حقوق النشر والتأليف الصحفي في زمن الذكاء الاصطناعي: تحديات الواقع ورهانات الحماية
Copyright and Journalistic Authorship in the Age of Artificial Intelligence: Real-World Challenges and the Stakes of Protection
إعداد – by
عبد الرحيم بلشقار بنعلي – Abderrahim Belechkar Ben Ali
إشراف – Supervisor
د. خالد العنيكري – Dr. Khalid Elanigry
كلية اللغات والآداب والفنون، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، المغرب
Faculty of Languages, Literature and Arts
Ibn Tofail University, Kenitra, Morocco
السنة – Year
2026
اللغة: العربية – Language: Arabic
مقدمة
استشرت ظاهرة سرقة حقوق النشر والتأليف بشكل واسع في البيئة الرقمية، واتَّخذت أبعادًا غير مسبوقة في ظل بروز تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتَسَرُّبها إلى المشهد الاتصالي والإعلامي الرقمي. وقد نَسَفَت هذه الظاهرة الجهود التي تبذلها المواقع الإخبارية الرصينة في الحصول على السبق الصحفي والخبر الحصري، وإنجاز التحقيق الاستقصائي، والحوار المطول.
ويزداد خطر هذه الظاهرة إثر الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، التي أصبحت فضاء متاحًا لإعادة نشر المحتوى الصحفي من قِبَل حسابات مجهولة الهوية غالبًا، دون الالتزام بالقواعد المهنية والضوابط الحاكمة للنشر، لاسيما التنويه إلى المصادر الأصلية؛ مما يُعَقِّد مسألة المتابعة القانونية ويَحُدُّ من فاعلية آليات الحماية المتاحة.
وانطلاقًا من هذا الوضع، يسعى البحث إلى دراسة ظاهرة سرقة حقوق النشر الصحفي في العصر الرقمي، من خلال تحليل تجلياتها ومظاهرها وأشكالها المختلفة، واستكشاف العوامل المساهمة في انتشارها، سواء كانت قانونية أو تقنية أو ثقافية، في سياق المشهد الإعلامي المغربي. كما يهدف البحث إلى تقييم مدى ملاءمة الإطار القانوني المغربي لمواجهة هذه الظاهرة، والوقوف عند حدود فاعليته، واقتراح بعض السبل الكفيلة بالحدِّ منها وتعزيز حماية حقوق المُؤَلِّف في المجال الصحفي.
- الإطار المنهجي للبحث
إشكالية البحث
تُثِير سرقة المقالات الصحفية والأخبار الحصرية والتحليلات المعمقة وإعادة نشرها في مواقع إخبارية منافسة، وعبر منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وغيرها، إشكالية “حماية حقوق النشر”. وتكشف الظاهرة أن ثمة حاجة مُلِحَّة إلى ضمانات قانونية تَحُدُّ من هذه الممارسة، خاصة مع تطور التقنيات التكنولوجية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويزيد الوضع تعقيدًا أن التشريع المغربي لم يُعالج حتى اليوم هذا السطو على مجهودات الآخرين، ويُرَتِّب الجزاءات على من يَنْسُب ذلك إلى الإنتاج الذاتي، ويُنْكِر حقَّ الإبداع على صاحبه الأصلي، حتى وإن اندرج في بعض التصنيفات ضمن “جريمة التزييف”، وامتدَّ إلى “انتحال صفة صحفية”، ولم يوفر المشرِّع الحماية للإنتاجات الصحفية في المواقع الإخبارية بوصفها “حقوق نشر محفوظة”.
في الوقت الذي يكفل التشريع ذاته الحماية القانونية لحقوق المُؤَلِّف وحقوق الملكية بالتصدي للكتب أو المُؤَلَّفات المستنسخة، ومحاربة “الانتحال الجامعي” و”الانتحال العلمي”؛ إذ يُتيح للنيابة العامة التحرُّك التلقائي بأمر الشرطة القضائية بالحجز على المُؤَلَّفات أو الإصدارات المخالفة، فإن المحتوى الصحفي المعدَّل بالذكاء الاصطناعي لم يندرج بَعْدُ ضمن “المخالفات القانونية” الممكن تفعيل بنود زجرية في شأنها. فلا تزال النقاشات التشريعية بشأن تنظيم استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مراحلها التمهيدية بالبرلمان المغربي، ولم يتم تقديم مشروع قانون في هذا المجال إلا في أوائل العام 2025، نظرًا لحداثة الظاهرة وتعقيدها وصعوبة تحديد سمات المحتوى المحمي بحقوق النشر.
وفي هذا السياق، يحاول البحث الإجابة على هذا السؤال المركَّب: إلى أي حدٍّ أسهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل “شات جي بي تي” (ChatGPT) و”جيميناي” (Gemini)، في إعادة تشكيل ممارسات انتهاك حقوق النشر والتأليف الصحفي في البيئة الرقمية المغربية؟ وما مدى قدرة الإطار القانوني على مواكبة هذه التحولات؟
ويتفرَّع عن هذا السؤال الإشكالي الرئيسي للبحث، حقل استفهامي يتناول القضايا الآتية:
– ما حجم ظاهرة سرقة المقالات الصحفية واستنساخها وإعادة نشرها باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟ وما مدى امتدادها؟
– ما سمات المقالات الصحفية المسروقة التي يُعاد نشرها باستخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي؟
– ما أكثر الأجناس الصحفية التي تتعرَّض لظاهرة السطو والسرقة والاستنساخ؟
– كيف تتعامل المواقع الإخبارية الرصينة مع هذه الظاهرة الجديدة؟
– هل القوانين الحالية، وعلى رأسها قانون حقوق المُؤَلِّف، توفر حماية قانونية فعَّالة أم توجد بها ثغرات؟
فرضية البحث
ينطلق البحث من مجموعة من الفرضيات التي تسعى إلى تفسير ظاهرة سرقة حقوق النشر والتأليف الصحفي في ظل المستحدثات والتطورات التكنولوجية التي تعرفها البيئة الرقمية: ويمكن إجمالها في:
– استشراء عمليات سرقة المقالات الصحفية واستنساخ المواد الإخبارية يُكرِّس هشاشة الصحافة الرقمية ويُعزِّز الشعور لدى الصحفيين بانعدام الحماية الوظيفية.
