ملخص:
تتقصَّى الدراسة التحولات التي أحدثتها الشبكات الاجتماعية في تَمْثِيل الحروب والنزاعات المعاصرة، انطلاقًا من حالتي الحرب على العراق (1991–2003) وقطاع غزة (2023)، والمقارنة بين خطابات الإعلام الغربي ومنظوره للتغطية الإخبارية في هاتين الحالتين من خلال الإجابة على هذا الحقل الاستفهامي: ما الفارق بين بغداد وغزة وهما تُقْصَفَان في وسائل الإعلام الغربية؟ وهل يعود هذا الفارق إلى عامل زمني فقط أم إلى تحولات تكنولوجية وجيلية أعادت تشكيل المجال الإعلامي العالمي؟ وكيف تمكَّن جيل الشبكيين من تقويض هيمنة السردية الإسرائيلية ودفع الرواية الفلسطينية إلى الواجهة على صعيد عالمي؟ وتنطلق الدراسة من مقاربة تحليلية مقارنة بين الحالتين في العراق وغزة لاستقصاء دور الشبكات الاجتماعية في إعادة تشكيل واقع الحروب المعاصرة، وتعتمد إطارًا نظريًّا يستند إلى أطروحة جان بودريار (Jean Baudrillard) حول فوق-الواقع، ولاسيما مقولته الشهيرة: “حرب الخليج لم تقع”، بمعنى أن تَمْثِيلات وسائل الإعلام الغربية للحرب حوَّلتها إلى نوع من “فوق-الواقع” الذي حَجَب عن الجمهور حقيقة العنف والدمار، وقدَّم الحرب في صورة تقنية نظيفة وذكية. وتُجادِل الدراسة بأن التحوُّل من البيئة الإعلامية التقليدية إلى البيئة الرقمية الشبكية -في حالة حرب الإبادة على غزة- أدَّى إلى انتقال الخطاب الإعلامي من صيغة مركزية مُؤَدْلَجَة إلى سرديات سائلة ولا مركزية، باتت تُنْتَج وتُتَدَاول عبر الفضاء الرقمي. ففي حالة الحرب على العراق، هَيْمَنَت المؤسسات الإعلامية الغربية على تَمْثِيل الحرب وصياغة سرديتها. أما في الحرب على غزة عام 2023، فقد تحوَّلت الشبكات الاجتماعية إلى ساحة مركزية للصراع السردي؛ حيث أسهم المستخدمون، وخاصة “جيل الشبكيين”، في إنتاج وتداول محتوى ميداني مباشر أعاد تشكيل وإدراك الرأي العام العالمي للحرب. وتخلص الدراسة إلى أن التحوُّل في تَمْثِيل الحروب لا يرتبط فقط بتغيُّر زمني وحسب، بل أيضًا بتحولات عميقة في البنية التكنولوجية والجيلية للمجال الإعلامي؛ إذ أتاحت الشبكات الاجتماعية إمكانات غير مسبوقة لتفكيك السرديات الرسمية ومنافسة الهيمنة الإعلامية التقليدية، رغم ما واجهته الرواية الفلسطينية من أشكال متعددة من الرقابة والمنع والحذف الرقمي للمحتوى المؤيد للفلسطينيين.
كلمات مفتاحية: إعلام، الحرب على العراق، الحرب على غزة، الإخفاء، فوق-الواقع، الشبكات الاجتماعية.
Abstract:
This study examines the transformations wrought by social media in the representation of contemporary wars and conflicts, based on the cases of the wars on Iraq (1991–2003) and the Gaza Strip (2023). It compares Western media discourse and its approach to news coverage in these two contexts by addressing the following guiding question: what distinguishes Baghdad from Gaza as each is bombarded in Western media? Is this difference merely a function of time, or does it reflect deeper technological and generational shifts that have reshaped the global media landscape? And how has the networked generation succeeded in undermining the dominance of the Israeli narrative and bringing the Palestinian narrative to the forefront on a global scale? Adopting a comparative analytical approach, the study investigates the role of social media in reconfiguring the reality of contemporary warfare in both Iraq and Gaza. It draws on a theoretical framework grounded in the work of French sociologist Jean Baudrillard, particularly his concept of hyperreality and his well-known proposition in The Gulf War Did Not Take Place– namely, that Western media representations transformed the war into a form of “hyperreality” that obscured the reality of violence and destruction, presenting it instead as a clean, technical and “smart” war. The study argues that the shift from a traditional media environment to a networked digital one- in the case of the genocidal war on Gaza- has led to a transformation in media discourse from a centralised, ideologically driven format to fluid, decentralised narratives produced and circulated across digital spaces. During the war on Iraq, Western media institutions largely dominated the representation of the conflict and the construction of its narrative. By contrast, in the 2023 war on the Gaza Strip, social media emerged as a central arena of narrative contestation, where users, particularly the “networked generation”, played a key role in producing and disseminating real-time, on-the-ground content that reshaped global public perception of the war. The study concludes that the transformation in the representation of war is not merely a matter of temporal change, but also the result of profound technological and generational shifts within the media sphere. Social media has enabled unprecedented capacities to deconstruct official narratives and challenge traditional media dominance, despite the multiple forms of censorship, suppression and digital content removal faced by pro-Palestinian narratives.
Keywords: Media, War on Iraq, War on Gaza, Concealment, Hyperreality, Social Media.
مقدمة
لم تكن وسائط الاتصال في يوم من الأيام محايدة أو مستقلة بل ارتبطت دائمًا بالبنية الاجتماعية والسلطة التي تُنْتِجُها، وبطرائق تشكيل الوعي الجمعي، والسياقات التاريخية للسلم والحرب. فقد تركت كل تقنية اتصال جديدة آثارها الاجتماعية وتأثيرها الاقتصادي والسياسي في المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها. ويُشير المؤرخ آسا بريغز (Asa Briggs) إلى أن تقنيات الاتصال الحديثة -من الطباعة إلى الراديو والتليفزيون- أسهمت في إحداث تحولات عميقة في المجتمعات الحديثة. فقد ساعد انتشار الطباعة في دعم حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر (Martin Luther) في القرن السادس عشر، كما مكَّن التلغراف الرئيس الأميركي، أبراهام لينكولن، من إدارة العمليات العسكرية والتواصل السياسي خلال الحرب الأهلية الأميركية. كذلك استُخدِمت وسائل الاتصال الحديثة أدواتٍ للدعاية السياسية وتوجيه الرأي العام، كما حدث في توظيف الراديو والسينما من قِبَل النظام النازي بقيادة أدولف هتلر ووزير دعايته، جوزيف غوبلز، إلى جانب ما أظهرته مرحلة الحرب الباردة من أهمية وسائل الاتصال في تشكيل السرديات الأيديولوجية المتنافسة.
ولم تكن الحروب بعيدة عن هذه التحولات الإعلامية؛ إذ أصبحت وسائل الاتصال أحد أهم الفضاءات التي تُبْنَى فيها سرديات الحرب، وتُعاد صياغة معانيها أمام الرأي العام. فتَمْثِيل الحروب في وسائل الإعلام لا يقتصر على نقل الوقائع بل يتضمن عمليات انتقاء وتأطير وتأويل تُسْهِم في إنتاج روايات متباينة حول الحدث نفسه.
في سياق هذه التحولات، ومع نهاية القرن العشرين، فسحت شبكة الإنترنت المجال لظهور شبكات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الهواتف الذكية وخدمات الرسائل الفورية، والمدونات والمشاريع التعاونية والعوالم والألعاب الافتراضية؛ مما منح جمهور الشبكيين، الذين انتقل حيز واسع من حضورهم الواعي إلى الفضاءات الرقمية، القدرةَ على التواصل والتعاون والتنقل افتراضيًّا، وإمكانيةَ بناء المعنى والخطاب الاجتماعي والسياسي عبر تحويل الدور التقليدي للناس من مستهلكين سلبيين للمحتوى إلى منتجين نشطين. وقد أشار مانويل كاستلز (Manuel Castells) إلى هذه التحولات بوصفها أهم ملامح “المجتمع الشبكي”؛ حيث أصبحت شبكات الاتصال الرقمية فضاءات مركزية لإنتاج الخطاب السياسي وتداوله.
ضمن هذا التوجه، تَبْرُز إشكالية تَمْثِيل الحروب في الفضاء الإعلامي الشبكي، خصوصًا مع الانتقال من هيمنة وسائل الإعلام التقليدية إلى تَعَدُّد السرديات التي تُنْتِجُها الشبكات الاجتماعية. وفي هذا السياق، تحاول الدراسة الإجابة على هذا الحقل الاستفهامي: ما الفارق بين بغداد وغزة وهما تُقْصَفَان في وسائل الإعلام الغربية؟ وهل يعود هذا الفارق إلى عامل زمني فحسب أم إلى تحولات تكنولوجية وجيلية أعادت تشكيل المجال الإعلامي العالمي؟ ثم كيف تمكَّن “جيل الشبكيين” من تقويض هيمنة السرديات الإعلامية التقليدية، ودفع الرواية الفلسطينية إلى الواجهة على صعيد عالمي؟
تنطلق الدراسة نظريًّا من أعمال جان بودريار حول علاقة الإعلام بالواقع، ولاسيما مفاهيم المحاكاة والاصطناع أو إنتاج الواقع الرمزي، التي تُشير إلى قدرة وسائل الإعلام على إعادة إنتاج الواقع في صور وتَمْثِيلات قد تنفصل تدريجيًّا عن مرجعها المادي. وفي هذا السياق يتحدث بودريار عن ظاهرة فوق-الواقع (Hyperreality)(1)؛ حيث تختلط الحدود بين الواقع وتَمْثِيله الإعلامي إلى حدٍّ يُصبح فيه التَّمْثِيل أكثر حضورًا وتأثيرًا من الحدث نفسه. وفي مثل هذه الحالة قد يؤدي التدفُّق الكثيف للصور والرموز الإعلامية إلى ما يُسَمِّيه بودريار اختفاء الواقع أو تلاشيه خلف تَمْثِيلاته الإعلامية؛ إذ يغدو الحدث كما يُعْرَض في وسائل الإعلام بديلًا عن الحدث كما يقع في الواقع.
