركة فتح، خصمها الفلسطيني”(55).
ثانيًا: تشكيك في الرواية الفلسطينية رغم علانية المأساة
في تقارير الإعلام السائد عن أعداد الضحايا الفلسطينيين الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، غالبًا ما تُرْفَق الأرقام بتشكيك صريح أو ضمني في صحتها، والتأكيد على احتمال المبالغة فيها أو أن الأرقام غير دقيقة بذريعة أن المؤسسات الحكومية في غزة خاضعة لحكم حماس، بل إن الإعلام السائد يُكرِّر أن جزءًا من الضحايا هم من مقاتلي حماس. وكثيًرا ما تبدأ النصوص بالإشارة إلى أفعال حماس، تليها أفعال إسرائيل، ثم تُتْبَع ببيانات المؤسسات الفلسطينية، وهي الجهة الوحيدة التي لديها بيانات الضحايا، مرفقة بعبارة مثل: “لم يتسنَّ التحقَّق منها بشكل مستقل”، كما ورد في “نيويورك تايمز”: “أسفرت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة في القطاع عن مقتل ما لايقل عن 81 شخصًا وإصابة نحو 200 آخرين وفقًا لوزارة الصحة في غزة، والتي لا تُميِّز بين المدنيين والمقاتلين. وقال جهاز الدفاع المدني: إن الغارات الإسرائيلية أودت بحياة 77 شخصًا على الأقل منذ الإعلان عن الصفقة، ولم يتسنَّ التحقق من هذه الادِّعاءات بشكل مستقل”(56).
ومن منظور التحليل النقدي، يُعِيد هذا النمط من التغطية الصحفية إنتاج سردية هيمنة تنسجم مع موقف الدولة، وتتوافق مع المصالح الجيوسياسية الأميركية-الإسرائيلية، وتعمل على تهميش السرديات المضادة وتضييق الهامش المتاح للسردية الفلسطينية. ويحظى الخطاب الإسرائيلي بموقع متميز في الإعلام السائد في أميركا؛ حيث تُنْقَل الرواية الإسرائيلية دون مساءلة، وتحظى بالتعاطف والأَنْسَنَة لتعكس التحالف الجيوسياسي بين أميركا وإسرائيل. وكما بيَّن كوفمان وبرنارد، فإن السياسيين في الولايات المتحدة يستخدمون تلك السرديات لتبرير السياسة المساندة لإسرائيل، ويقمعون بسياساتهم وقوتهم العسكرية ما يناقض ذلك، لاسيما الخطابات التي تركز على ممارسات إسرائيل بوصفها دولة احتلال، وسياسات القتل وتجريد الفلسطينيين من الممتلكات والاستعمار الاستيطاني(57). إن إسرائيل تستفيد من الخطاب السائد في أميركا الذي يُسْهِم في الحيلولة دون وصول الحقيقة للناس ومعارضتهم لهذا النوع من الدعم المطلق.
ثالثًا: تغييب السياق والمحو التاريخي
يُقَدِّم الإعلام الغربي فصائلَ المقاومة الفلسطينية المسلحة غالبًا بوصفها “منظمات إرهابية”، استنادًا إلى لوائح وتشريعات حكومية غربية، وهو أمر واضح جدًّا في السياق الأميركي غير أن هذه التشريعات تُبْنَى على اعتبارات سياسية تتجاهل السياق التاريخي والقانوني لنضال الفلسطينيين من أجل الحرية وتقرير المصير. ويُسْتَخْدَم تجريد الأحداث من سياقها أداةً لتبرير السياسات تجاه إسرائيل والفلسطينيين.
ولا يُعَد تبنِّي الإعلام الأميركي السائد للخط الرسمي في السياسة الخارجية أمرًا استثنائيًّا؛ إذ كثيرًا ما يلجأ إلى إخراج الأحداث عن سياقاتها خلال تغطيته لسياسات لا يمكن تبريرها. فمثلًا، يتجاهل هذا الإعلام الظروف التي دفعت الفلسطينيين إلى تبنِّي المقاومة المسلحة بعد عقود طويلة من الاحتلال والحصار والتوسُّع الاستيطاني وحرمان الفلسطينيين من إيصال روايتهم. لذلك تُحوِّل وسائل الإعلام فَهْم الصراع بوصفه صراعًا مع الاستعمار إلى مشكلة أمنية لإسرائيل، ويُقَدِّم هذا الإعلام حقَّ الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال -وهو الأمر الذي يكفله القانون الدولي- باعتباره مشكلة أمنية انسجامًا مع الرواية الإسرائيلية(58)(59)، “فقد قُتل أكثر من 1200 شخص داخل إسرائيل في هجمات السابع من أكتوبر، وتمَّ احتجاز 251 رهينة وفقًا للسلطات الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، أدَّت الحرب الإسرائيلية ضد حماس في غزة إلى مقتل أكثر من 50 ألف فلسطيني وفقًا لوزارة الصحة في غزة، وتدمير مساحات واسعة من القطاع وخلق أزمة إنسانية مستمرة”(60).