– الإخلال بأخلاقيات وقواعد المهنة، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق النشر وحقوق التأليف الصحفي، يرتبط بعدم نضج بيئة العمل الصحفي الرقمي.
– ضعف التشريعات القانونية وهشاشة آليات تنفيذ العقوبات يُسْهِم في تنامي ظاهرة سرقة حقوق النشر والتأليف الصحفي في الفضاء الرقمي.
أهمية البحث
يكتسي هذا العمل البحثي أهمية معرفية قصوى بالنظر إلى راهنية الظاهرة التي يُعالجها وحداثتها، في خضم الثورة الرقمية التي يشهدها العالم مع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد كان الظهور الأول للبرنامج القادر على التحدث مع البشر بصورة أقرب للإنسان في أواخر سنة 2022، حينما أعلنت شركة “أوبن إي آي” (OpenAI) عن إطلاق “شات جي بي تي”. وسرعان ما عرف هذا التطبيق انتشارًا واسعًا؛ إذ بلغت قاعدة المستخدمين 200 مليون مستخدم في العالم أسبوعيًّا حتى منتصف سنة 2024 قبل أن تبدأ تطبيقات أخرى تُقَدِّم الخدمة نفسها في الظهور تباعًا، مثل “جيميناي”، و”غروك”… وغيرها.
وتَبْرُز أهمية تسليط الضوء على الموضوع في تطور استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، استنادًا إلى ما لاحظه الباحث في محيطه المهني، وما استقصاه في المسح الوصفي أثناء التخطيط للبحث ومراحل إعداده. فلا توجد حاليًّا أي دراسة تكشف حجم هذا التطور وامتداده في شكل إحصائيات وأرقام بل إن معالجة الموضوع في وسائل الإعلام الدولية لا تزال ضئيلة ومحدودة.
أهداف البحث
يقوم الباحث بمسح وصفي لظاهرة سرقة المقالات الصحفية واستنساخها وإعادة نشرها في مواقع إخبارية منافسة أو على صفحات بمنصات التواصل الاجتماعي، دون الإحالة على الموقع الناشر أو الصحفي محرر الخبر، بكونهما يمتلكان “حقوق النشر” و”حقوق التأليف”، وخاصة المقالات الصحفية التي تتسم بـ”الحصرية” و”السبق الصحفي”، بوصفها مواد نوعية تتطلب خبرة ومهارة وشبكة علاقات قوية ومصادر موثوقة، وأسلوب كتابة مميزًا، وصفة قانونية للنشر. وتتفرَّع عن هذا الهدف الأساسي أهداف فرعية تَتَمَثَّل في:
– تنوير الوسط المهني بهذه المعضلة التي تستفحل أبعادها، من خلال بعض المواقع الإخبارية المنافسة أو على صفحات بمنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وإنستغرام، وتويتر، وتيك توك، وغيرها.
– تنبيه الفاعل المؤسَّساتي في الدولة، سواء القطاع الوصي على وسائل الإعلام، أو البرلمان بصفته مؤسسة تشريعية، أو السلطة القضائية بوصفها ضامنة لحقوق الصحافة الإلكترونية أمام الانتهاكات والتجاوزات القانونية المضرة بالمهنة.
– تقديم توصيات تصبُّ في اتجاه ردِّ الاعتبار المعنوي والمادي للمتضررين، ومن بينها إحداث آليات للإبلاغ والرصد وتفعيل مقتضيات الزجر والردع.
– تفعيل بند العوائد من حقوق الملكية بعد النشر في المنصات.
منهج وأدوات البحث
اعتمد البحث مجموعة من الأدوات المنهجية في دراسة ظاهرة سرقة حقوق الملكية الفكرية في المجال الصحفي، والتي تتسم بالتكرار والاستمرارية والتراكم وتداخل أبعادها القانونية والتكنولوجية. وفي هذا الإطار، استند الباحث إلى الملاحظة التي ترصد ممارسات الواقع الميداني بشكل منتظم وتُشَخِّص كيفية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في استنساخ المقالات الصحفية، وذلك منذ مرحلة التفكير في موضوع البحث، والحرص على تدوين هذه الملاحظات بدقة وموضوعية، بما يُسْهِم في فهم أعمق للظاهرة. كما اعتمد الباحث المنهجَ الوصفي التحليلي بهدف رصد الظاهرة كما هي في الواقع، وتحليل أسبابها وأشكالها المختلفة وتفسير عوامل انتشارها. واهتم أيضًا بالمقارنة القانونية لتحليل النصوص التشريعية ذات الصلة، خاصة قانون الصحافة والنشر، وقانون حقوق المُؤَلِّف والحقوق المجاورة، فضلًا عن الاستئناس بالدراسات والتقارير الصادرة عن المجلس الوطني للصحافة. وفي الجانب التطبيقي، استعان الباحث بصحيفة الاستبيان التي تضمنت أربعة محاور رئيسية؛ إذ ركزت على البيانات الشخصية والمهنية للمبحوثين، وقياس حجم الظاهرة ومظاهرها، وتحديد علاقة الظاهرة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأشكال انتشارها، ثم تحديد آليات التعامل مع النزاعات المرتبطة بحقوق النشر والتوصيات المقترحة.
وفي سياق عملية اختيار العيِّنة التمثيلية، حصر الباحث مجال الدراسة في المواقع الإخبارية باللغة العربية بالمغرب، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2026، بوصفها مرحلة عرفت ازديادًا ملحوظًا في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعلى رأسها “شات جي بي تي”. وقد اشتغل الباحث -بين 16 و23 أبريل/نيسان 2026- على عيِّنة قصدية مختارة بناء على معايير مهنية محدَّدة، تشمل 37 صحفيًّا يتولَّون مناصب تحريرية داخل مؤسسات إعلامية رقمية. وقد توصل الباحث بنحو 22 مشاركة، في حين جرى استبعاد مبحوثين اثنين لم يستكملا جميع الإجابات، لذلك بلغ العدد النهائي لأفراد العينة 20 مبحوثًا.