وهنا، تفترض الدراسة أن تَمْثِيلات الحرب على العراق في الخطاب الإعلامي الغربي قد اتسمت بدرجة عالية من التأطير الأيديولوجي؛ إذ قُدِّمت في كثير من الأحيان في صورة “حرب نظيفة”، وهو ما يُقارِب الطرح الذي قدَّمه بودريار في تحليله لـحرب الخليج الثانية (1991) حين جادل بأن الحرب كما ظهرت في وسائل الإعلام تحوَّلت إلى نوع من “فوق-الواقع” الذي حَجَب كثيرًا من مظاهر العنف والدمار على الأرض. في المقابل، تُشير التحولات التي أحدثتها الشبكات الاجتماعية إلى إمكانية نشوء فضاء سردي مغاير، أتاح لفاعلين شبكيين متعددين المشاركة في إنتاج روايات بديلة للحرب وتداولها عالميًّا، بما في ذلك إبراز الرواية الفلسطينية، رغم ما تعرَّضت له من أشكال مختلفة من الحَجْب والتضييق وصولًا إلى الإبادة الرقمية.
منهجيًّا، تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية مقارنة بين تَمْثِيلات الحرب على العراق (1991–2003) والحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وذلك من أجل الكشف عن التحولات التي أحدثتها الشبكات الاجتماعية في بنية الخطاب الإعلامي للحروب المعاصرة، وعن الدور الذي بات يقوم به الفاعلون الشبكيون في إعادة تشكيل العلاقة بين الواقع الميداني وتَمْثِيله الإعلامي.
- واقع الحروب وتمثيلاتها عبر وسائل الإعلام والشبكات
1.1. التحكم في الوسائط: حروب ضد الإعلام وبواسطة الإعلام
تحدث آسا بريغز وبيتر بورك في كتابهما: “التاريخ الاجتماعي للوسائط” عن أهم ما يُميِّز عالمنا عن العوالم التي سبقته، ويتمثَّل ذلك في “الثورة التي حدثت في مجال الاتصالات والمعلومات والوسائط، حتى أصبح الكثيرون، وهم محقُّون في ذلك، يختزلون كل التقدم الذي أنجزه العالم المعاصر في تلك النقلة في تكنولوجيا الاتصالات والوسائط”(2)، من ثورة الطباعة ووسائل النقل، والتليفون واللاسلكي والتليفزيون، وصولًا إلى عصر الإنترنت والفضاء الرمزي. وقد جعل ذلك “العالم مُعَدًّا لازدهار ما عُرِف بـ”الوسائط الجماهيرية” وكانت القيادة لوسيط قديم -الصحافة-“(3)، غير أن هذا التقدم ما لبث يتبلور ويكتسب مساحات أوسع، وجماهير أكثر، حتى “سيطرت المصالح العسكرية والتجارية الخاصة على تطور هذه التكنولوجيا الإعلامية الجديدة”(4). يؤكد ذلك كثير من المواقف التاريخية السياسية والعسكرية التي قامت فيها الوسائط الجماهيرية (الصحافة) بأدوار مهمة، ليس فقط في عرض وتفسير الأحداث، ولكن أيضًا في صنعها وإخراجها إعلاميًّا لتُعْرَض على الجماهير، مثل حرب فيتنام، وحرب الخليج الثانية، وهجوم الولايات المتحدة على ليبيا، وهجوم حلف الناتو على صربيا وغيرها. و”كل هذه الأحداث التاريخية أُرِّخ لها، وفُسِّرت بطرق متنوعة من جانب المؤرِّخين، كما وُصِفَت من جانب الصحافة والتليفزيون بشكل لا يقلُّ تنوعًا في حينه.. وبدت الحقيقة -كقيمة ضرورية خلف الصحافة والتليفزيون- في خطر.. وعلى شاشة السينما والتليفزيون، والكابل أيضًا، كان من الصعب فصل الحقيقة عن الخيال”(5).
وفي ظل تنوُّع النشاط الإعلامي وتزايد قدرة وسائطه على الوصول إلى الوقائع الميدانية، تدخلت السلطات لابتكار طرق جديدة للسيطرة على المعلومات التي تنقلها الصحافة، وحدث ذلك بشكل متزايد عندما توطدت العلاقة بين الحرب ووسائل الإعلام، وتحوَّلت الحرب تدريجيًّا، من ساحات القتال والعتاد العسكري، إلى آليات دعائية وتكتيكات إعلامية ومشهدية، وفي أحيان كثيرة تمَّ الجمع بينهما، إما من أجل ضمان النجاح في المعركة عبر التحكُّم فيما يُنْشَر عنها، أو الحفاظ على معنويات الجنود والمدنيين عبر التعتيم والتضليل، أو إعطاء الشرعية والمبررات بعد انتهاء المعركة. “ففي الحرب العالمية الأولى مثلًا، عيَّنت وزارات الحرب موظفين في الصحف لمراقبة التغطية، وفي الميدان مُنِع الصحفيون من الوصول إلى العمليات العسكرية نفسها”(6). أما في حرب فيتنام “فقد أراد البنتاغون إدارة عملية التزويد بالأنباء باستخدام أشرطة الفيديو والموجزات الصحافية، ونُظِر إلى الإعلام في ظل هذه الظروف أداةً للدعاية الرسمية فقط، ولا حقَّ للجمهور في المعرفة زمن الحروب تحت غطاء الأمن القومي”(7)، ولذلك خضعت النصوص والتقارير للرقابة، ومُنِعَت الصحف من إرسال مراسليها إلى مناطق القتال.
ويبدو أن التفكير في العلاقة سالفة الذكر -بين الحرب ووسائل الإعلام- يعني النظر في الطريقة التي تنخرط بها وسائل الإعلام في الصراعات والحروب، سواء بوصفها أهدافًا للهجوم (حربًا ضد الإعلام)، أو أدوات مساندة للهجوم (حربًا بواسطة الإعلام). واستنادًا إلى هذا التمييز، بحسب أرنولد ميرسيي (Arnaud Mercier)، يمكن الإشارة إلى أربعة تطورات رئيسية تضافرت لتجعل من الحروب الحديثة، وقبل كل شيء، عروضًا إعلامية(8)، منها التصوير الفوتوغرافي، وتقنيات البث الحي، وعولمة الإعلام، وتراجع شرعية الرقابة الصريحة. وقد زاد من فاعلية هذه العناصر تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التي أتاحت إمكانات غير مسبوقة لزيادة التداخل والتقارب بين مختلف الوسائط، عن طريق دمج النصوص والصور والأصوات، وتجاوز قيدي الزمان والمكان.
ونتيجة توجه المجتمعات المعاصرة حثيثًا نحو التبنِّي والاستخدام المتزايد لتكنولوجيا المعلومات، بحثًا عن مخرج للأزمات المتتالية التي كان يُواجهها النظام العالمي، أصبح الحديث عن مجتمع شبكي ممكنًا، بصفته ذلك المجتمع الذي يستمد حضوره من تكنولوجيا المعلومات المهيكلة شبكيًّا، والتي امتدت -أي تكنولوجيا المعلومات- لتشمل جميع النظم الاجتماعية تقريبًا، بما فيها النظام الاجتماعي (شبكات التواصل الاجتماعي) والاقتصادي (الاقتصاد الرقمي) والسياسي (الحملات الانتخابية الرقمية والرأي العام الشبكي) والديني العَقَدي (السوق الدينية الافتراضية) وغيرها. وقد دفع ذلك أغلب الأجهزة والمؤسسات الاستخباراتية والعسكرية حول العالم إلى إدماج مبادئ مجتمع المعلومات، وواقع العالم المترابط شبكيًّا، ضمن عُدَّتِها الإستراتيجية، وهو ما جعل “التحكُّم في الحرب ذا أهمية إستراتيجية مماثلة للقدرة على تعطيل اتصالات العدو”(9).
1.2. إدارة الحروب عبر الشبكات: السرد العابر للوسائط
عرَّف كاستلز الشبكات بـ”البنية الاجتماعية لعصر المعلومات”(10)؛ إذ تُمَثِّل حالة من الترابط البنيوي بين نقاط متباينة (يُطْلَق عليها عادة اسم العقد)، متصلة إجمالًا بواسطة روابط متعددة ومتداخلة ومتكررة، تربط بين الأفراد والجماعات والأماكن والمحطات وغيرها من المكونات التي يمكن ضمُّها، في إطار ما سُمِّي لاحقًا بمجتمع الشبكات، وهو مجتمع هجينٌ مبنيٌّ من شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية/الرقمية وشبكات الواقع الاجتماعي الميدانية/الموقعية، ينتظم فيه كل نشاط اجتماعي للبشر على هيئة شبكات أو بوساطة الشبكات، بوصفها ساحات مركزية للنفوذ والتأثير والصراع في عالم اليوم.