ويَتِّبُع الإعلام الأميركي السائد النهج السياسي الحكومي في دعم إسرائيل ومنح الأولوية لسرديتها وصوتها. ولا يقتصر الأمر على تبرير الأفعال الإسرائيلية وتجريم الفلسطينيين بل يمتد إلى تجاهل وقائع الصراع وإخراج الأحداث عن سياقاتها، وبدء السرد من لحظة استخدام الفلسطينيين للسلاح بغضِّ النظر عن الخلفيات التاريخية. فالسياق الشامل المتمثل في استعمار إسرائيل للأراضي الفلسطينية منذ عقود يغيب إلى حدٍّ كبير عن التغطية الإعلامية. لذلك فإن هجوم السابع من أكتوبر وفقًا لهذا الإعلام هو سبب نشوب الحرب ولا شيء في خلفية هذا الحدث يستحق الإشارة إليه.
وفيما يتصل بتفاعل القوة في التغطية الإعلامية، لم يقتصر تشويه صورة المقاومة الفلسطينية على علاقة تقليدية بين قوي وضعيف، بل يتجاوز ذلك إلى إضفاء النزعة الأخلاقية على القوة المهيمنة؛ إذ تُقَدَّم إسرائيل قوةً تُمارِس “عنفًا مُبَرَّرًا في دفاعها عن النفس”، ويزعم هذا الخطاب أن الطرف الآخر استجلب لنفسه هذا المصير. ويندرج كلام الرئيس جو بايدن ضمن هذا الإطار الخطابي الذي قال فيه: إن حماس قطعت رؤوس أطفال إسرائيليين واغتصبت النساء، وهو ادِّعاء تبيَّن لاحقًا حتى في الإعلام الإسرائيلي أن لا صحة له(61)(62). ولكن هذا التصريح شكَّل مُبَرِّرًا مسبقًا لما سيتلوه من سياسة أميركية لم تكتف بعدم الدعوة إلى وقف النار، بل اندفعت خلف إسرائيل بالدعم غير المحدود وهي ترتكب جرائم الحرب بحق الشعب الفلسطيني.
2.2. إعلام النشطاء: إعادة الاعتبار لإنسانية المطالب وشرعية المقاومة
تُقَدِّم السردية التي يتبنَّاها إعلام النشطاء الحربَ على غزة لا بوصفها انفجارًا مفاجئًا للعنف، بل تَعُدُّها حلقة جديدة ضد مشروع استعماري استيطاني مستمر يهدف إلى التخلُّص من الفلسطينيين. فمن خلال الاعتماد على شهادات شخصية ومقابلات ميدانية موسعة وسرديات ذاتية، تنقل وسائل الإعلام (موندو وايس، بالستين كرونيكل، إلكترونيك انتفاضة) حجم الدمار واليأس الذي يعيشه سكان قطاع غزة. ويعمل المراسلون في الميدان، وبين الأنقاض، لإيصال حالة الناس، وكيف يُدمِّر الاحتلال الإسرائيلي المدن الفلسطينية ويُجوِّع الناس ويُهَجِّرُهم ويقتلهم بوحشية في ظل دعم غربي شبه مطلق وغياب أي نوع من المساءلة أو حتى التذمر من اتساع رقعة القتل والتدمير.
أولًا: السياق التاريخي لصراع القوة مع الاستعمار
يضع إعلام النشطاء الحرب على غزة في سياقها التاريخي بوصفها امتدادًا لنضال فلسطيني طويل يعود إلى العام 1948 ضد قوة استعمارية، وممارسة متواصلة عبر سياسات استعمارية دعمتها قوى عالمية منذ ذلك الوقت. ولا تَفْصِل هذه السردية أحداث السابع من أكتوبر عن جذورها البنيوية في سياق صراع القوة مع الاستعمار، بل تُقَدِّم الحرب بوصفها المرحلة الأحدث من “العنف المنهجي الذي تُمارِسه إسرائيل بحقِّ الفلسطينيين”(63)؛ حيث بُنِيَ الوجود الاستيطاني على مصادرة الأراضي الفلسطينية وإدامة المعاناة(64). كما أن هذه الوسائل الإعلامية لا تُقَدِّم الحرب بوصفها صراعًا بين طرفين متكافئين بل حربًا استعمارية للهيمنة يُمثِّل فيها الفلسطينيون مجموعة من الأفراد الذين يُقاومون محاولات الاحتلال لتجريدهم من أرضهم(65)(66).
ويستند هذا الطرح إلى تصريحات مباشرة لمسؤولين إسرائيليين تكشف نواياهم رغبةً في التخلُّص من الفلسطينيين من خلال السياسات المختلفة التي يطبقونها. فعلى سبيل المثال، نقلت عينة الدراسة عن وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، دعوته إلى التطهير العرقي للفلسطينيين في قطاع غزة بشكل علني كوسيلة لفضح نوايا الاحتلال: “دعا بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، إلى التطهير العرقي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، خلال مقابلة له مع إذاعة الجيش: علينا تشجيع هجرتهم، فلو كان هناك 100 أو 200 ألف في قطاع غزة وليس مليونين لتغيَّر شكل النقاش حول اليوم التالي للحرب. يجب أن يرحلوا، لقد عاشوا في الغيتو مدة 75 عامًا ويحتاجون للمغادرة(67).