وقام الباحث بتوزيع الاستمارة إلكترونيًّا، إضافة إلى مشاركتها عبر تطبيق “واتساب” مع عيِّنة من الصحفيين الذين تتوافر فيهم شروط المجتمع البحثي. وقد راعى في ذلك مبادئ النزاهة العلمية والموضوعية، والابتعاد عن أي أحكام مسبقة أثناء جمع المعطيات وتحليلها. ورغم محدودية حجم العيِّنة، فإنها تظل كافية لتقديم قراءة وصفية وتحليلية أولية للظاهرة، خاصة أنها تضم فاعلين مهنيين ينتمون إلى مواقع إخبارية مؤثرة على المستوى الوطني والجهوي.
- تحديات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحافة الإلكترونية
فرضت التحديثات المتسارعة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات متعددة أمام الصحافة الإلكترونية بالنظر إلى احتمالات استخدامه في أشكال غير قانونية، مثل انتهاك حقوق النشر، خصوصًا أن التشريعات الحالية لم تُعَزِّز بعد آليات حماية المواد الصحفية. كما تُعْتَمَد هذه التطبيقات “مصدرًا رئيسيًّا” للمعلومات والأخبار، سواء بدافع استعمالها المفرط، أو بالتعامل معها مرجعًا يقينيًّا لا يحتاج إلى مراجعة.
ولا تقتصر التحديات المذكورة على غرف الأخبار في الصحافة الإلكترونية فقط، وإنما تتجاوزها إلى مجالات وحقول أخرى، قياسًا إلى أن الصحفيين ليسوا وحدهم من يُوظِّفون نماذج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي، من أجل تسريع تحرير الأخبار والمقالات ومراجعتها لغويًّا والتحقُّق من بعض المعطيات، بل حتى صنَّاع المحتوى وأصحاب الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، الذين صاروا يتنافسون مع الصحف والمواقع الإخبارية في مواكبة الأحداث الراهنة، ومناقشتها في المجال العام الرقمي. واعتبارًا لما سبق، يَبْرُز تحديان رئيسيان على الأقل، أولهما تحدٍّ قانوني والآخر أخلاقي مهني.
التحديات القانونية
تطرح التحديات القانونية إشكالية أساسية تتمثَّل في صعوبة تحديد المُؤَلِّف وإشكالية الملكية الفكرية للمحتوى المُوَلَّد آليًّا. فإذا كان الصحفيون هم ركيزة وسائل الإعلام بصفة عامة، والصحافة الإلكترونية بصفة خاصة، فإن عدم تمتع الصحفيين بالحماية الفكرية لإنتاجاتهم المهنية، يفتح الباب على مصراعيه أمام سرقة واستنساخ مجهودهم الذاتي بإدخال بعض التعديلات على أسلوب الصياغة وتغيير العنوان، أو التلخيص، وغير ذلك من أساليب التعديل أو “التزييف”، ثم نشره عبر وسيلة أخرى، سواء كان موقعًا إخباريًّا منافسًا، أو موقعًا إخباريًّا غير ملائم، أو صفحة أخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي. فهل هناك آليات قانونية تضمن حماية حقوق التأليف للصحفي وحقوق النشر للموقع الإخباري؟
بالرجوع إلى التشريعات الحالية، وجد الباحث أن قانون الصحافة والنشر 13-88، يتطرَّق في المادة 41 إلى مسألة عامة ليست بالضرورة مرتبطة باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ إذ تُشير هذه المادة إلى أنه يتعيَّن على مدير نشر الصحيفة الإلكترونية فور توصله من صاحب حقٍّ محميٍّ بما يُفِيد وجود خرق حقوق المُؤَلِّف والحقوق المجاورة أن يُبَادِر إلى سحب المادة المعنية أو تعطيل الولوج إليها وتقديم الاعتذار عند توافر الشروط القانونية الواردة في التشريع المتعلق بحقوق المُؤَلِّف والحقوق المجاورة.
ورغم أن قانون المهنة أَطَّر الضوابط وحَدَّد الخروقات التي يمكن أن تطرأ من جانب المهنيين، ووضع القانون نصًّا صريحًا في حالة التنازع، إلا أن هناك فراغًا تشريعيًّا في معالجة النوازل التي تُفْرِزُها المستجدات التكنولوجية الحديثة. ومن المعلوم أن قانون الصحافة والنشر حسم حالة التنازع بين صحيفة إلكترونية ونظيرتها بحسب مقتضيات المادة 42، وقد جاء فيها: “تترتب على عدم الاستجابة لمقتضيات المادة 41 أعلاه، الجزاءات الواردة في قانون حقوق المُؤَلِّف والحقوق المجاورة، دون إسقاط الحقوق المرتبطة بالفترة السابقة للإشعار بالخرق”.
لكن ماذا إن كان مرتكب التجاوزات المرتبطة بحقوق النشر وحقوق المُؤَلِّف شخصًا ذاتيًّا ينسخ المواضيع والمقالات وينشرها عبر موقع إخباري غير حاصل أصلًا على الملاءمة القانونية، أو في صفحة على منصة فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك.. كيف يمكن للصحفي وللموقع الإخباري المتضرر استعادة حقوقهما المادية والمعنوية؟ وعبر أي وسيلة ومسار سيكون مسار التقاضي؟
هنا، يُلاحظ الباحث أن المكتب المغربي لحقوق المُؤَلِّف والحقوق المجاورة، لم يُصَنِّف بعد الإنتاج الصحفي ضمن المصنَّفات المشمولة بالحماية الصريحة، تحققًا بسريان أحكام القانون على المصنَّفات الأدبية والفنية التي تُعَد إبداعات فكرية أصيلة في مجالات الأدب والفن، ومنها المصنَّفات السمعية البصرية بما في ذلك المصنَّفات السينماتوغرافية والفيديو، أي إن الصحافة الورقية والإلكترونية، ليست مدرجة ضمن المصنَّفات بل إن المادة الثامنة تنص بصريح العبارة على أنه “لا تشمل الحماية المنصوص عليها في القانون ما يلي”؛ ومن بينها “الأخبار اليومية”.