يدفع هذا الوضع إلى النظر فيما تغيَّر وما بقي ثابتًا في دور الإعلام زمن الحروب والصراعات، وفي أوجه العلاقة التي أصبحت تجمع اليوم بين الحرب والإعلام والمساحة الهجينة/المتشابكة القائمة بينهما، وبين الجنود والصحفيين والشبكيين، وبين ساحات القتال الموقعية وتمثيلاتها الشبكية، خاصة أن الحرب انتقلت أيضًا من حروب تقليدية تُدَار في الساحات والمواقع، إلى حروب شبكية ورقمية بجيوش سيبرانية غير مرئية. ولا يعني هذا الانتقال اختفاء الحروب التقليدية، بل في الواقع إن الحروب على الشبكات أصبحت أَشَدَّ فتكًا من ساحات القتال، وإستراتيجية فعَّالة لإدارة الصراع والتَّحَكُّم فيه عبر نوع الحقائق التي تُبْنَى حوله. ورغم أن التَّحَكُّم في واقع الحروب عبر وسائل الإعلام ليس ظاهرة جديدة، لكنه شهد في عصر الشبكات تصاعدًا من حيث الأهمية والتطور الإستراتيجي والتحديات؛ إذ أدَّى انتشار الشبكات ودَمَقْرَطَتُها إلى تجاوز دور “حراس البوابة” التقليديين، واحتكارهم شبه الكامل لإنتاج وتوزيع الأخبار. وسمحت الشبكات للمواطنين من كل أنحاء العالم بالوصول إلى نطاق واسع من الموارد والحقائق، والتدفقات المعلوماتية والبشرية، وترافق ذلك مع اتساع قاعدة جيل الشبكيين والمستخدمين والمؤثرين؛ ما أتاح التشابك بين جهات متعددة ومتنوعة من المستخدمين والنخب السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية وصنَّاع القرار والجمهور العام. وقد وصف جيلبوا إيتان (Gilboa Eytan) وزملاؤه(11) هذا التنوع في الاتصال بـ”الهجين”، الذي يعكس التفاعل المعقَّد من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى؛ إذ تتعاون وسائل الإعلام (المحلية والوطنية والدولية) وشبكات التواصل الاجتماعي وجمهور المستخدمين والشبكيين على نشر الحقائق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية على نحو لم يكن ممكنًا أن يُتاح بطريقة أخرى؛ الأمر الذي سمح بكسر الاحتكار، وزاد من حدة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، والتشظي المعلوماتي، والتزييف والفَبْرَكَة بغرض توجيه الرأي العام عن طريق التحكُّم في السرديات، وإدارة الصراعات.
في ظل هذا الوضع التكنولوجي/الاجتماعي أصبحت النزاعات والحروب المعاصرة “تجري في بيئة هجينة يندمج فيها إنتاج الأخبار باستهلاكها، وأصبح بإمكان المستخدمين أن يكونوا جزءًا من هذه الدينامية، وأن يُشاركوا الخبر نفسه بمعلومات إضافية أو تعليقات. وكان لهذه التحديات دور ضاغط على الهياكل التقليدية القائمة على إنتاج الأخبار واستهلاكها وتوزيعها”(12)، إضافة إلى التحديات التي تُثيرها الأطراف المنخرطة في الصراع. وسريعًا قفزت إلى السطح مفاهيم مثل الصحافة الإلكترونية، وصحافة المواطن وصحافة المشاركة ومنصات الإبلاغ الجماعي، والتدوين المصغَّر… وكلها تُشير إلى الدور المتزايد للشبكيين في عملية إنتاج الأخبار وصناعتها، متجاوزين في كثير من الأحيان طرق جمع ونشر الأخبار لدى المؤسسات التقليدية، خاصة المناطق التي لا يوجد فيها مراسلون؛ حيث يقوم الصحفيون المواطنون بتغطية الأحداث التي تجري في بيئتهم صوتًا وصورة ونصوصًا ومقاطع فيديو، ثم يقومون بنشرها لاحقًا على شبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات التدوين المصغر أو البودكاست. وبالنظر إلى طابع السيولة والتدفق الذي يطبع العملية، تتدحرج هذه المواد في شكل كرة ثلج تتعاظم وتزداد حجمًا وتأثيرًا ونفوذًا كلما زاد انتشارها وعدد المتفاعلين معها، ثم بعد ذلك يأتي دور المؤسسات الإعلامية التقليدية للتحقق من تلك المواد وإعادة بثها عبر قنواتها الرسمية.
وفي مثل هذه البيئة شديدة التكاثف والترابط والتشبيك، يومًا بعد آخر، يزداد التقارب والتعاون بين الأجهزة والمؤسسات الإعلامية والقوى العسكرية والاستخباراتية، “ويتم إنشاء وحدات خاصة للتفكير في كيفية إنتاج المعلومات قبل بدء الحرب، وأثناءها وبعد الانتصار. وتُعتبر هذه الإجراءات ضرورية بشكل خاص في وقت أصبحت فيه الرقابة التامة غير مقبولة في مجتمعاتنا الديمقراطية، ويُنظر إليها سياسيًّا على أنها أكثر ضررًا من فائدتها العسكرية”(13). ولذلك تمَّ التخلي عن فكرة المراقبة الشاملة لما يُسَرَّب ويُنْشَر عن الحروب، من تقارير وحقائق، مقابل المساهمة في بناء صورها والتحكُّم في تفاصيل إخراجها إعلاميًّا. فقد “كشفت تغطيات الجزيرة لجمهورها أن الحروب تُكْسَب إعلاميًّا قبل أن تُكْسَب في ساحة المعركة”(14)؛ إذ يؤدي تدفق المعلومات من مناطق الصراع دورًا أساسيًّا في تشكيل سردية الحرب وأدوار الأطراف المتنازعة، لكن ما يطبع هذه السردية اليوم في ظل مجتمع مترابط شبكيًّا أنها عابرة للوسائط والجغرافيا وحرَّاس البوابة، وما يُميِّزها هو القدرة على الانتشار عبر وسائط مختلفة، تعمل معًا لتشكيل واقع سردي أوسع وأشد تأثيرًا. “ولا يمكن الجمع بين سرديات من وسائط مختلفة لتكوين سردية موحدة أكبر ما لم تكن تلك السرديات تتقاطع في بعض الخصائص.. إذ يمكن للشخصيات، والبيئات، والأفكار، والأحداث، والعلاقات بينها أن تترابط وتتداخل”(15). ولذلك فإن أي سردية اليوم يمكنها أن تُروى ويُعاد إنتاجها وتداولها عبر أكثر من وسيط، مثل التليفزيون، والصحافة السمعية والمكتوبة ذات المصداقية والأداء الاحترافي الرصين في عرض الحقائق والأخبار بل ويمكن أن تتوزع أيضًا عبر فيديوهات منصة تيك توك الموسيقية، وتغريدات منصة إكس ذات الاستقطاب السياسي، ومنشورات ميتا، وصور إنستغرام ذات الاستقطاب العاطفي، ومنصة يوتيوب بميزة تقديم سياق تاريخي أو تحليلي أو وثائقي. وكل وسيط من هذه الوسائط لا يُكرِّر نفس المحتوى، بل يُضيف زاوية أو يُعيد صياغة الحقيقة بطريقة أخرى تُقدِّم إضافة أو تعاطفًا يُلائم المستخدمين وقواعدهم في النشر والتلقي؛ الأمر الذي يُفضي في نهاية المطاف إلى “تشكل ثقافة ما أو تقليد ما أو تاريخ ما”(16).
ومنذ عدة سنوات، أصبح مفهوم السرد العابر للوسائط (Transmedia storytelling)، الذي اقترحه هنري جنكينز (Henry Jenkins) مفهومًا شائعًا، ويُشير إلى تحوُّل السرديات المُنْتَجَة والمُعَاد إنتاجها عبر الشبكات بأكثر من وسيط إلى حقائق اجتماعية راسخة بدأت تتشكَّل داخل الفضاء الشبكي للإنترنت، والمتمثلة في بناء سرديات كبرى تتكوَّن من مجموعة من السرديات الجزئية الموزعة على أنواع مختلفة من الوسائط، مثل الصور ومقاطع الفيديو، والأفلام، والقصص المصورة، وألعاب الفيديو، والروايات، ومختلف أشكال الوسائط الرقمية المعتمدة على الإنترنت. ولذلك “فالسرد القصصي العابر للوسائط يتكشَّف عبر منصات وسائطية متعددة؛ إذ يُسْهِم كل نصٍّ جديد بمساهمة مميزة وقيمة في الكُلِّ العام”(17) محققًا نوعًا من التراكم السردي. “ويُساعد هذا التراكم السردي على ثبات السرديات في الثقافة.. مما يعني أن متلقي تلك السردية يُصبح عقله وتصرفاته مجرد أصداء لهذه السردية”(18)؛ الأمر الذي يجعل إدارة التراكم السردي للحروب والصراعات على الشبكات ذات تأثير إستراتيجي يُعادل تأثير الجيش والعتاد العسكري على أرض الواقع. “وتكمن خطورة التراكم السردي في أنه ما ينفك يُعَزِّز السردية ويُمكِّنها في المجال العام حتى تُصبح عصيَّة على النقض”(19)، وهو ما أصبح ينطبق اليوم على السردية الفلسطينية، والتي تغلَّبت -بدعم من الشبكيين حول العالم- على السردية الإسرائيلية وحاصرتها من كل جانب. وقد جعل ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي يُقِرُّ في أحد حواراته: “ما كان ناجحًا في الماضي لن ينجح بعد الآن”، و”على إسرائيل أن تكون إسبرطة”(20)، مشيرًا إلى حجم العزلة الدولية التي وضعتها فيها السردية الفلسطينية بفضل الشبكات وجهود الشبكيين.
- الحرب على العراق: واقع المصطنع المتكامل
2.1. دور الإعلام الرسمي في اصطناع واقع الحرب
خلال فترة حكم نابليون بونابرت، وهي الفترة التي أُطْلِق عليها الإمبراطورية الفرنسية الأولى (1804-1814)، برز دور الصحافة أداةً رسمية قوية لدعم الحكم الإمبراطوري من خلال تشكيل الرأي العام والتأثير في مواقف المجتمع. إثر ذلك، قامت سرديات الحروب النابليونية المسيطَر عليها إعلاميًّا بدور محوري لتحقيق الإجماع والالتفاف الجماهيري، ومن ثم أصبحت الصحف والكتيبات والمنشورات الأخرى والرسومات أدوات أساسية لحشد الدعم ونشر الدعاية حول نجاحات الجيش الإمبراطوري. “لقد أدرك نابليون وسط الاضطرابات السياسية السائدة حينها، قدرة الصحافة على توحيد الأمة خلف حملاته العسكرية؛ إذ استغل هذا الوسيط لصياغة سرديات تُمَجِّد إنجازاته وتُشَرْعِن حكمه. ولم تقتصر الصحافة على إبلاغ الناس بالمعلومات فحسب بل كانت أداةً لتشكيل تصور الجمهور بطريقة تضمن بقاء صورة الإمبراطور إيجابية وسط الصراعات المستمرة”(21). ولتحقيق هذه الأهداف، قامت صحيفة “لومونيتور يونيفرسال” (Le Moniteur Universel) بدور أساسي في تعزيز الشعور بالقومية، والحفاظ على الروح المعنوية العامة، وإدارة المعارضة. وفتح هذا الاستخدام المبكر أعين الحُكَّام لاحقًا على أهمية الإعلام في الإستراتيجيات العسكرية، واعتبار أن الهيمنة والنفوذ يمران بالضرورة عبر الصور والأخبار، قبل أن تُحقِّقَهُما الجيوش على أرض الواقع.