ثانيًا: فضح التجويع سلاحًا في الحرب
يُقدِّم إعلام النشطاء التجويع والكارثة الإنسانية لا بوصفهما خسائر جانبية للحرب بل أدوات إخضاع تُسْتَخْدَم بشكل متعمد. وتعرض التقارير قصصًا لأشخاص ينتظرون ساعات طويلة للحصول على القليل من الماء أو الطحين باعتبارها مشاهد من المعاناة اليومية وأدلة على سياسة تجويع ممنهجة(68). ويجري توصيف المعاناة بلغة حسِّية كثيفة تنقل التجربة من مستوى الأرقام إلى مستوى التعايش الإنساني، مثل صورة الطفل الذي يستعد للاقتتال بمطرقة وسكين من أجل كيس طحين(69). وتهدف السياسات الإسرائيلية إلى “تشيئ” الفلسطينيين وإنهاء وجودهم بالجوع والإذلال وانتزاع إنسانيتهم ودفعهم للاقتتال من أجل الحصول على طعام.
ومن خلال تركيزه على معاناة المدنيين نتيجة منع الغذاء والدواء عن المرضى والنساء والأطفال، يُحوِّل إعلام النشطاء إجراءات الاحتلال إلى سياسة مصممة بعناية لا تحتاج إلى مبررات أمنية أو عسكرية أو ميدانية لمعاملة الفلسطينيين دون البشر، وتجويعهم إمعانًا في الإذلال والدفع بهم نحو التوحش وفقدان السيطرة على النفس عقابًا لهم. ففي هذه التغطية تركيز على وصف تأثير هذه السياسات على الإنسان، وتعظيم لهذا الأثر يفوق المبررات واللغة المخففة.
ثالثًا: الفلسطينيون يواجهون الانتهاكات بالصمود والمقاومة
لا يختزل إعلام النشطاء معاناة الفلسطينيين في سردية الضحية المطلقة؛ إذ يُقَدِّم المقاومة بوصفها فعلًا مستمرًّا خلَّاقًا ومشروعًا قانونيًّا وأخلاقيًّا. وتوصف عمليات إطلاق الصواريخ والاشتباكات لا بعمليات استفزازية بل بأشكال من المقاومة المشروعة للاحتلال، وبحالة الرفض(70)(71) لانتهاك الحقوق الفلسطينية في الحرية والاستقلال. كما تُبْرِز المقالات مظاهر الصمود الفلسطيني بمستويات مختلفة، مثل عودة النساء إلى زراعة أراضيهن أو استمرار الأطفال بالتحرُّك بين الركام بوصفها تعبيرات رمزية عن الرفض الجماعي للاختفاء من الوجود. وبهذا المعنى، فإن التغطية الإخبارية تُعِيد صياغة البقاء الفلسطيني ذاته بوصفه فعل انتصار يؤكد إخفاق مشروع الإبادة الإسرائيلي.
كما تنقل التغطية سرديةَ مقاومةِ الاحتلال حقًّا فلسطينيًّا غير قابل للمساومة، ويشمل هذا الحق حمل السلاح والقتال دفاعًا عن أرضهم وعائلاتهم، وهو حقٌّ أساسي تُنْكِرُه عليهم الدول الغربية وتُجَرِّمُه. وفي هذا السياق، تمنح هذه السردية الفلسطينيين حقَّهم الطبيعي للدفاع عن أنفسهم ضد القوة المُسْتَعْمِرَة، إسرائيل: “إن تاريخ الدولة الاستعمارية الصهيونية عبارة عن سلسلة مستمرة من العنف الذي ترتكبه ضد السكان الذين تحتلُّ أرضهم. ولكن هذه الحقيقة غير المريحة لصنَّاع الأسطورة الصهيونية وأحلام الليبرالية الصهيونية في استعادة إسرائيل ليست رأيًا، بل حقيقة تاريخية موثقة بدقة لا جدال فيها، ولا يمكن أن يُنكرها إلا الجاهل أو العنصري. لهذا، فإنه من الدقة القول: إن وجود الدولة الاستعمارية الاستيطانية على أرض فلسطين يُمثِّل أعمال عنف مستمرة. كما أن السمة المميزة لها، وطبيعتها المتأصِّلة التي بُنِيَت عليها ولا تزال تُحافظ عليها هي العنف الممنهج والمخطط له ضد الشعب الفلسطيني الذي سُرِقَت أرضه من أجل قيام هذه الدولة”(72).
رابعًا: تواطؤ المنظومة الدولية وتشجيع العدوان
تجاوزت الحرب حدود غزة وباتت صراعًا تشترك فيه قوى إقليمية ودولية؛ إذ يُقَدَّم الدور الأميركي لا بوصفه وسيطًا محايدًا، بل شريكًا مباشرًا في القتل من خلال تزويد إسرائيل بالسلاح. كما يُشير إعلام النشطاء إلى تواطؤ عدد من الأنظمة سواء بالصمت أو بالتعاون، ويُدين عجز المنظومة الدولية عن وقف الإبادة الجماعية، وهو ما يُمثِّل فشلًا أخلاقيًّا وسياسيًّا.
فمن خلال نشر التقارير الحقوقية التي تكشف تزويد أميركا لإسرائيل بالأسلحة التي تستخدم في انتهاك قواعد الحرب، توضح هذه التغطية أدوار الفاعلين الدوليين ومساهمتهم فيها، وتفتح المجال أمام حركات التضامن لمساءلة السياسيين والمؤسسات المتورطة في هذه الجرائم. فقد أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان موقف مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أنه بغضِّ النظر عن مدى التزام أحد أطراف النزاع، مثل حركة حماس، بأحكام القانون الدولي الإنساني، فإن الطرف الآخر يظل ملزمًا قانونيًّا بالامتثال لأحكام هذا القانون واحترامها. وأضافت المنظمة أن استخدام الأسلحة الأميركية في الهجمات الإسرائيلية التي تنتهك قوانين الحرب يجعل الولايات المتحدة -وأية دولة أخرى تُزَوِّد إسرائيل بالسلاح- شركاء في القتل، الذي يجري بمعدل غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة(73).