مظاهر سرقة المحتوى
تأخذ أشكال الاعتداء على حقوق التأليف شكلين في الصحافة الإلكترونية: محتوى مكتوب (خبر حصري، سبق صحفي، مقال تحليلي، ريبورتاج، حوار مكتوب، تحقيق استقصائي)، ومحتوى سمعي بصري (استطلاع رأي، استجوابات حصرية، مقاطع مميزة من تظاهرة أو حدث أو فاجعة أو كارثة).
يتعرَّض محتوى الفيديو للقرصنة عبر عدد من المراحل: تحميل الفيديو، وتقسيمه إلى مقاطع، واستخدام تقنية زوم لتقريب اللقطات، وتسريع المشاهد في المونتاج، ثم تغيير ترتيبها، وإخفاء الهوية البصرية لمالك حقوق النشر، ووضع علامة الصفحة الفيسبوكية أو المواقع الإخبارية غير الملائمة.
وفي الصحافة المكتوبة، تمر سرقة المحتوى عبر مجموعة من المراحل، بدءًا بنسخ النص المُرَاد سرقته كاملًا، ووضعه في أحد برامج التطبيقات الذكية لتوليد النصوص، على غرار “شات جي بي تي” و”جيميناي”، انتهاء بطلب تغيير زاوية المعالجة أو كتابة مقال شبيه في الموضوع نفسه؛ مما يُسْهِم في تنميط الكتابة الصحفية بمختلف المواقع الإخبارية، ويؤدي إلى اندثار التمايز في الأسلوب.
التحديات الأخلاقية المهنية
لاحظ الباحث من خلال الدراسة المعمقة لنماذج التغطية الصحفية التقليدية، واستنساخ المادة الصحفية عبر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أن ثمة فروقات منهجية وشكلية في مراحل إنتاج الخبر الحصري. وهنا، يبدو لافتًا الفرق الشاسع في مراحل إنتاج المادة الصحفية والمدة الزمنية التي تستغرقها بحسب كل طريقة وخطوة من خطوات إعداد المواد الإعلامية ونشرها. ذلك أن طريقة الاستنساخ لا تتطلب سوى بضع نقرات في ثوان معدودة ليكون النص الخبري جاهزًا للإدراج. وهذا لا يمت بصلة إلى منهجية العمل الصحفي وأخلاقيات المهنة.
ولذلك فإن الطريقة التقليدية/الأولى التي تستند إلى قواعد العمل المهني (البحث عن المعلومة، والاتصال بالمصادر، والتحري وضبط المعلومات، واختيار الجنس الصحفي، وزاوية المعالجة، وتحرير المادة الصحفية، والمراجعة، والتدقيق…) وتنضبط لمنهجية الكتابة الصحفية، تبدو متباينة حدَّ التناقض مع الطريقة الثانية (نسخ النص من الموقع الإخباري، وإدراج النص في التطبيق وإعادة صياغة المقال، والمقال المسروق، وجاهز للنشر…). وتختلف هاتان الطريقتان في أهداف وجدوى النشر، أما الأولى فتضطلع بوظيفة الإخبار والتثقيف في إطار الضوابط والرسالة المهنية، وأما الثانية فتسعى إلى أهداف ترفيهية ومالية عن طريق جلب المزيد من المتابعات ورفع عدد النقرات والمشاهدات.
- واقع حقوق النشر والتأليف الصحفي وتحدياته
المجال الجغرافي للمواقع الإخبارية
تتألَّف مكونات العيِّنة من مواقع إخبارية تتقاسم صفة الاستقلالية التنظيمية والمؤسساتية؛ إذ لا ترتبط بانتماءات حزبية أو أي علاقات بمؤسسات حكومية. وتتميز هذه العيِّنة بتنوعها الجغرافي؛ إذ تضم مواقع إخبارية تنتمي إلى مختلف جهات المملكة، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية، مثل العيون والداخلة، إضافة إلى مناطق درعة تافيلالت، والشمال المغربي. وتشمل أيضًا تمثيلية القطبين الإعلاميين بالدار البيضاء والرباط وجهتين حيويتين، هما: مراكش-آسفي، وسوس-ماسة؛ مما يُعَزِّز من قيمة المعطيات التي تمَّ الحصول عليها، ويُسْهِم في تقديم قراءة أكثر شمولية للظاهرة موضوع الدراسة. ويُعَد هذا التنوع اختيارًا منهجيًّا مقصودًا يهدف إلى تحقيق تمثيلية مهنية وجغرافية تُتِيح رصد الاختلافات في الممارسات الصحفية، خاصة فيما يتعلق بأساليب التغطية بين المواقع الإخبارية التي تصدر في الأقاليم الجنوبية، ونظيراتها في جهات أخرى مثل جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أو جهة فاس-مكناس.
لقد أظهرت نتائج البحث -كما يظهر من خلال الشكل رقم (1)- تنوعًا في نطاق إصدار المواقع الإخبارية، وهو ما يُشَكِّل قيمة مضافة للدراسة، بالنظر إلى ما يُتِيحه هذا التنوع من إمكانية تحليل سمات الظاهرة موضوع البحث، ورصد أوجه التشابه والاختلاف في الممارسات المهنية، وكذلك في علاقة المواقع الإخبارية بظاهرة سرقة واستنساخ حقوق التأليف والنشر.
وتُبيِّن النتائج أن المواقع الإخبارية ذات الامتداد الوطني تُشَكِّل النسبة الأكبر في العيِّنة؛ إذ بلغت نسبتها 57.1% من مجموع مفردات العيِّنة، مقابل 42.9% للمواقع ذات الطابع الجهوي، وهو ما يعكس حضورًا متوازنًا نسبيًّا يضمن تمثيلية متعددة المستويات، ويُعَزِّز من دقة النتائج التي توصل إليها الباحث.