ومن الأمثلة البارزة على دور قنوات الإعلام الرسمي في افتعال واقع الحروب، نجد محطة الإذاعة والتليفزيون الحرة للتلال الألف (RTLM) المحلية في رواندا، والتي أدَّت دورًا مباشرًا في تصاعد العنف الطائفي بين قبيلتي “التوتسي” و”الهوتو”، وقامت بحملة مُمَنْهَجَة للتحريض على الكراهية العرقية “وغَذَّّت التوترات، ودعت الناس إلى حمل السلاح، ونسَّقت أعمال القتل… وباركت عمليات الإبادة. وفي 2 يونيو/حزيران 1994، قال أحد المذيعين المشهورين: “أصدقائي، يمكننا أن نفخر! لقد تمَّ إبادتهم… إن الإله عادل!”(22). وقد حمَّلت المحكمة الجنائية الدولية لاحقًا وسائل الإعلام الرسمية في رواندا مسؤولية التصعيد والتحريض على الإبادة.
وفيما يخص الحرب على العراق، سواء خلال عملية عاصفة الصحراء (17 يناير/كانون الثاني 1991) أو الغزو الأميركي، في 20 مارس/آذار 2003، فإن الجمهور العالمي كان أمام تجسيد حي لما يُسَمِّيه بودريار بـ”الاصطناع” (Simulation)؛ إذ كان مصدر ما يجري على الأرض من طرف واحد مهيمن هو قناة “سي أن أن” (CNN)، فيما عُرِف لاحقًا بـ”تأثير سي أن أن”؛ إذ تولَّى مراسلو القناة نقل الأحداث بعدسات الجيش الأميركي لا بعيون الصحفيين، ليخلقوا “واقعًا مصطنعًا” منفصلًا عن حقيقة المعارك. وتتجلَّى فاعلية مفهوم “الاصطناع” عند بودريار في أنه يمدنا بعُدَّة نظرية دقيقة لتفسير التحولات الخطابية للحرب، فحينما لم ينجح لا الجيش ولا الإعلام في إثبات سردية “أسلحة الدمار الشامل”، لم يتم العودة إلى الواقع لتصحيح الخطأ، بل تم استبدال “نموذج مصطنع” (Simulacrum) آخر بها يتمثَّل في سردية “تحرير العراق من صدام حسين”.
في هذا “الفوق-واقع”، فَقَدَت الحقيقة الميدانية أهميتها، وسرعان ما تماهى الصحفيون مع سردية الجيش وأعلنوا تلبية نداء الواجب الوطني، وتخلَّوا عن دورهم في نقل الحقيقة لصالح المساهمة في إنتاج واقع الحرب المصطنع؛ إذ عُدَّت أي انتقادات للتدخل الأميركي خيانة، بل وُصِف من يُشَكِّك في مبررات الرئيس جورج بوش بأنه من أنصار ابن لادن. “وفي سبتمبر/أيلول 2003، ردَّت المتحدثة باسم “فوكس نيوز” (Fox News) على انتقادات أحد الصحفيين بالقول: إذا كان لابد من الاختيار، فالأفضل أن يُنْظَر إلينا بوصفنا جنودًا في صف بوش، على أن يُعتقد أننا ناطقون باسم القاعدة”(23).
وعندما حاولت بعض القنوات الإعلامية الأخرى تحدِّي هذا الاصطناع الأميركي، وكشفَ فداحة العدوان والتقتيل والدمار (أي محاولة العودة إلى الواقع الفعلي)، كان الرد بتحويلها إلى هدف عسكري لضمان بقاء السردية المصطنعة سليمة. “فقد تمَّ قصف منشآت التليفزيون العراقي، وفي 8 أبريل/نيسان 2003، قُتل صحفيون داخل فندق فلسطين في بغداد، من بينهم مراسل إسباني، إثر قصف نفَّذته دبابة أميركية”(24). وقد أثار الحادث جدلًا واسعًا حول طبيعته؛ إذ “نفت القيادة الأميركية استهداف الصحفيين، مُبَرِّرَة إطلاق النار بتعرُّض قواتها لنيران قنَّاصة من جهة الفندق، في حين نفى صحفيون كانوا بعين المكان، من بينهم مراسل بي بي سي، تسجيل أي إطلاق نار من الفندق، مؤكدين أن الحادث مُوَثَّق ولم يُظْهِر وجود تهديد مباشر”(25).. كما تمَّ في اليوم نفسه “قصف مكاتب قناة الجزيرة وقناة أبو ظبي في بغداد؛ ما أسفر عن مقتل مراسل للجزيرة وإصابة آخرين”(26). لذلك يبدو أن التنافس الإعلامي لم يكن مجرد تنازع بين قنوات إخبارية، بل كان صراعًا بين واقع القتل والدمار من جهة، ومحاولة جيش أقوى دولة غربية فرض “فوق-واقع” نظيف ومُنَظَّم بشكل ذكي. وفي ظل هذا التباين في الروايات، يُصبح الحدث ذاته مجالًا لتنافس التأويلات بين سردية عسكرية تبريرية وأخرى إعلامية تُشَكِّك في مشروعيتها، وهو ما يُعَزِّز فكرة أن ما يُتَدَاول عن الحرب لا ينفصل عن منطق “الاصطناع”؛ حيث لا يُخْتَزَل التنافس في الوقائع الميدانية فقط، بل يمتد إلى مستوى إنتاج معناها وتحديد حقيقتها.
لقد كان اصطناع واقع حرب الخليج الثانية مُتْقَنًا ومُنَظَّمًا، ومُخَطَّطًا له بدقة، وتجلَّت سمات هذه التغطية الإعلامية من خلال تقييد حرية حركة المراسلين، وحظر وصولهم إلى جبهات القتال وجغرافيا الحرب؛ ما فرض اعتمادًا كليًّا على الإفادات العسكرية الرسمية. كما برزت خصائص اصطناع واقع الحرب أيضًا في انتقاء مقاطع فيديو “القنابل الذكية” وهي تضرب أهدافها بدقة متناهية لتبدو الحرب وكأنها “لعبة فيديو” نظيفة وخالية من الدمار والدماء والقتلى، مع فرض رقابة صارمة لمنع تسريب صور الضحايا والأشلاء المتناثرة، والنيران المتصاعدة في كل مكان، خاصة في الفترة التي سبقت وجود مؤسسات إعلامية كبرى في المنطقة. ولأن الجزيرة لم تكن موجودة آنذاك، فإن الجمهور العربي كان أمام سردية أميركية خالصة، أي إن “الجمهور العربي كان يُتابع ويتلقى الأخبار والصور الميدانية والمؤتمرات الصحفية من مصدر واحد مهيمن هو قناة سي أن أن، في حين كان الصوت العراقي أو العربي المعني الأول بالحرب غائبًا”(27). ومع دخول شبكة الجزيرة حيِّز الخدمة الإخبارية، وقع نوع من الصدام السردي، “وفي الوقت الذي كانت فيه “سي أن أن” تتحدث عن “تحرير العراق من صدام”، كانت قناة الجزيرة تتحدث عن الغزو الأميركي للعراق”(28) في 2003. بمعنى آخر، في الوقت الذي كانت “سي أن أن” تُنْتِج نموذجها المصطنع عن تحرير العراق، كانت الجزيرة تُحاول تفكيكه وكشف تهافته للحديث عن “واقع غزو العراق”.
ضمن هذه السردية، وباستخدام ذات الإستراتيجية، أي آلية التحكُّم واصطناع سردية للحرب تُغَلِّف واقعها القاسي، وتُخْفِي ما يجري على أرض الواقع من دمار، لتلقى استحسان ورضى الجمهور، لجأ الجيش الأميركي إلى التحكُّم فيما يُرْوَى عن الحرب على العراق سنة 2003، ولكن بطريقة مغايرة لما كان عليه الأمر خلال عملية عاصفة الصحراء، والتي كانت من الناحية الإعلامية حكرًا على السردية الأميركية فقط. ولما ظهرت مؤسسة إعلامية عربية كبرى في المنطقة -الجزيرة- ينتشر مراسلوها في كل مكان، فقد كان الحديث في دوائر صنع القرار الأميركي عن مساع لاصطناع واقع جميل للحرب والاهتمام بأسلوب مصطنع لعرضها بدل السعي لإخفائها. وفي كتابه: “المصطنع والاصطناع” قال جون بودريار عبارته الشهيرة: “حرب الخليج لم تقع”، وكان يقصد بذلك أن صورة حرب الخليج التي قدَّمتها وسائل الإعلام الغربية ليست هي حرب الخليج، أي ليست الواقع الفعلي لحرب الخليج، إنها بعبارته “فوق-واقع” هذه الحرب؛ إذ صوَّرها الإعلام الأميركي أولًا، ثم تبعته في ذلك بقية قنوات الإعلام الغربي “بطريقة تُشَوِّه واقعها، تُخْفِي واقعها، قدَّم الإعلام الغربي عن حرب الخليج صورة أيديولوجية، ليس لأن الإعلام مستقل وسيد نفسه بل لأن القوى القابضة عليه استخدمته للتضليل وليس لأن الإعلام “ذكي” والصاروخ “ذكي” جاءت هذه الحرب “نظيفة”، أو “لم تقع الحرب”(29).