خامسًا: أنسنة السرد الإعلامي للتأثير في الرأي العام
تُعَد أَنْسَنَة الفلسطينيين عملية جوهرية في خطاب إعلام النشطاء، فمن خلال القصص التي تركز على النساء والأطفال والفئات الأكثر هشاشة، تُقَدَّم معاناة غزة في قالب إنساني مباشر يتحدَّى خطاب التجريم الإسرائيلي. وتُحوِّل هذه السرديات الألم الفردي إلى نداء أخلاقي مُوَجَّه للجمهور الغربي، كما تُفَنِّد الادِّعاءات الإسرائيلية التي تُنْكِر وجود مجاعة في القطاع. ويجري على سبيل المثال سرد رحلة أحد السكان بحثًا عن الغذاء(74) بتفاصيل المكان والزمان بدقة، كاشفًا عن رحلة عذاب يومية محفوفة بالمخاطر في محاولة للبقاء تجعل القارئ شريكًا وجدانيًّا في التجربة. فمن شأن الخطاب الأخلاقي المتجدد الذي تُقَدِّمه وسائل الإعلام أن يدفع باتجاه إعادة التفكير في القيم الشخصية والمعايير الإنسانية التي تدفع بالجمهور إلى بناء الموقف من الحرب وشرعية التضامن مع الفلسطينيين في حرب تُنْتِج مآسي تتنافى مع رغبة الرأي العام الأميركي. فقد سبق أن غيَّرت قسوة المشهد الإنساني الرأي العام الأميركي، عام 1972، عندما نُشِرَت صورة “فتاة النابالم” المروِّعة خلال الحرب الأميركية في فيتنام وكان لها تأثير كبير في تغيير الرأي العام ضد الحرب.
- تفاعل السرديات مع البنى الجيوسياسية
تكشف المقارنة بين تغطية الإعلام السائد وإعلام النشطاء في الولايات المتحدة لأحداث السابع من أكتوبر، والحرب على غزة، تباينًا حادًّا في بناء السرديات يعكس خطاب السلطة وممارستها للقوة، وكيف تتفاعل السرديات المتناقضة والمتنافسة مع البنى الجيوسياسية. كما تُظْهِر النتائج انقسامًا واضحًا في المشهد الإعلامي الأميركي؛ حيث بات الإعلام السائد يخسر السيطرة على السرد لصالح وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات البديلة بما فيها الإعلام الذي يقوده النشطاء ومجموعات التضامن.
يُقَدِّم الإعلام السائد أحداث السابع من أكتوبر بوصفها “هجومًا إرهابيًّا” يستوجب “ردًّا إسرائيليًّا”، ويقوم بتَمْثِيل الأفعال الإسرائيلية “دفاعًا عن النفس وذات مشروعية أخلاقية”، بينما تُنْسَب المعاناة الفلسطينية إلى حماس، أو تُعْرَض بصيغ مبهمة، أو تُبَسَّط تعقيدات السياسة لصالح الطرف القوي، كما وصفها بوزويل(75). ولذلك يُعِيد تثبيت سلطة إسرائيل من خلال إضفاء النزعة الأخلاقية على أفعالها، ويُقَوِّض قدرة وشرعية الفلسطينيين من خلال تجاهل حقِّهم في أرضهم ونفي صفة المقاتل الشريف عن مقاومتهم لهذا الاحتلال.
وفي المقابل، يضع إعلام النشطاء التجربة الفلسطينية في صدارة السرد مركِّزًا على سياسات تجريد الفلسطيني من ممتلكاته، ومقدمًا التجويع بوصفه سلاح حرب والممارسات الإسرائيلية جزءًا من حرب إبادة ممنهجة. كما تُبْرِز هذه السرديات إنسانية سكان غزة وتُؤَطِّر المقاومة بوصفها نضالًا مشروعًا ضد الهيمنة الاستعمارية بما ينسجم مع سردية المضطهدين(76)(77).
وتعكس هاتان السرديتان بنيتين اجتماعيتين مختلفتين داخل المجتمع الأميركي، إحداهما تتماهى مع تجربة الاضطهاد وتجد تأييد حقوق الفلسطينيين انعكاسًا لواقعها الاجتماعي كفئات مضطهدة، وأخرى تصطف مع الهيمنة وتُبَرِّر العقاب الجماعي(78). ولا يمكن الجزم بعلاقة سببية بين الخطاب والبنية الاجتماعية، إلا أنهما متلازمان(79). فالمجتمع الأميركي الذي تُسيطر عليه مؤسسات تحمل رؤية السيطرة والإخضاع يجد نفسه مغرقًا بمعلومات صحفية ومعرفية تُبَرِّر وتدعم سيطرة إسرائيل وإجراءاتها لإخضاع الفلسطينيين وتجريدهم من حقوقهم الوطنية.