شكل (1): توزيع عيِّنة المواقع الإخبارية حسب النطاق الجغرافي
وتكشف نتائج البحث عن حضور نوعي للعنصر النسوي ضمن الفئة التي تتخذ القرارات داخل هيئات تحرير المواقع الإخبارية. كما أن نسبة تمثيلية الإناث تبلغ نحو خُمُس العينة (أي حوالي 20%)، مقابل أربعة أخماس للذكور (أي حوالي 80%)، وهو توزيع يعكس، إلى حدٍّ كبير، البنية العامة للحقل الصحفي بالمغرب، التي لا تزال تعرف تفاوتًا ملحوظًا بين الجنسين. وتنسجم هذه النتيجة مع معطيات دراسة صادرة عن المجلس الوطني للصحافة سنة 2024، والتي أشارت إلى أن نسبة الإناث تبلغ 30.32% في حين أن نسبة الذكور تُمَثِّل 69.68%؛ مما يوضح أن التمثيلية النسوية، رغم حضورها المتزايد، تظل بعيدة عن تحقيق التكافؤ داخل القطاع.
تمثلات المبحوثين لمبادئ حقوق المؤلف والنشر
تُظْهِر نتائج البحث تباينًا واضحًا في تقييم المبحوثين لأهمية حقوق المُؤَلِّف وحقوق النشر؛ إذ أكد 90% من أفراد العيِّنة أن مبادئ حقوق المُؤَلِّف وحقوق النشر تحظى بأهمية بالغة وضرورية في الممارسة الصحفية، في حين رأت أقلية المبحوثين بنسبة 10% أن هذه المبادئ متوسطة الأهمية، دون تسجيل أي موقف سلبي تجاهها؛ إذ لم يُعبِّر أي مبحوث عن عدم اهتمامه بهذه الحقوق.
وتُشير هذه النتائج إلى مستوى عالٍ من الوعي لدى مسؤولي التحرير في المواقع الإخبارية، سواء الوطنية أو الجهوية، بأهمية احترام أخلاقيات المهنة، والإدراك المتزايد للتحديات المرتبطة باستخدام المحتوى الصحفي في ظل انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وما قد يترتب على ذلك من انتهاكات لحقوق النشر والتأليف.
شكل (2): توزيع نسب تمثلات المبحوثين
لمبادئ حقوق المؤلف وحقوق النشر
تقييم انتشار ظاهرة سرقة المقالات واستنساخها
تُعَد سرقة واستنساخ المقالات الصحفية، التي تتسم بطابع السبق والحصري، من أكثر الظواهر شيوعًا؛ إذ بلغت نسبة انتشارها وفقًا لآراء أفراد العينة 75%. ولعل هذا المعطى يدعم الفرضية الرئيسية التي انطلق منها البحث (استشراء عمليات سرقة المقالات الصحفية واستنساخ المواد الإخبارية يُكَرِّس هشاشة الصحافة الرقمية، ويُعزِّز الشعور لدى الصحفيين بانعدام الحماية الوظيفية)، والتي تستند أيضًا إلى ملاحظات ميدانية للممارسة المهنية في الوسط الصحفي.
كما بيَّنت النتائج أن 20% من المبحوثين يرون أن الظاهرة شائعة بدرجة متوسطة؛ مما يرفع نسبة انتشارها الإجمالية إلى 95%. في المقابل، يرى 5% من أفراد العينة فقط أن ظاهرة سرقة واستنساخ المقالات محدودة ولا تُثير القلق. وتدل هذه المؤشرات على أن الظاهرة أصبحت شبه سائدة في البيئة الصحفية الرقمية.
وتلفت بعض الإجابات النظر إلى وجود فئة من المبحوثين لا تُبدي قلقًا كبيرًا تجاه تفاقم ظاهرة إعادة نشر المحتوى المنقول أو المستنسخ، سواء عبر المواقع الإخبارية أو على صفحات بمنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يُفَسَّر بأن بعض المؤسسات الإعلامية لم تتأثر بشكل مباشر بهذه الممارسات، أو لم تبلغ بعد مستوى التهديد الذي ينعكس على إنتاجها الصحفي. غير أن تباين هذه المواقف يعكس في الآن ذاته مستوى من الوعي بطبيعة الظاهرة وتحدياتها، ويؤكد الحاجة إلى تبنِّي إستراتيجيات تحريرية جديدة يمكنها التكيف مع التحولات الرقمية، خاصة في ظل الحضور المتنامي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وما تفرضه من منافسة متزايدة على إنتاج المحتوى الصحفي وتداوله.
شكل (3): توزيع نسب تقييم المبحوثين لانتشار
ظاهرة سرقة المقالات واستنساخها في المواقع الإخبارية
علاقة تطبيقات الذكاء الاصطناعي بتفشي ظاهرة سرقة الأخبار
تُظْهِر نتائج البحث تقاربًا في وجهات النظر بين المبحوثين بشأن العلاقة السببية بين تطور استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وظاهرة سرقة واستنساخ مجهودات الآخرين في المواقع الإخبارية. وقد اتفق 60% من أفراد العينة على وجود علاقة بين تفشي الظاهرة وتطور استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فيما استبعد 40% من المبحوثين هذا الاحتمال.
ويلفت هذا التباين في الآراء الانتباهَ إلى اختلاف عميق في تقدير طبيعة العلاقة بين التطور التكنولوجي والممارسات المهنية. كما يدل على أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يزال محلَّ نقاش في الوسط الصحفي بين من يراه عاملًا مباشرًا في تفاقم الظاهرة المدروسة، ومن يَعُدُّه عاملًا من عوامل أخرى مؤثرة.