2.2. حروب ذكية وسرديات إعلامية فوق-واقعية
في عالم تُسيطر عليه الميديا والمشاهد، لم نعد نعيش في “واقع”، بحسب بودريار، بل في عالم كيَّفته وسائل الإعلام عن طريق الصور والتمثيلات التي تسبق الواقع نفسه. إن مشاهد الواقع التي تصنعها وسائل الإعلام لا تعكس في كثير من الأحيان الواقع بل تصنعها وتُقَدِّمُها بوصفها حقيقة. وهنا، يدخل الواقع -من منظور بودريار- مدار المصطنع المتكامل، الذي هو مرحلة تذوب فيها الحدود بين الحقيقة والتَّمْثِيل، وبين المادة والبثوث، وتُصبح فيه الصورة هي الأصل، وهي الواقع الذي يُخْفِي عدم وجود واقع، خاصة مع التحوُّل الذي أحدثته الشبكات، والذي جعل الحقيقة “نتاج شراكة بين جمهور ومستخدمي الشبكة من جهة، وباقي وسائل الإعلام والاتصال من جهة أخرى، بعد أن أوجدت التفاعلية منتجين جددًا للمعرفة، وبناء معرفيًّا جديدًا يختلف عن البناء المعرفي التقليدي القائم على هيمنة النخب وقادة الرأي وسيطرة المؤسسة الإعلامية التقليدية”(30). ومن ذلك مثلًا، ما تمت الإشارة إليه سابقًا حول الحرب على العراق، والتي سبقتها جهود سياسية حثيثة لمراكمة سرديات إعلامية قوية شوَّهت الواقع، وادَّعت وجود أسلحة دمار شامل في العراق تُهَدِّد وجود العالم الغربي بأكمله، روَّج لها السياسيون وكذلك رجال الإعلام والجيش. ومع زيادة منسوب تداولها وتكرارها عبر الصور والمشاهد والتغطيات الإعلامية للمؤتمرات والفعاليات، تحوَّل التراكم السردي حقيقة اجتماعية راسخة سبقت واقع الحرب الحقيقي موقعيًّا.
جعل ذلك الناس يتعاملون مع “حقيقة إعلامية/سردية” لا وجود لها على أرض الواقع (أسلحة لم يُعْثَر لها على أثر ولم تُقَدَّم أي حجة ولو واهية عن وجودها)، وهنا، بحسب بودريار يتجسَّد المصطنع الرمز (الشر العراقي) الذي صنع واقعًا رمزيًّا وهميًّا لتبرير الغزو، والذي جعل بودريار يقول جملته الشهيرة: “حرب الخليج لم تقع” (La guerre du Golfe n’a pas eu lieu)، ليس لأن الحرب لم تكن حقيقية أو مليئة بالدمار والقتل والفوضى بل لأن كل ما شاهده الجمهور من قصف ذكي، وصور حرارية وكاميرات على صواريخ، لم يكن سوى عرض تليفزيوني مُقْنِع ونظيف؛ لأن الأيديولوجيا والمصالح غطَّت على واقع الحرب، وقدَّمتها وسائل الإعلام الأميركية بأسلوب احتفالي وكأنه واقع مهرجان ألعاب نارية أطلَّ من خلاله المشاهد الأميركي والأوروبي على سماء بغداد وهي تلتهب بالقنابل العنقودية وقنابل جدام (Jdam)(31) الذكية وصواريخ كروز، وكأنه أيضًا أمام حفل استعراضي أبدع مهندسوه في صناعة جمالية الانفجار والضربات وأشكال الهجوم الأخرى، بأسلوب إيتيقي ذكي وحداثي، مُلائم ومُريح للعين والنفس وكذلك الوعي الأخلاقي الغربي. هذا وقد استخدم ميشيل مافيزولي (Michel Maffesoli) مفهوم الأسلوب للحديث عن الميل إلى تجميل الحياة المميز لفرد ما بعد الحداثة، الفرد الذي يحتفي بذاته وصورته، وبالحياة والعالم، وبكل ما فيه؛ إذ “يقع التركيز على مفاهيم السحر والجاذبية والرؤية والظهور بوصفها علَّة ونتيجة لمجتمعات ما بعد الحداثة”(32).
ومن ثم فالواقع الموضوعي لحرب العراق، دخل -قبل بداية الحرب وأثناءها وحتى بعد انتهائها- مدار الاصطناع المتكامل -بلغة بودريار- فقبل اندلاع الحرب لجأ الإعلام الأميركي إلى استخدام خطاب الإقناع والتعبئة من خلال الحديث عن وجود أسلحة دمار شامل. وغداة قصف بغداد واندلاع الحرب، اسْتُخْدِم الصحفيون الأميركيون أدواتٍ للتحفيز والتضليل، ومُنِعَ الباقي من الوصول المباشر إلى وقائع الحرب، وبُذِل مجهود مضاعف من طرف الإدارة الأميركية وأذرعها الدبلوماسية المنتشرة في كل مكان من هذا الكوكب للتعتيم وإخفاء واقع الحرب القاسي والعنيف (استخدام الفوسفور الأبيض في الفلوجة مثلًا)، وحتى بعد انتهاء الحرب واصل الإعلام الأميركي واقع المصطنع المتكامل للحرب، عبر تبرير الحرب، وتشكيل صورة للنصر، وإسكات النقد، عن طريق إما الترهيب أو التهديد للدول والمؤسسات والأفراد، أو عن طريق قصف مكاتب الإعلام الأخرى، وقتل الصحفيين، وإخماد أي سردية معارضة قبل خروجها للعلن وللرأي العام.
لقد تحوَّل واقع الحرب على العراق، من خلال الصورة التي قُدِّم بها إلى فوق-واقع هذه الحرب، وفي مثل هذا الواقع “يجري إقناع الناس مثلًا بأن الحرب هي السلم، والناس تعتقد بذلك، أو لا تُفَكِّر فيه أصلًا.. إنه العمل لتخريب النظرة السوية إلى الواقع بقوة الميديا”(33)، فيكون الواقع في الميديا، لا الحدث. ومن ثم فالغزو الأميركي للعراق، والتلاعب الإعلامي بالوقائع والمعطيات، وبراعة الإخراج باختلاق السرديات، جعلت المشاهد يرى كأن الحرب هي السلم. و”هنا تعمل الميديا على إلغاء واقعية الواقع: نرى مشاهد الجنود الأميركيين يتصرَّفون في العراق وكأنهم في فيلم القيامة الآن، وتبدو الحرب كأنها لعبة إلكترونية؛ حيث يموت الناس كما يموتون في مشاهد لعبة لا أكثر”(34). وبذلك تكون الحرب على العراق، سواء في نسختها الأولى أو الثانية قد دخلت مدار واقع مصطنع متكامل؛ إذ لم يكن هناك فصل بين واقع الحرب الفعلي (احتلال، قتل وتدمير) وتَمْثِيلاته الإعلامية الجمالية (حرب ضد الشر، تحرير العراق، حماية من الخطر). ومن ثم، فالنشاط الإعلامي والسياسي الأميركي أنتجا معًا واقعًا مصطنعًا -بأسلوب جمالي وإيتيقي- لهذه الحرب، وحلَّت صور الصواريخ الذكية ومؤتمرات بوش الدونكيشوتية، وصور سقوط تمثال صدام، محلَّ الحقيقة، وهي حقيقة سياسية واجتماعية تبني واقع انتصار الحرية والقضاء على الشر وسقوط الديكتاتورية بأقل الخسائر والأضرار. فالصاروخ كان ذكيًّا والقنابل ذكية، وحتى الدبابات ومدمرات الملاجئ والحصون كانت ذكية بما يكفي للحفاظ على جمالية القصف والتدمير والقتل. ولذلك فالإعلام الأميركي صوَّر الحرب التي خاضها جنوده الأذكياء بوصفها حربًا ذكية لم تُلْحِق الأذى إلا بعدد قليل من المدنيين وبالخطأ فقط، بل “ولم تقتل أو تُصب إلا قليلًا من جنود العدو كذلك”.
وفي هذا السياق، تجلَّى دور الجيش الأميركي غداة غزو العراق في قيادة الحرب، والقضاء على نظام صدام حسين بأي ثمن، في حين أُسْنِد للإعلام دور اصطناع واقع مغاير للحرب ولمشاهد العنف والقتل والدمار، ليس عن طريق إخفائها أو حَجْبِها بقدر ما تم تغليفها، والتقليل من عنفها بأسلوب جمالي ترفيهي منتقى بدقة ضمن الأخبار التليفزيونية الروتينية؛ إذ اقتصرت الصور على لقطات جوية من طائرات التحالف، وهي تُطْلِق صواريخ ذكية على أهداف إستراتيجية (جسور، مصانع، قواعد عسكرية، مطارات)، “وحين قُتل مدنيون، قدَّمت البيانات العسكرية اعتذارات واصفة الضحايا بـ”الأضرار الجانبية”. وبهذا، بدت الحرب -من خلال الصور التي بثَّها الإعلام الأميركي-كأنها مجرد تمرين دقيق باستخدام أسلحة نظيفة وذكية لا تمس المدنيين”(35). وقد تجاوز الإعجاب بأسلوب الحرب وجمالية صور ومظاهر الغزو، المشاهدين العاديين، ليؤثر كذلك في الصحفيين أنفسهم؛ إذ قالت الصحفية الفرنسية، ميشيل كوتا (Michèle Cotta)، في قناة “تي في 1” (TF1) الفرنسية: “اللقطات الجوية للقصف الليزري للقوات الجوية الأميركية مذهلة للغاية”، أما زميلها جان بيير بيرنو (Jean-Pierre Pernaut) فقال بحماس: “الصور مدهشة للغاية!”(36). هكذا نقل الإعلام للجمهور الانطباع الذي أراد البنتاغون ترسيخه: “حرب بلا دماء”. بعد ذلك “عرضت تقارير مطولة مشاهد الآلاف من المركبات المحترقة على طريق الكويت بغداد بعد “التحرير”(37)، وهي صور عنيفة جدًّا، لكنها صُوِّرت بطريقة تُوحي بأن أحدًا لم يُقْتَل؛ حيث مُنِعَ الصحفيون من الوصول إلى المكان، إلا بعد أن نُظِّف من الجثث. وقد خَطَت وسائل الإعلام خطوة إضافية في هذا الاتجاه، في سبتمبر/أيلول 2003؛ إذ صدر قرار بمنع الصحفيين من تصوير نعوش الجنود الأميركيين القتلى العائدين من العراق”(38)، وبذلك خضعت الحرب على العراق، أو “غزو العراق”، لمدار مصطنع متكامل لا يَحْجُب الواقع وحسب، بل صار هو الواقع، واقع مُغَلَّف ومنتقى بدقة وإتقان هوليودي، لم ينجح في تعريته سوى حذاء الصحفي العراقي، منتظر الزيدي، في 8 سبتمبر/أيلول 2008، حينما رشق به الرئيس الأميركي، جورج بوش، قائلًا جملته الشهيرة: “هذه قبلة وداع من الشعب العراقي أيها الكلب” ثم أضاف: “هذا للأرامل والأيتام وكل القتلى في العراق”(39).