3.1. سردية تفكيك الخطاب الاستعماري
يعرض الإعلام السائد أحداث السابع من أكتوبر بوصفها هجومًا غبر مبرر، وكان إدوارد سعيد أشار في كتابه: “الاستشراق” إلى أن الغرب يَعُد الفلسطينيين غير عقلانيين بينما يتم تجاهل عقود من احتلال إسرائيل لأرضهم وحصارهم(80) بما يُعيد إنتاج منطق لوم الضحية(81). وعلى النقيض من ذلك، يُعِيد إعلام النشطاء تأطير الحدث نفسه بوصفه كسرًا لجدار السجن(82)، ويضعه ضمن تاريخ طويل من مقاومة الفلسطينيين لعملية سلب أوطانهم. وفي هذا الإطار، تُقَدَّم مقاومة الفلسطينيين بوصفها دفاعية ومشروعة بموجب القانون الدولي انسجامًا مع ما تصفه الباحثتان، سوزان ماكنزي-مور (Suzanne McKenzie-Mohr) وميشيل لافرانس (Michelle Lafrance)، بالسرد المضاد الذي يهدف إلى تفكيك الأطر الاستعمارية المهيمنة(83).
3.2. تصدع هيمنة الخطاب الاستعماري في أميركا
تكشف سرديات الإعلام السائد عن اصطفاف واضح مع السياسة الخارجية الأميركية بما يُضفي الشرعية على الدعم العسكري والدبلوماسي لإسرائيل، في تعبير يؤكد مقولة تشومسكي: إن المعرفة التي يصنعها أصحاب النفوذ تُسَخَّر لخدمة مصالحهم، والخدمة هنا تتمثَّل في إعادة إنتاج الخطاب الإسرائيلي للجمهور الأميركي من أجل تأمين دعمه التام للسياسة الحالية، وصولًا إلى تطبيع إفلات إسرائيل من العقاب والحفاظ على التحالف الإستراتيجي الذي يخدم إسرائيل(84).
في المقابل، يُنْتِج إعلام النشطاء سردية بديلة حول غزة وفلسطين عمومًا تكشف طبيعة القوة الاستعمارية وتتحدَّاها. وإذا كان الإعلام السائد يُضْفِي الشرعية على عنف الدولة الإسرائيلية ويُجرِّم المقاومة الفلسطينية، فإن إعلام النشطاء يُقَدِّم سرديات مضادة تُعِيد أَنْسَنَة الفلسطينيين، وتضع نضالهم في إطار القانون الدولي وحق تقرير المصير. وتؤكد نتائج الدراسة قدرة السرديات المضادة على التصدي لخطاب الهيمنة وبناء التضامن(85)(86). من ناحية أخرى، تُشير النتائج إلى أن الإعلام الأميركي السائد يواصل إعادة إنتاج منطق “لوم الضحية” رغم حجم الدمار والقتل في غزة؛ مما يُسلِّط الضوء على العلاقة الوثيقة بين الإعلام والسلطة ومراكز القوة في المجتمع الأميركي، وخصوصًا في حالة القضية الفلسطينية. لكن في الوقت نفسه، تُبَيِّن الدراسة تَصَدُّع الهيمنة الإعلامية التقليدية في أميركا خلال الحرب على غزة، حيث نجح إعلام النشطاء في إيصال الصوت الفلسطيني وقصته خلال الحرب، وكشف جرائم جرى تجاهلها أو التقليل من شأنها في الإعلام السائد. وتُشير تحولات السردية إلى تَشَكُّل بنية اجتماعية وإعلامية تتسع لأصوات داخل الولايات المتحدة ترفض السردية الاستعمارية؛ ما قد يُسْهِم في خلخلة منظومة الإعلام التي طالما هيمنت عليها قوى استعمارية، ويكشف عن فجوة متنامية بين المؤسسة الإعلامية السائدة والأخرى الصاعدة؛ مما يشي بإمكانية انتهاء الإجماع العام على دعم إسرائيل غير المحدود ضد الفلسطينيين.
خاتمة
تكشف نتائج الدراسة تباينًا بنيويًّا حادًّا بين الإعلام السائد وإعلام النشطاء في الولايات المتحدة الأميركية في تغطية أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة، بما يعكس اختلافًا في أنماط إنتاج المعنى وعلاقته بالبنى الجيوسياسية وخطابات السلطة. فبينما يميل الإعلام السائد إلى تأطير الحدث بوصفه هجومًا إرهابيًّا غير مبرر، ويُقَدِّم الردَّ الإسرائيلي ضمن إطار الدفاع المشروع، تُخْتَزَل المعاناة الفلسطينية في صيغ مبهمة أو تُنْسَب إلى فاعلين فلسطينيين، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج خطاب يُشَرْعِن القوة ويُغَيِّب السياق الاستعماري.
ويتقاطع هذا التأطير مع ما طرحه إدوارد سعيد حول تَجَذُّر فكر الاستشراق في العقلية الغربية نتيجة التقديم الخاطئ والتشويه المقصود لمكونات الثقافة والممارسات في الشرق؛ حيث وجدت الدراسة أن الإعلام الأميركي السائد يُعيد تَمْثِيل الفلسطينيين ضمن صور نمطية تُنْزَع عنها العقلانية، مع تجاهل تاريخ طويل من الاحتلال والحصار، بما يُعَزِّز منطق لوم الضحية ويُعِيد تثبيت اختلال موازين القوة في الخطاب الإعلامي. وفي هذا السياق، يُسْهِم الإعلام السائد في تطبيع العنف الإسرائيلي البنيوي الذي تقوم به دولة استعمار عبر تقديمه ضرورةً أمنية أو أخلاقية.