شكل (4): توزيع نسب علاقة تطبيقات
الذكاء الاصطناعي بتفشي ظاهرة سرق الأخبار
تطور ظاهرة سرقة المقالات الصحفية وإعادة نشرها
يقيس هذا المحور البحثي مدى إدراك المبحوثين لتطور ظاهرة سرقة المقالات الصحفية وإعادة نشرها دون الإشارة إلى حقوق الناشر والمُؤَلِّف، في ظل سهولة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد كشفت النتائج تباينًا في آراء المبحوثين، يمكن تصنيفه إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية.
أظهر الاتجاه الأول موافقته (أوافق بشدة/أوافق) على اقتران ظاهرة سرق المقالات الصحفية وإعادة نشرها بالتطور التكنولوجي دون الإشارة إلى حقوق الناشر والمُؤَلِّف، وذلك بنسبة إجمالية بلغت نحو ثلثي العينة؛ إذ جاءت درجة “أوافق بشدة” بنسبة 36.4%، وحلَّت درجة “أوافق” في المرتبة الثانية بـنسبة 31.8%، وهو ما يعكس إدراكًا واسعًا لاقتران الظاهرة وتناميها بالتطور التكنولوجي.
في المقابل، يُمَثِّل الاتجاه الرافض لعلاقة انتشار الظاهرة بالتطور التكنولوجي حوالي ثلث العينة بنسبة 31.8% (لا أوافق)؛ إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن هذه الممارسات لا تشهد تطورًا ملحوظًا، أو لا ترتبط بشكل مباشر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويُشير هذا التباين إلى اختلاف في تقدير حجم الظاهرة ومدى ارتباطها بالتطور التكنولوجي، ويعكس أيضًا تباينًا في الخبرة المهنية أو في مستوى التعرُّض المباشر لهذه الممارسات في البيئة الصحفية.
شكل (5): توزيع نسب تطور ظاهرة سرق المقالات وإعادة نشرها
مصادر سرقة المقالات الصحفية
تُعَد المواقع الإخبارية المنافسة أكثر المصادر المرتبطة بعمليات سرقة المقالات الصحفية وإعادة نشرها دون احترام حقوق الناشر والملكية الفكرية بنسبة بلغت 44%. ويُحيل هذا المعطى إلى طبيعة المنافسة الحادَّة في الحقل الصحفي الرقمي، وما قد يُصاحبها من ممارسات غير مهنية تمسُّ حقوق التأليف والنشر.
وتأتي في المرتبة الثانية صفحات على منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وإنستغرام وغيرهما، بنسبة 30%، وهو ما يُشير إلى الدور المتنامي لهذه الفضاءات في إعادة تداول المحتوى الصحفي خارج الأطر المهنية والقانونية، خاصة في ظل ضعف آليات المراقبة وصعوبة تتبُّع الجهات القائمة عليها.
وتحلُّ المواقع الإخبارية التي لا تتوفر على الملاءمة القانونية في المرتبة الثالثة بنسبة 17%، وهو ما يؤشر على حجم التحديات التي تُثيرها هذه الفئة من المواقع، سواء من حيث احترام الضوابط القانونية أو الالتزام بأخلاقيات المهنة. وجاءت الحسابات الوهمية عبر منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 9%. وتُشير هذه النتائج في مجملها إلى تعدُّد مصادر انتهاك حقوق النشر الصحفي، وتؤكد أن الظاهرة لا تقتصر على فاعل واحد، بل تمتد لتشمل مختلف مكونات الفضاء الإعلامي الرقمي؛ مما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا، ويُظْهِر الحاجة الماسَّة إلى مقاربات تنظيمية ومهنية أكثر صرامة للحد من هذه الممارسات.
شكل (6): توزيع نسب مصادر سرقة المقالات الصحفية
المواد الصحفية الأكثر عرضة للسرقة والاستنساخ
تَتَبَّع الباحث الأجناسَ الصحفية التي تتعرَّض أكثر من غيرها لظاهرة السرقة والاستنساخ، وتبيَّن أن السبق الصحفي يتصدَّر قائمة الأجناس الأكثر تعرُّضًا للانتحال وإعادة النشر، وقد أكد ذلك 18 مبحوثًا، بنسبة 90% من مجموع أفراد العينة. ويليه الخبر الحصري؛ الذي يتعرَّض أيضًا للسرقة والاستنساخ، كما أفاد 16مبحوثًا بنسبة 80% من مجموع أفراد العينة. وجاء بعد ذلك المقال التحليلي الذي أوضح ثلاثة مبحوثين أنه يتعرَّض للسرقة والاستنساخ بنسبة 15%، ثم الحوار المطوَّل والمقابلة الصحفية؛ إذ لم يحظيا إلا باختيار مبحوث واحد بنسبة 5%. وقد فسحت صحيفة الاستبيان المجال للمبحوثين لاختيار أكثر من متغير، وهو ما يُفَسِّر تجاوز مجموع المتغيرات لنسبة 100%.
وتقترن هذه النتائج بالمواد الصحفية ذات القيمة الإخبارية العالية، مثل السبق الصحفي والخبر الحصري، الأكثر استهدافًا، قياسًا إلى أهميتها في تحقيق التميز المهني وجذب الجمهور. كما تخضع إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها:
– تراجع الالتزام بأخلاقيات المهنة لدى بعض الفاعلين في المجال الإعلامي الرقمي.
– سهولة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وما تُتِيحه من إمكانيات لإعادة إنتاج المحتوى بسرعة وبأساليب يصعب تتبُّعها.
وتُسلِّط هذه المعطيات الضوء على إشكالية أخرى تتعلق بمصداقية بعض المواقع الإخبارية، التي تنشر تغطيات إخبارية شاملة في مناطق متعددة رغم محدودية مواردها البشرية وشبكة مراسليها، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مصادر هذه المواد الصحفية، ومدى احترامها لحقوق النشر والتأليف.
تدبير النزاع ومآلاته في حال سرقة المحتوى
تُبيِّن نتائج البحث الصعوبات الإجرائية والقانونية لاستعادة الحقوق في حالة رصد سرقات أدبية للمقالات الصحفية من المواقع الإخبارية، ولعل ما يُفَسِّر هذا المعطى هو قصور القوانين الحالية في مواكبة خصوصيات البيئة الرقمية وتطور ممارسات استنساخ المحتوى الصحفي، وفي مقدمتها قانون المؤلف والحقوق المجاورة للمؤلف.