- الحرب على غزة وتنافس السرديات
3.1. آليات الإخماد الرقمي لواقع الحرب
خلافًا لواقع الحرب على العراق الذي دخل مدارًا مصطنعًا متكاملًا، نتيجة هيمنة المؤسسة الأميركية العسكرية على سردية الحرب إعلاميًّا -مستفيدة من أخطائها الإعلامية في حرب فيتنام- وباعتمادها تقنية الإعلام المدمج ضمن وحداتها العسكرية (سي أن أن، وبي بي سي (BBC)، وفوكس نيوز (Fox News))؛ حيث فُرِض على المراسلين التنقل عبر وحدات الجيش. ولم تكن لهم أي حرية أو استقلالية في التقاط الصور والأخبار، مع حالة الاستثناء التي قدَّمتها قناة الجزيرة بالرغم من حجم الضغوط التي مارسها الجيش الأميركي عليها، عبر قصف مكاتبها وقتل صحفييها. فقد لجأت في كثير من الحالات إلى شبكة مراسلين من بغداد وباقي المدن العراقية، وتعاون السكان المحليين لإظهار الجانب غير الإنساني للحرب من خلال عرض صور الجثث ومعاناة المدنيين ومظاهر الدمار والفوضى. بخلاف ذلك دخل واقع الحرب على غزة في أعقاب “طوفان الأقصى” مدار تنافس المصطنعات أو السرديات؛ “حيث شكلت معركة السرد الدعائي في سياق الحرب النفسية الإسرائيلية التي تستهدف سكان قطاع غزة والشعب الفلسطيني عمومًا، نمطًا من القتال السياسي بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية”(40). فمن جهة، ظهرت السردية الفلسطينية مباشرة بعد اجتياح فصائل المقاومة الشريط العازل جوًّا وبحرًا وبرًّا، في شكل صور وفيديوهات وتعليقات للقادة، توضح للرأي العام الشبكي أسباب ودواعي هذا الاجتياح: بدءًا من وعد بلفور ومرورًا بنكبة 1948 وحرب 1967 ثم استمرار الانتهاكات الإسرائيلية طوال العقود التالية. وسعت هذه السردية “إلى الجمع بين الحرب الجسدية والحملة النفسية التي من شأنها أن تضر بمعنويات الإسرائيليين وتماسكهم، ورغبتهم في القتال والتضحية، وثقتهم في القيادة السياسية، والمرونة العسكرية”(41)، ثم سرعان ما نافستها السردية الإسرائيلية متوعدة بانتقام شديد لا يُشبه يوم القيامة في شيء، ضد “حيوانات” وجب قطع الماء والهواء والغذاء عنها. وكان المدخل هو استثمار مشاهد العنف والقتل والتدمير التي صاحبت طوفان الأقصى، بما فيها صور -ثبتت فَبْرَكَتَها لاحقًا- لجثث أطفال متفحمة؛ إذ سعت إسرائيل مع انطلاق سرديتها الدعائية إلى “اكتساب الشرعية الأميركية والدولية لاستمرار الحرب.. وتدمير القدرات العسكرية والحكومية لحماس، وإظهار نفسها الجانب الصالح في الحرب ضد ما تُسَمِّيه “الإرهاب الفلسطيني” وتبرير أفعالها باعتبارها “دفاعًا عن النفس”(42).
كان من نتائج تنافس سرديات/مصطنعات الحرب هذه أن حاول كل طرف استثمار القدرات والإمكانات التكنولوجية والشبكية لتغليب سرديته، والإبقاء عليها سائلة متدفقة ضمن العقد الشبكية لوسائل الإعلام والمنصات الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية وخدمات الرسائل الفورية وغيرها، في مقابل السعي لإخماد السردية المنافسة والإبقاء عليها ضمن الطبقات المطمورة أو المظلمة للشبكات، بحيث لا يصل إليها الشبكيون ولا يهتمون بها. ولأجل ذلك، بادرت إسرائيل بتقديم سرديتها -بصفتها “الضحية” في مقابل شيطنة السردية الفلسطينية التي تُمثِّل “الشر والإرهاب المطلق”- ودعمها تقنيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا للإبقاء عليها مهيمنة وسائلة ممتدة، لتصل كل وسيط وتُرى من طرف كل مستخدم شبكي، ضمن ملايين الشبكيين الذي يتصفَّحون محتوى الشبكات يوميًّا وعلى مدار الساعة. كما لجأت إلى تنشيط وحدتها السايبيرية التابعة للنيابة الإسرائيلية، وهي وحدة مسؤولة عن العلاقة مع وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام الدولية الحاضرة عبر الشبكات، لمراقبة المحتوى الرقمي ذي العلاقة مع المصالح الإسرائيلية، وربط الاتصال وتبادل المعلومات مع المؤثرين والصحفيين والشخصيات العامة في كل أرجاء العالم، وتقديم توضيحات وتفسيرات من طرف مسؤولين إسرائيليين بخصوص مقتضيات الحرب، وتمويل الإعلانات والمحتويات الداعمة للسردية الإسرائيلية. وفي المقابل تقوم بحملات ممنهجة لممارسة الرقابة على المحتوى الداعم للسردية الفلسطينية، وتقديم طلبات حذف وتضييق لدى المنصات العالمية الكبرى، مثل غوغل وميتا وإنستغرام ومنصة إكس، بهدف تنظيم واقع الحرب ومراقبته شبكيًّا مثلما هو مراقَب ومتحكَّم فيه موقعيًّا. كما لجأت إسرائيل إلى إنشاء هيئات/مجتمعات رقمية، مثل “آكت آي إل” (Act.IL) التي تأسَّست بالتعاون بين وزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية، وجامعة “رايخمان” والمجلس الأميركي/الإسرائيلي وجهات صهيونية أخرى، و”4 آي إل” (4IL)، التي أسَّستها وزارة الخارجية الإسرائيلية، بهدف تنظيم وتعظيم عمليات تقديم الشكاوى “الشعبية” من طرف آلاف الناس والمتابعين الذين ينتشرون داخل المنصات الاجتماعية، ليمارسوا دور الذباب الإلكتروني، ويقوموا بعمليات تبليغ جماعية ضد المحتوى الفلسطيني، ومن ثم إجبار شبكات التواصل الاجتماعي على حذفه.
وقد تزايد اعتماد الحكومة الإسرائيلية على قوى التكنولوجيا الرقمية الآلية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتقديم مزيد من الدعم والمراقبة والتحكُّم في صراع السرديات على الشبكات. وبموجب ذلك دفعت إسرائيل ملايين الدولارات لشركات، مثل غوغل وميتا وأمازون، لممارسة المراقبة الآلية، والاستفادة من خدمات الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء للوصول إلى كل ما له علاقة بالقضية الفلسطينية وسرديتها. ولجأت ميتا مثلًا إلى سياسة الإخماد الرقمي للسردية الفلسطينية عن طريق الحذف والتضييق والتقييد، وإغلاق المحتويات الداعمة لفلسطين أو المناهضة لإسرائيل، وقد أعدَّت مؤسسة “هيومن رايتس ووتش” تقارير دورية عن سياسات الاختراق والسيطرة الرقمية التي تنهجها المنصات الرقمية، خاصة ميتا، ضد السردية الفلسطينية، مثل تقرير “نكث الوعود”(43)، والذي يُوثِّق “نمطًا من الإزالة غير المبرَّرة للخطاب المحمي وقمعه، بما يشمل التعبير السلمي الداعم لفلسطين والنقاش العام حول الحقوق الإنسانية للفلسطينيين”. وهي في المجمل أشكال تضييق وسيطرة آلية خوارزمية تشوبها في غالب الأحيان أخطاء وصعوبات، بالنظر إلى غياب أو صعوبة تطبيق الإشراف البشري النهائي على عمليات الفرز والتصنيف؛ إذ أشار تحليل “هيومن رايتس ووتش” إلى عوامل منهجية أساسية أسهمت في فرض الرقابة والسيطرة الرقمية الآلية، ومنها الاعتماد الكبير على الأدوات المؤتمتة للإزالة أو الإشراف أو الترجمة.
ولهذه الأسباب مجتمعة، تمكنت السردية الإسرائيلية من الهيمنة ولاقت القبول ودعم الشبكيين، خاصة في الأسابيع الثلاثة الأولى التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ إذ تبنَّت أغلب وسائل الإعلام الغربية والمنصات الرقمية وجمهور الشبكيين هذه السردية، “من خلال تكريس أربع أطروحات، وهي: إسرائيل الضحية، وشيطنة الفلسطينيين وحماس، والتفوق الأخلاقي والإنساني الإسرائيلي، وشرعية ما تقوم به إسرائيل”(44). لكن مع نهاية الشهر الأول من الحرب، وقع تحول كبير في السبق السردي، بفعل النشاط الإعلامي المتزايد للقنوات الإخبارية، مثل قناتي الجزيرة والشرق الأوسط، كما أسهم الشبكيون بمن فيهم فلسطينيو الداخل والخارج، في دعم تدفق وسيلان السردية الفلسطينية على نحو غير محدود في الفضاء الشبكي العالمي، خصوصًا مع بدء قصف المستشفيات وقتل الأطفال والمدنيين، وانتشار صور ومشاهد الجثث والدمار والعنف، ودخول أيقونات فلسطينية على الخط (أبو عبيدة، يحيى السنوار، المثلث الأحمر..) لرفع نسب المشاهدة والتقاسم وإعادة النشر، ومن ثم السماح بتدفق وسيلان السردية الفلسطينية عبر الشبكات والمنصات والمجموعات. ومع زيادة التفاعل مع هذه السردية ونشر مشاهدها وإعادة تقاسمها والتعليق على أحداثها، سرعان ما تعاظمت وازدادت صلابة ورسوخًا، ولم تنجح أذرع إسرائيل السيبرانية ولا الاستخباراتية في إخمادها، لتتحوَّل من الشبكات إلى المواقع والساحات والشوارع في المدن والعواصم والجامعات، سرديةً صلبةً ومتماسكة انخرط في نشرها والتفاعل مع أحداثها طلاب ومفكرون وباحثون وصحفيون ونجوم كرة القدم والفن، وكذلك فقهاء وعلمانيون، وسياسيون ليبراليون ومحافظون، وحتى بسطاء وعامة الناس نساء ورجالًا، شيوخًا وشبابًا وحتى أطفالًا؛ الأمر الذي جعل السردية الفلسطينية فوق السرديات الأخرى إعلاميًّا وشبكيًّا، افتراضيًّا وموقعيًّا، وأهدر كل الجهود الإسرائيلية والقوى العالمية الصهيونية التي بُذِلَت لأجل إخمادها شبكيًّا.