في المقابل، يكشف إعلام النشطاء عن بناء سردية مضادة تضع التجربة الفلسطينية في مركز الخطاب، مع التركيز على سياسات الاجتثاث من الأرض والبيت ونزع الكرامة الإنسانية باستخدام التجويع أداةَ حربٍ، وتأطير الممارسات الإسرائيلية ضمن العنف الاستعماري. كما تُبْرِز هذه السرديات إنسانية الفلسطينيين، وتُعِيد تأطير المقاومة بوصفها نضالًا مشروعًا ينسجم مع القانون الدولي وحقِّ تقرير المصير، بما يتوافق مع أدبيات السرديات المضادة التي تهدف إلى تفكيك الأطر المهيمنة.
وتعكس هذه السرديات المتنافسة وجود انقسام اجتماعي داخل المجتمع الأميركي؛ حيث تتماهى بعض الفئات مع تجارب الاضطهاد وتتبنَّى خطابًا داعمًا للحقوق الفلسطينية، بينما تصطفُّ فئات أخرى مع بنى الهيمنة وتُعِيد إنتاج خطاب يُبَرِّر السياسات العقابية. وتُشير النتائج إلى ترابط وثيق بين الخطاب الإعلامي والبنية الاجتماعية، في ظل دور المؤسسات الإعلامية في إنتاج معرفة تخدم مصالح القوى السياسية، كما يؤكد تشومسكي.
علاوة على ذلك، تُظْهِر النتائج استمرار اصطفاف الإعلام السائد مع توجهات السياسة الخارجية الأميركية، من خلال إعادة إنتاج السردية الإسرائيلية وتطبيع الدعم لها، بما يُسْهِم في تعزيز حالة الإفلات من المحاسبة. في المقابل، يَبْرُز إعلام النشطاء فاعلًا مؤثرًا في إعادة تشكيل المجال العام عبر إنتاج سرديات بديلة تكشف طبيعة القوة الاستعمارية وتُعِيد أَنْسَنَة الفلسطينيين.
وتُشير الدراسة إلى تَصَدُّع متزايد في هيمنة الإعلام التقليدي في الولايات المتحدة، في ظل صعود الإعلام البديل ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما أتاح لإعلام النشطاء توسيع نطاق تأثيره وإيصال الرواية الفلسطينية إلى جمهور أوسع. وتدل هذه التحولات على تَشَكُّل فضاء إعلامي أكثر تعددية، بما قد يُسْهِم في إعادة تشكيل الإجماع السياسي والإعلامي التقليدي، ويفتح المجال أمام تحدي السرديات المهيمنة وبناء أشكال جديدة من التضامن مع فلسطين داخل الولايات المتحدة وضمن فضاءاتها الإعلامية.
المراجع
(1) Mariam Barghouti, “On October 7, Gaza broke out of prison,” aljazeera.com, October 14, 2023, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/ynv4mccs.
(2) Joe Biden, (@POTUS46Archive), Twitter, October 7, 2023, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/cykhd48v.
(3) “Timeline-Palestine Remix,” aljazeera.com, “accessed October 9, 2025”. https://tinyurl.com/yc27rdve.
(4) Norman Fairclough, Language and Power, 3rd ed, (New York: Routledge, 2015), 73.
(5) Ruth Wodak, “Crisis communication and crisis management during COVID-19,” Global Discourse, Vol. 11, Issue. 3, (2021): 329–353.
(6) Samuel Johnson et al., “Conviction narrative theory: A theory of choice under radical uncertainty,” Behavioral and Brain Sciences, Issue.46, (2023): 82.
(7) Lilie Chouliaraki, Norman Fairclough, “Critical Discourse Analysis in Organizational Studies, Towards an Integrationist Methodology,” Journal of Management Studies, Vol. 47, Issue. 6, (2010): 1213-1218.
(8) Amelia Arsenault, Manuel Castells, “Switching power: Rupert Murdoch and the global business of media politics,” International Sociology, Vol. 23, Issue. 4, (2008): 488-513.
(9) David Clementson, Tyler Page, “How spokespeople help or hurt business through crisis messaging: experiments testing the roles of narratives, non-narratives and counterargument,” Corporate Communications: An International Journal, Vol. 29, Issue. 4, (2023): 533-549.
(10) Fransiskus Surdiasis, Eriyanto Eriyanto, “Narrative of politics in the era of social media: a multimodal analysis of president joko widodo’s video blog,” E3s Web of Conferences, Vol. 74, (2018):10012.
(11) John Boswell, “The performance of political narratives: how Australia and Britain’s ‘fat bombs’ fizzled out,” The British Journal of Politics and International Relations, Vol. 18, Issue 3, (2016): 724-739.
(12) Martjun van Ooijen et al., “Opposing views on the urgency for healthcare changes in the Netherlands: a temporal narrative struggle,” Journal of Service Science and Management, Vol. 11, Issue. 4, (2018): 343-359.
(13) Angie Carter, “Placeholders and changemakers: women farmland owners navigating gendered expectations,” Rural Sociology,” Vol. 82, Issue. 3, (2016): 499-523.
(14) Rachel Chamberlain et al., “Competing discourses of power in teachers’ stories of challenging relationships with students,” Power and Education,” Vol.12, Issue. 2, (2020): 139-156.
(15) Aleksandr Zarnadze, “Invisible bullets: The power of narratives in modern warfare,” Global Policy, Vol. 16, Issue. 2, (2025): 419-422.
(16) Nataliia Steblyna, “Narrative in the field of political communications: the approaches of most cited papers on,” Web of Science, Issue. 3, (2019): 95-100.