وتوضح إجابات أفراد العينة بخصوص مآل النزاعات المرتبطة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية أن 66.7% من المبحوثين يُفضِّلون تجاهل هذه القضايا تفاديًا لاستنزاف الجهد، وهو ما يُثبت وجود صعوبات عملية في تَتَبُّع هذه الانتهاكات ومباشرة الإجراءات القانونية بشأنها. في المقابل، أفاد 26.7% من المبحوثين أن هذه النزاعات تنتهي بالتوصل إلى حلول ودية تتمثَّل أساسًا في الاستجابة لطلب حَجْب المادة محل النزاع وتقديم اعتذار، وذلك طبقًا لمقتضيات قانون الصحافة والنشر.
ويُشير 6.6% إلى أن النزاع يتحوَّل إلى مواجهة قانونية حول حقِّ الملكية، وهو ما يُرسِّخ التعقيدات المرتبطة بإثبات الانتهاك، خاصة في ظل استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تُيَسِّر إعادة إنتاج المحتوى بطرق يصعب تتبعها أو إثبات مصدرها الأصلي.
شكل (7): توزيع نسب مآل النزاع حول حقوق النشر
آليات ووسائل الإبلاغ عن انتهاك حقوق الملكية
يختلف التنازع حول حقوق الملكية بين المواد المكتوبة والمواد المصورة خلال نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ ذلك أن الممارسة العملية تُثْبِت أن المحتوى المصور، وخاصة الفيديو، يحظى بآليات تقنية أكثر فاعلية لرصد انتهاكات حقوق الملكية. ففي حالة الفيديو، تُخَوَّل أنظمة المنصات الرقمية إمكانية التبليغ عن المحتوى المنتهك مُعَزَّزًا بأدلة إثبات الملكية؛ مما يدفع إدارات هذه المنصات إلى اتخاذ إجراءات قد تصل إلى حذف المحتوى المخالف أو المعدل، وتوجيه إنذارات إلى الجهات الناشرة. ويَبْرُز ذلك بشكل خاص على منصات مثل فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام، التي تعتمد على أنظمة رقمية متقدمة لحماية المحتوى السمعي البصري.
وعلى النقيض من ذلك، تظل هذه الآليات محدودة أو شبه غائبة في المقالات المكتوبة؛ مما يجعل المواقع الإخبارية المتضررة تواجه صعوبات كبيرة في استرداد حقوقها في حالات السرقة الأدبية، نظرًا لتعقيد إثبات الانتهاك وغياب أدوات تقنية فعَّالة للمراقبة.
وتُجسِّد نتائج البحث بوضوح هذه الإشكالية؛ إذ أفاد نحو 60% من المبحوثين بامتناعهم عن مراسلة الجهة المُنْتَهِكَة في حالة سرقة المحتوى لأسباب تقنية وقانونية، في حين لم يتلقَّ 31.8% من المبحوثين أيَّ ردٍّ عند محاولة التواصل، بينما كشف 9.1% فقط عن لجوئهم إلى الإبلاغ عن انتهاك حقوق الملكية، بغضِّ النظر عن مآل هذه الإجراءات.
شكل (8): توزيع نسب آليات الإبلاغ عن سرقة المحتوى
تأثيرات ظاهرة سرقة المقالات الصحفية على معدل الزيارات
لطالما شكَّلت الزيارات قاعدة مهمة في النشاط الاقتصادي للمواقع الإلكترونية؛ إذ كلما ارتفع معدل الزيارات اليومي والشهري، تعزَّزت قوتها التفاوضية مع المعلنين والمستشهرين. ومن هنا، تَبْرُز الحاجة في البحث لمعرفة التأثيرات المباشرة على أفراد العيِّنة؛ إذ أكد نحو 62% من المبحوثين أن عمليات سرقة المواد الصحفية المكتوبة تُلْحِق أضرارًا مادية بمداخيل المؤسسة الصحفية.
وخلافًا لذلك، نفى 38 % من المبحوثين أن يكون هناك تأثير اقتصادي لسرقة المقالات الصحفية الحصرية على المواقع الإخبارية التي يشرفون على إدارتها. وهنا، يغيب أي تفسير منطقي، فالأرجح أن ضعف التأثير قد يكون مرتبطًا بطبيعة النموذج الاقتصادي للموقع الإخباري، والذي يقوم على عقود إشهار وإعلانات مُمَوَّلَة من جهات حكومية وكيانات اقتصادية.
ويُشير الباحث إلى أن المواقع الإخبارية التي تعتمد في نشاطها الاقتصادي على المحتوى السمعي-البصري أكثر من المواد المكتوبة -وكانت تحقق مداخيل مهمة من “الأدسنس”- تتعرَّض بدورها للقرصنة؛ ذلك أن عمليات سرقة المحتوى الصحفي بالفيديو هي الأخرى ظاهرة لافتة تحتاج إلى دراسة منفصلة لفهم سماتها وحجم انتشارها وتأثيراتها.
شكل (9): توزيع نسب تأثيرات ظاهرة
سرقة المقالات الصحفية على معدل الزيارات
معدل التوعية بأهمية حقوق النشر والمؤلف
يُشير مستوى التوعية بأهمية حقوق النشر والتأليف الصحفي إلى مدى انخراط المواقع الإخبارية بالمغرب في تأطير صحفييها، وتمكينهم من المعارف الأساسية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية وأنواعها وحدودها وعلاقتها بباقي المفاهيم القانونية، بما في ذلك حقوق المُؤَلِّف والملكية الصناعية وبراءات الاختراع، فضلًا عن إرشادهم إلى سبل احترامها وحمايتها أثناء الممارسة المهنية. غير أن نتائج البحث كشفت وجود قصور شديد في هذا الجانب؛ إذ نفى 63.6% من المبحوثين استفادتهم المسبقة من أي تأطير أو المشاركة في دورات تكوينية في هذا المجال. في المقابل، أكد 36.4% فقط استفادتهم المسبقة من التأطير أو المشاركة في دورات تكوينية لها علاقة بحقوق الملكية والفكرية.