وعندما فشلت السردية الإسرائيلية وخَفَت بريقها، توجَّهت الآلة الحربية الإسرائيلية نحو طمسها موقعيًّا عن طريق سنِّ أشكال أخرى من الإبادة الجماعية الموقعية والمادية، مثل “إبادة المنازل، والإبادة الثقافية والإبادة السياسية والإبادة الإعلامية”(45)؛ إذ بلغ عدد الصحفيين الذين اغتالهم الاحتلال الإسرائيلي في الحرب على غزة 262 صحفيًّا(46). وهنا تُقْلَب المعادلة ويتحوَّل الواقع الجغرافي فضاء ماديًّا وسلاحًا إستراتيجيًّا لمحاربة الشبكي الرقمي والافتراضي، وتُصبح جغرافيا الواقع المادي -عبر تصفية أجساد المُخبرين عن السردية- جبهة مفتوحة للحرب ضد الشبكي الرقمي عبر إبادة الصور والمشاهد والأفكار. “ويعني ذلك عمليًّا على مستوى الإبادة الإعلامية أن تدمير الجماعة الصحفية والقضاء على كيانها المهني، كليًّا أو جزئيًّا، يحتاج إلى تجريدها -باستخدام جميع وسائل العنف المادي والنفسي- من مقدراتها المادية ووسائل إنتاج المادة الإعلامية، لمنعها من نشر جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي في مدن القطاع”(47).
3.2. حرب الإبادة تغرد: إستراتيجيات الشبكيين للتحكم في السردية الفلسطينية
من الناحية التاريخية، أثبتت كل تقنية اتصال ناشئة فائدتها في الحروب والنزاعات، ولأولئك الذين يتحدَّون الأنظمة سواء كانت نضالاتهم من أجل الأيديولوجيا أو الأرض أو السلطة. ولذلك تورطت الشبكات الاجتماعية -وعلى نحو مباشر وعلني- في سياق صعود الحركات الاحتجاجية الشبكية، وكذلك الحروب والنزاعات الراهنة (بين روسيا وأوكرانيا، وبين الهند وباكستان، وحرب الإبادة التي شنَّها الجيش الإسرائيلي على غزة). “فقد أصبحت الحروب -بفضل التكنولوجيا- إستراتيجية متكاملة: حرب تقتل وتُدمِّر، وحرب تُضلِّل وتُبرِّر، وحرب تَحْجُب الحقيقة أو تُزَيِّفُها، وأخرى تُخْرِس الألسن وتَحُدُّ من حرية التعبير”(48). ومن ثم تحوَّلت الشبكات الاجتماعية في سياق النزعات والحروب حول العالم إلى ساحات لنشر خطابات/سرديات مضادة للأطراف المتنازعة سواء عبر صور وفيديوهات، أو شهادات مباشرة من الساحات والشوارع، أو سرديات بديلة يحاول فيها كل طرف حسمَ المعركة في أذهان ووعي الشبكيين والمستخدمين أكثر منها في ساحة الميدان. و”تُعتبر الحرب التي شنَّتها إسرائيل على حماس في العام 2012 أول “حرب تويتر”؛ إذ أعلنت القوات الإسرائيلية عبر تويتر عن هجومها على قطاع غزة، وسرعان ما أصبح تويتر ساحة معركة تبادل فيها آلاف المؤيدين الأخبار والآراء على منصات التواصل الاجتماعي باستخدام وسوم (# غزة تحت القصف)، و(# غزة تحت النار)، ولتعبئة الدعم وتشكيل السرد الخاص بكل طرف”(49)، وقد وظَّفت كل من “حماس وإسرائيل وسائلَ التواصل الاجتماعي بشكل مكثف، عبر تغريدات باللغة الإنجليزية للتأثير في الرأي العام الدولي”(50).
ضمن هذا التوجه، وفي سياق الحرب على غزة نهاية 2023، انخرطت الشبكات الاجتماعية وعلى نحو عالمي في إنتاج سرديات فلسطينية تُعرِّي وتكشف همجية حرب الإبادة، كما تتحدَّى الرواية الرسمية للجيش والحكومة الإسرائيلية؛ حيث انتشرت الأعلام الفلسطينية والكوفية في الطرقات والبرلمانات والمدارس والملاعب والمؤسسات، وتمدَّدت إلى أكبر الشوارع العالمية في نيويورك وبروكسل ولندن وستوكهولم ومانهاتن.. وتزامن ذلك مع حراك شعبي وفنِّي وشبكي عالمي ساند حقَّ الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم، وعرَّى تهافت وزيف السردية الإسرائيلية، كما أعاد إلى الواجهة مجموعة من الأغاني القديمة التي كانت المقاومة والحرية موضوعها.
ورغم المجهودات الحثيثة التي بذلتها الحكومة الإسرائيلية لصالح المنصات الكبرى؛ إذ أبرمت شركة غوغل عقدًا مع مكتب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بقيمة 45 مليون دولار للدعاية ودحض سردية المجاعة في غزة، بحسب تحقيق أعدَّه موقع “دروب سايت” (Drop Site News). وسعت إلى تعيين إيمي بالمور، التي عملت سابقًا في الحكومة الإسرائيلية، في المجلس الاستشاري التابع لميتا؛ إذ قامت بدور مهم في التضييق على محتوى السردية الفلسطينية عن طريق الضغط على المجلس لتوسيع خوارزمية الكلمات المحظورة. وبالرغم من كل ذلك، انتصرت تغريدات وتريندات الرواية الفلسطينية وعلى أوسع نطاق، ونجحت في تجاوز قيود ورقابة القائمين على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد أسهم في نجاحها وانتشارها على نحو عالمي امتلاك الجيل الجديد من الشبكيين -وبخاصة الفلسطينيين- أدوات السرد الشبكية وإتقان استعمالها (الميمز والإنفوغراف والفيديو القصير والبث المباشر..). “ولعل ما أنجزته حركة حماس خلال الغزو الإسرائيلي لقطاع غزة، في يناير/كانون الثاني 2009، خير مُعبِّر عن قدرة الوسائط الإلكترونية، وتحديدًا الإنترنت، على فضح جرائم الحرب ضد الأطفال والنساء والشيوخ، ومن ثم كسب التعاطف الدولي الكبير”(51). ولذلك “نقل الدور المتزايد للإعلام الرقمي في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الصراع من نزاع سياسي إلى حرب إعلامية”(52).
لقد استخدم الناشطون الفلسطينيون ومجموع الشبكيين المساندين للسردية الفلسطينية حول العالم منصات التواصل الاجتماعي لتوثيق الإبادة الوحشية والممنهجة للجيش الإسرائيلي ضد المدنيين العزل، أطفالًا ونساء وشيوخًا لحظيًّا بالصوت والصور، ونشرها وقت اندلاعها ووقوعها ميدانيًّا. كما وظَّف سكان غزة المدنيون هذه الشبكات أيضًا للحصول على الدعم المادي والهبات من خلال تعويضات المشاهدة والتقاسم على المنصات. إضافة إلى ذلك، نجحت المقاومة شبكيًّا وتحوَّلت إلى أيقونة عالمية (المثلث الأحمر، الملثم، المقاوم الأنيق، قصيدة أحمد شوقي للحرية الحمراء باب، كتاب الشوك والقرنفل..)، وأيضًا من خلال تصوير ثباتها على الأرض بأقل الإمكانات ضد دبابات الميركافا المسلحة فولاذيًّا، وأعتى الأسلحة وأجهزة التجسس والقصف المُسيرة.
ومن ثم تحوَّلت هذه المنصات إلى قنوات لنقل المعاناة اليومية للمدنيين في إطار عفوي وغير مُؤَسَّسي، وعلى نحو عالمي تجاوز في كثير من الأحيان حراس البوابة التقليديين وجماعات الضغط الإسرائيلية المتحكمة في وسائل الإعلام الغربية؛ ما جعلها ذات مصداقية أوفر وقدرة على التأثير وجذب التعاطف، مقارنة بالرواية الإسرائيلية التي غالبًا ما تظهر في سياق رسمي مُؤَسَّسي يُقدِّمها الجيش أو عناصر من حكومة نتنياهو أو هو ذاته؛ ما أَفْقَدَها المصداقية والقبول لدى جيل الشبكيين العالمي، الذي يميل إلى تصديق السرديات الفردية والعفوية التي تنتشر بشكل أفقي وفوري، مقارنة بالسرديات الرسمية التي عادة ما تدخل مدار الاصطناع والتغليف والتجميل، عبر الفَلْتَرَة والمعالجة قبل وصولها مرحلة النشر النهائي. كما أن الجنود الإسرائيليين أسهموا -وعلى نحو غير مقصود- في تثبيت السردية الفلسطينية، عبر نشر مشاهد القصف والتدمير والقتل المباشر والمُتَعَمَّد؛ الأمر الذي جعل الرواية الفلسطينية على الشبكات تتحوَّل من حركات تمرد هامشية وغير مرئية إلى قضية عالمية مركزية، وثقافة احتجاجية رقمية تسيل وتتدفق عبر العقد الشبكية، في سياق غير قابل للحصر أو الإخماد الرقميين. ويتفاعل معها ويُسْهِم في نشرها وتقوية عقدها وروابطها جيل جديد من الشبكيين الشباب من مختلف أنحاء العالم: أميركا وأوروبا وإفريقيا وأستراليا، بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية تمس كل البشر وتقع خارج الانقسامات والاستقطابات الأيديولوجية أو العرقية أو العقدية، إلى أن وصلت قبة البرلمانات الأوروبية، وهيمنت على نقاشات حكوماتها، كما وصلت إلى حدِّ إسقاط بعضها (هولندا).