(17) Jenn Lilly, “The altaVoces project: a digital narrative approach to anti-oppressive social work research with Latino youth,” Qualitative Social Work, Vol. 22, Issue. 3, (2022): 465-483.
(18) Yuna Blajer de la Garza, “The meek and the mighty: two models of oppression,” European Journal of Political Theory, Vol. 21, Issue. 3, (2020): 491-513.
(19) Julian Hasford, “Dominant cultural narratives, racism, and resistance in the workplace: a study of the experiences of young black Canadians,” American Journal of Community Psychology, Vol. 57, Issue.1-2, (2016): 158-170.
(20) Fábio Prado Saldanha et al., “Counter-narratives mobilized by deprived communities through theatre interventions: deconstructing and reframing master narratives,” Management Communication Quarterly, Vol. 37, Issue.3, (2022): 478-507.
(21) Suzanne McKenzie-Mohr, Michelle Lafrance, “Narrative resistance in social work research and practice: counter-storying in the pursuit of social justice,” Qualitative Social Work, Vol. 16, Issue. 2, (2017): 189-205.
(22) Dina Matar, “The struggle over narratives: Palestine as metaphor for imagined spatialities,” in Media and the Global South, eds. Mehita Iqani, Fernando Resende, (Routledge India, 2019), 170-185.
(23) Rym Ezzina, “Western’s media representation of Palestine,” International Journal of Progressive Sciences and Technologies, Vol. 25 Issue. 1, (2021): 357-365.
(24) Rose Brister, “Sounding the occupation: Joe Sacco’s Palestine and the uses of graphic narrative for (post)colonial critique,” Ariel a Review of International English Literature, Vol. 45, Issue. 1-2, (2014): 103-129.
(25) Micaela Sahhar, “Ephemera of a promised land: two travel guides in a reconstituted Jerusalemite family archive,” Mashriq and Mahjar: Journal of Middle East and North African Migration Studies, Vol. 10, Issue. 2, (2023): 8-41.
(26) Maha Al-Haddad, “Beyond the Mainstream: Counter-Hegemonic Narratives and Palestinian Digital Activism as Decolonial Praxis,” in Oxford Intersections: Social Media in Society and Culture, ed. Laeeq Khan, (Oxford, Oxford University PressOxford, 2025), n.p.
(27) Tamir Arviv, David Fisher, “From colonial geographic imagination to anti-colonial geographic memory in Israel / Palestine,” Human Geography, Vol. 9, Issue. 1, (2016): 79-82.
(28) Rose Brister, Belinda Walzer, “Kairos and comics: Reading human rights intercontextually in Joe Sacco’s graphic narratives,” College Literature, Vol. 40, Issue. 3, (2013): 138-155.
(29) Edward Said, Christopher Hitchens, Blaming the Victims: Spurious Scholarship and the Palestinian Question, (London: Verso Books, 2001), 1.
(30) Noam Chomsky, Imperial Ambitions, (Metropolitan Books, 2005), 25.
(31) Leah Lievrouw, Alternative and Activist New Media, (United Kingdom: Polity Press, 2023), 34.
(32) Ibid.
(33) Jonah Peretti, Michel Micheletti, “The Nike sweatshop email: Political consumerism, internet, and culture jamming”. Politics, products, and markets, (Routledge, 2017): 127-142.
(34) Noam Chomsky, Ilan Pappé, On Palestine, (United States: Haymarket Books, 2015), 12.
(35) Avi Shlaim, “The Impact of U.S. Policy in the Middle East,” Journal of Palestine Studies, Vol. 17, Issue. 2. (1988): 15-28.
(36) Toshie Imada, Steven Yussen, “Reproduction of cultural values,” Personality and Social Psychology Bulletin, Vol. 38, Issue. 10, (2011): 114-128.
(37) Badshah Alam et al., “Media narratives and tribal development in Jharkhand: Unraveling socio-economic realities,” European Chemical Bulletin, Vol. 12, Issue. 8, (2023): 9988-9995.
(38) David Kaufmann, Laurent Bernhard, “The use of the abuse policy narrative in asylum debates and its effects on citizens’ opinion formation,” Journal of Public Policy, Vol. 43, Issue. 2, (2022): 307-325.
(39) Elise Jing, Yong-Yeol Ahn, “Characterizing partisan political narrative frameworks about COVID-19 on Twitter,” Epj Data Science, Vol. 10, Issue. 1, (2021):53.
(40) John Boswell, “Why and how narrative matters in deliberative systems,” Political Studies, Vol. 61, Issue.3, (2012): 620-636.
(41) Edward Said, The world, the text, and the critic, (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2021): 90.
(42) Emily Moyer-Guse, Robin Nabi, “Explaining the effects of narrative in an entertainment television program: overcoming resistance to persuasion,” Human Communication Research, Vol. 36, No. 1, (2010): 26-52.
(43) Laura Roselle, “Strategic narratives and alliances: the cases of intervention in Libya (2011) and economic sanctions against Russia (2014),” Politics and Governance, Vol. 5, Issue. 3, (2017): 99-110.
(44) Edward Said, Orientalism, (New York: Vintage Books, 1979), 35.
(45) Ibid, 50.
(46) Ibid, 48.
(47) Greg Norman, “Biden: US ‘Workin’ like Hell’ to Free Gaza Hostages, foxnews.com, October 16, 2023, “accessed October 2, 2025”. https://tinyurl.com/3jxsuz8b.