وتُشير هذه النتائج إلى ضعف الاهتمام بالتكوين المستمر داخل بعض المؤسسات الإعلامية الرقمية؛ مما يُضْعِف الوعي المهني بحقوق النشر والتأليف، وتُبيِّن أهمية وضرورة تطوير برامج تكوينية متخصصة لتعزيز القدرات المهنية للصحفيين، وتمكينهم من الإحاطة بالجوانب القانونية المرتبطة بالمحتوى الإعلامي في البيئة الرقمية.
شكل (10): توزيع نسب معدل التوعية بأهمية حقوق النشر والمؤلف
آليات زجرية لمواجهة سرقة المقالات الصحفية
يؤدي المساس بحقوق الملكية الفكرية وحقوق المُؤَلِّف إلى انتشار الفوضى في الوسط المهني جرَّاء استمرار وجود ثغرات وفراغات في التشريعات الحالية تُحَجِّم من قدرتها على الردع الحازم لهذه الظاهرة. وفي هذا السياق، سعى الباحث إلى إشراك أفراد العينة المستجوبة في بلورة التوصيات المقترحة في هذا الصدد، وذلك اعتمادًا على توجيه سؤال متعدد الاختيارات يتعلق بالآليات الزجرية الأكثر ردعًا لمواجهة ممارسي سرقة المقالات الصحفية. وقد أظهرت نتائج البحث أن 43% من المبحوثين يؤيدون توجيه المجلس الوطني للصحافة -بوصفه هيئة للتنظيم الذاتي للمهنة- إنذارًا للموقع الإخباري الذي ينتهك حقوق النشر. فيما أيدت نسبة 9.5% عقوبة سحب البطاقة المهنية، الذي يندرج ضمن الاختصاصات الحصرية للمجلس، وهو ما يُبيِّن ثقة المستجوبين في هذه المؤسسة من جهة، رغم تسجيل عدد من الملاحظات حول بعض أعضائها خلال سنة 2025، ويزكِّي من جهة أخرى قناعة لدى المهنيين بضرورة تدبير النزاعات المهنية داخل الإطار المؤسسي للقطاع.
وارتأى 19% من أفراد العيِّنة طلب التعويضات المالية؛ إذ يعتقدون أن العقوبات ذات الطابع المالي قد تُمَثِّل آلية فعَّالة للحدِّ من ظاهرة السرقة الأدبية وانتهاك حقوق النشر في المجال الصحفي، بالنظر إلى طابعها الردعي المباشر. وتوزعت إجابات أخرى بين اللجوء إلى القضاء واقتراح عقوبات أخرى غير محددة بنسبة 14.3%. وإجمالًا، يميل أغلب المبحوثين إلى إحالة مثل هذه القضايا إلى المجلس الوطني للصحافة بوصفه الجهة الأنسب للبتِّ فيها.
استنتاجات
أحدث ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحوُّلًا لافتًا في سلوكيات الأفراد والمجتمعات بما في ذلك المجالات والحقول المهنية، مثل الحقل الصحفي. فقد أسهمت هذه التقنيات والوسائل التكنولوجية -التي تمتلك قدرة تضاهي العقل البشري- في تسهيل جمع المعطيات وتنظيمها وتنسيقها وتوليدها في أي شكل من الأشكال، وذلك عبر محادثات آنية ونتائج فورية في ثوان معدودة، تختصر الوقت والجهد والمال. غير أن التطور يُهدِّد بتعطيل وظائف العقل الإنساني وتشجيعه على الجمود والكسل والاتِّكال والتجرد التام من التفكير العقلي والمبادرة الذاتية في التخطيط والإعداد والإنجاز، ليس فقط في مجال الكتابة والتعبير بصفة عامة، وإنما في مجالات مختلفة.
ومن هذا المنطلق، صار لزامًا على تجمع ناشري الصحف والمجلس الوطني للصحافة التفاعل العاجل مع إفرازات هذا التطور الذي يُهدِّد جودة العمل الصحفي ويضع مستقبله على مسارات غير واضحة المعالم. فقد أظهرت الملاحظة الميدانية لعيِّنة من المواد الصحفية، التي أُعِيد إنتاجها بأدوات الذكاء الاصطناعي، وجود تقارب كبير في الأسلوب، وتكرار في أنماط الكتابة، وضعف في توثيق المصادر، مع الاعتماد على صيغ عامة أو غير دقيقة، سواء في التغطيات الإخبارية أو في الريبورتاجات أو التحقيقات. ومن جملة تداعيات الظاهرة على الجمهور/المتلقي أن كل محتوى إخباري منشور على شبكة الإنترنت، يُعَد مادة دسمة للاستهلاك وإشباع الحاجة لمعرفة المستجدات، دون التحقُّق من هوية الموقع الإخباري أو المنصة الناشرة للأخبار. أما المؤسسة الصحفية فتخسر الاستثمار وجهد العاملين الصحفيين، ولا يشفع لها تقيُّدها بقواعد المهنية والأخلاقيات؛ إذ تتسابق بسرعة ضد التيار المتصاعد، ثم في الأخير تَفْقِد نسبة من قرَّائها ومتابعيها.
وبالنظر إلى النتائج المستخلَصة من الملاحظة والاستبيان، يظهر بالملموس أن امتدادات استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في السرقة الأدبية وسرقة الملكية الفكرية، تتَّجه نحو تمييع مجال الصحافة الرقمية والنشر الصحفي وإنتاج المحتوى الإعلامي عمومًا، بسبب استحسان الإنسان بصفة عامة البحث عن “منطقة الراحة”، ونتيجة للجشع المفرط في الحصول على “النقرات” و”الإعجابات” و”المتابعات”، وتحقيق موارد وعائدات من رفع معدل الزيارات للمواقع أو المنصات الإعلامية المختلفة.