(48) Ibrahim Dahman et al., “Four-Year-Old Girl Dies of Hunger in Gaza as Israel Throttles Food Supply.” CNN, July 20, 2025, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/mvch7xad.
(49) Ibid.
(50) Imada, Yussen, “Reproduction of cultural values,”: 114-128.
(51) Alam et al., “Media narratives and tribal development in Jharkhand: Unraveling socio-economic realities,”: 9988-9995.
(52) Chomsky, Imperial Ambitions, 25.
(53) Said, Hitchens, Blaming the Victims, 1.
(54) Nadeen Ebrahim, Kara Fox, “UK, France, Canada Threaten Sanctions If Israel Continues New Offensive into Gaza. Here’s What We Know,” CNN, May 19, 2025, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/mr2upzjr.
(55) Frida Ghitis, “Opinion: The Crux of Israel’s Challenge.” CNN, February 15, 2024, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/32k5mfka.
(56) Adam Ragson et al., “Israeli Vote on Cease-Fire Is Delayed as Diplomats Work on Details,” The New York Times, January 16, 2025, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/4ja6shzt.
(57) David Kaufmann, Laurent Bernhard, “The use of the abuse policy narrative in asylum debates and its effects on citizens’ opinion formation,” Journal of Public Policy, Vol. 43, Issue. 2, (2023): 307-325.
(58) Chomsky, Imperial Ambitions, 35.
(59) Said, Hitchens, Blaming the Victims, 1.
(60) Ibrahim Dahman, Nadeen Ebrahim, “Enough War’: Why Gazans Are Protesting Hamas Now,” CNN, March 26, 2025, “accessed October 8, 2025”. https://tinyurl.com/mswjzj7x.
(61) Aya Batrawy et al., “Biden Backs Israel over Gaza Hospital Blast and Forges Humanitarian Aid Deal,” npr.org, October 18, 2023, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/3sxefm9a.
(62) Biden, Joe (@POTUS46Archuve), Today, I spoke with @IsraeliPM about the appalling Hamas terrorist attacks in Israel. I offered our support and reiterated my unwavering commitment to Israel’s security. @FLOTUS and I express our heartfelt condolences to the families who have lost loved ones, X, October 7, 2023, “accessed October 1, 2025”. https://tinyurl.com/cykhd48v.
(63) Louis Allday, “Four Points on Solidarity after the Gaza Genocide.” Mondoweiss, May 24, 2024, “accessed October 1, 2025”. https://tinyurl.com/mumj5kfa.
(64) Craig Mokhiber, “No, Israel Does Not Have a Right to Defend Itself in Gaza, But the Palestinians Do,” mondoweiss.net, September 10, 2024, “accessed October 7 2025”. https://tinyurl.com/y7czy964.
(65) Tareq Hajjaj, “We’ve Turned into Monsters’: Famine and Genocide Are Changing Society in Gaza,” mondoweiss.net, June 19, 2024, “accessed October 9, 2025”. https://tinyurl.com/ydj9a5sr.
(66) Mitchell Plitnick, “Might the New Gaza Ceasefire Talks Succeed?,” mondoweiss.net, December 6, 2024, “accessed October 9, 2025”. https://tinyurl.com/4uxa2ve9.
(67) Michael Brown, “Nothing Is Voluntary about Fleeing Gaza and American Bombs,” The Electronic Intifada, January 1, 2024, “accessed October 10, 2025”. https://tinyurl.com/mvvb85bh.
(68) Tareq Hajjaj, “A Day in the Life Hunting for Food and Water during the Gaza Famine,” mondoweiss.net, May 8, 2025, “accessed October 9, 2025”. https://tinyurl.com/24t5bkva.
(69) Hajjaj, “We’ve Turned into Monsters,” op, cit.
(70) Allday, “Four Points on Solidarity,” op, cit.
(71) Mokhiber, “No, Israel Does Not Have a Right to Defend Itself in Gaza, But the Palestinians Do,” op, cit.
(72) Allday, “Four Points on Solidarity,” op, cit.
(73) Maureen Clare Murphy, “Israel Massacres Civilians to Maximize Pressure on Hamas,” The Electronic Intifada, July 17, 2024, “accessed October 3, 2025”. https://tinyurl.com/2zn3w4bk.
(74) Hajjaj, “We’ve Turned into Monsters,” op, cit.
(75) Boswell, “Why and how narrative matters,”: 620-636.
(76) Lilly, “The altaVoces project,”: 465-483.
(77) Saldanha et al., “Counter-narratives mobilized by deprived communities through theatre interventions,”: 478-507.
(78) Nader Dagher, From the Belly of the Beast, (Doctoral dissertation, University of Florida, U.S.A, 2025), 119.
(79) Fairclough, Language and Power, 37-38.
(80) Said, Orientalism, 35.
(81) Said, Hitchens, Blaming the Victims, 2.
(82) Barghouti, “On October 7, Gaza broke out of prison,” op, cit.
(83) McKenzie-Mohr, Lafrance, “Narrative resistance in social work research and practice,”: 189-205.
(84) Chomsky, Imperial Ambitions, 51.
(85) Roselle, “Strategic narratives and alliances,”: 99-110.
(86) Linus Hagström, Karl Gustafsson, “Narrative power: how storytelling shapes east asian international politics,” Cambridge Review of International Affairs, Vol. 32, Issue. 4, (2019): 387-406.