سمح هذا الوضع ببناء شبكات تضامن عابرة للحدود، حاولت أكثر من مرة كسر الحصار وكشف تهافت الرواية الإسرائيلية ومناصريها، وذلك بأكثر من طريقة وأسلوب، مثل استخدام إستراتيجيات رقمية هجومية عبر الهاكرز النشطين، أو اللجوء إلى التشفير والتحايل وبناء منصات وفضاءات رقمية مقاومة، أو تكثيف دور المستخدمين السلبيين الذين يسعون إلى التبليغ ضد الحسابات والمنشورات المعارضة للسردية الفلسطينية، أو وضع علامات عدم الإعجاب (مثلما حدث في آخر بودكاست أميركي حظره رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو؛ إذ تجاوزت علامات عدم الإعجاب ثلاثة أضعاف علامات الإعجاب، وانسحب من صفحة البودكاست 10 آلاف متابع في يوم واحد). وقد أسهمت هذه الخطوات في تهييئ الأوضاع الملائمة لتشكيل نوع جديد من المقاسمة والتضامن، وطرائق أخرى/متخيلات اجتماعية حول معاني الحضور الموقعية كما الشبكية ضد الاحتلال والعنف والتمدد الإسرائيلي، باشر من خلالها النشطاء اجتراح شكل جديد من المقاومة والصمود، لا من خلال عمليات حمل السلاح ومواجهة المحتل فقط، ولكن عبر تجذير حضورهم في فضاءاتهم الموقعية المحلية، وإبداع أشكال من الأفعال الجمعية المُقاوِمة، ونقلها إلى المواقع التي يحتلونها في الفضاءات الشبكية، واستثمار مختلف الإمكانات والصلات والروابط غير المركزية للشبكات، من أجل فرز أنماط من المشاهد وأشكال الحضور الرقمية/الافتراضية، على الشبكات والمواقع والمنصات الإعلامية والهيئات الحقوقية. إلى جانب ذلك، نجحت صور ومشاهد الأسرى في الأنفاق، والتي بثتها حركة حماس على الشبكات في كسر الإجماع الإسرائيلي حول الحكومة والحرب، وشنِّ حرب نفسية ضد الحكومة الإسرائيلية باعتماد ذات الورقة؛ الأمر الذي حرَّك الشارع الإسرائيلي، ودفع كثيرًا من الإسرائيليين بمن فيهم عائلات الأسرى للخروج إلى الشارع، ومن ثم إحداث نوع من الانقسام والتشظي في الرأي العام الإسرائيلي تجاه استمرار الحرب.
اليوم داخل شبكات الإنترنت وفضاءاتها الرقمية والافتراضية، تحيا ثقافة المقاومة الرقمية وتُغَرَّد فصولها ومحطاتها عبر منصة إكس، وتُدَوَّن آلامها وعذاباتها على منصات إنستغرام وفيسبوك، وتُصَوَّر وتُشاهد لقطاتها عبر تيك توك، وتتنافس جنبًا إلى جنبِ ثقافةِ أصحاب الأموال ومستثمري اقتصاد الإبادة. وتُنْشَر سرديتها جنبًا إلى جنبِ سرديةِ قنوات الإعلام والاتصال التقليدية عن طريق استثمار المشاهد والصور والفيديوهات وأشكال التنديد الأخرى ضد الحرب والسردية الإسرائيلية الاستيطانية، وكلها فواعل وقوى تسعى اليوم لفرض سردية جماعية تحظى بالإعجاب والقبول وتُمارِس نفوذًا وتأثيرًا قد لا يكون مرئيًّا، ولكنه حتمًا سيكون قادرًا في أي لحظة على قلب الطاولة وقيادة التغيير.
خاتمة
ناقش عدد من الباحثين جوانب التغيُّر والتبدُّل التي بدأت تزحف على العالم جرَّاء المتغير المعلوماتي الاتصالي، والمتجسِّد حاليًّا في تكنولوجيا الشبكات وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وزيادة تدخل الذكاء الاصطناعي والتحيز الخوارزمي في صناعة الواقع وتقديم صورة عن العالم، وأشكال النزاع والحروب التي تجري فيه، وقد عوَّضت في ذلك ما كانت تقوم به وسائل الإعلام التقليدية وحراس البوابة منذ بداية القرن 19 وما تلاه، وحوَّلت فضاء الإنترنت إلى “مساحة رقمية واسعة، تنسجها الجمعيات والقوى المدنية ضمن الأطلس الرقمي العالمي، يُعبِّر فيها ومن خلالها المجتمع العالمي عن نفسه ثقافة وفكرًا وفنًّا واقتصادًا وسياسة وتراثًا وتاريخًا وحضارة”(53). وبموجب ذلك، لم يعد النجاح في الحرب والقضاء على الخصم كافيًا في حروب اليوم، بل المطلوب هو تقديم مشاهد وصور استعراضية متقنة الإنتاج عن النصر، قابلة للتدفق والسيلان عبر العقد الشبكية؛ ما يسمح لها بالتحول إلى قاعدة قابلة لبناء سرديات جماعية تحظى بالقبول والدعم، ومعناه أن صور الحرب في مثل عالمنا المتشابك اليوم أضحت أهم من الحرب ذاتها.
وخلافًا لما وقع في الحرب على العراق التي لم تقع إعلاميًّا ومشهديًّا -ليس لأنها كانت مزيفة أو خيالية، بل لأن الصورة التي قدَّمتها وسائل الإعلام الغربية عنها لم تكن الواقع الفعلي لهذه الحرب؛ إذ صوَّرها الإعلام الغربي وخاصة الإعلام الأميركي بطريقة شوَّهت تفاصيلها وأخفت معالمها وجعلت واقعها القاسي يدخل مدار الإخفاء والحجب- قُدِّم واقع حرب الإبادة الجماعية التي شنَّتها إسرائيل على سكان غزة عقب طوفان الأقصى بطريقة مغايرة. فقد سعت منذ البداية إلى الاستثمار في الشبكات الاجتماعية والتطبيقات الرقمية من أجل نقل أحداث الحرب الموقعية بصورها القاسية وغير الإنسانية وفي اللحظة التي تُنْتَج فيها، وليس صورة متحكَّمًا بها أو معادًا إنتاجها إعلاميًّا. ورغم أشكال الاستبداد الموقعية التي أطلقتها الأنظمة الغربية التي سارت على خطى السردية الإسرائيلية في البداية، ثم أشكال الاستبداد الرقمية التي أطلقتها المنصات الكبرى على المحتوى الرقمي السائل عبر الشبكات والمجموعات، وأشكال الحذف والتضييق والغربلة والإغلاق، وصولًا إلى حدِّ “الإبادة الرقمية والإعلامية”، إلا أن جيل الشبكيين ممن وُلدوا وترعرعوا ضمن وسائل التواصل الاجتماعي وشبكاته، نجحوا في تجاوز كثير من تلك العقبات، وكشفوا زيف وتهافت السردية الإسرائيلية ومناصريها، في مقابل تغليب السردية الفلسطينية والسماح لها بالتمدد والسيلان وبمختلف الوسائل الشبكية المتاحة، ولعل ذلك هو أكبر مكسب وتحوُّل في القضية الفلسطينية حول العالم.
وبدلًا من السببية التكنولوجية والعسكرية التي جعلت من الظروف التي رافقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دافعًا لزيادة منسوب العنف والإبادة لدى حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، يبقى الرهان مفتوحًا على إمكانيات الانقلاب ومحاولات القادمين الجدد حول العالم الانعتاقَ من بنى الاستبداد والاحتلال والعنف الشبكية كما الإعلامية والفكرية التي تقودها المنظمات الصهيونية حول العالم، بل وفي أعتى معاقلها صلابة وصمودًا (احتجاجات الطلاب في الجامعات الأميركية)، ومن ثم التأثير في بنياتها الصهيونية وأيديولوجيتها المتعالية، وذلك عبر مزيد من الضغط والتعبئة والترافع الشبكي كما الموقعي، وعبر الاستمرار على خطى شباب المقاومة وجيل الشبكيين عن طريق سلطة المعرفة وسلطة الاستخدام وسلطة المكاشفة والاعتراف.
المراجع
(1) جون بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبد الله، ط 1، (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 47.
(2) آسا بريغز، بيتر بورك، التاريخ الاجتماعي للوسائط: من غتنبرغ إلى الإنترنت، ترجمة مصطفى محمد قاسم، سلسلة عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآثار، الكويت، العدد 315، مايو/أيار 2005)، ص 7.
(3) المرجع السابق، ص 214.
(4) هربرت شيللر، المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآثار، الكويت العدد 106، 1999)، ص209.
(5) بريغز، بورك، التاريخ الاجتماعي للوسائط، مرجع سابق، ص 398.
(6) Arnaud Mercier, “War and media: Constancy and convulsion,” International Review of the Red Cross, Vol. 87, No. 860, (December 2005): 650.
(7) بريغز، بورك، التاريخ الاجتماعي للوسائط، مرجع سابق، ص 399.
(8) Mercier, “War and media,” 649.
(9) Ibid, 649.
(10) Manuel Castells, The Information Age: Economy, Society and Culture, vol. 1: The Rise of the Network Society (Malden, MA: Blackwell, 1996), 500.
(11) Eytan Gilboa et al., “Moving media and conflict Studies beyond the CNN effect,” Review of International Studies, Vol. 42, No. 4, (March 2016) : 654–672.
(12) Zizi Papacharissi, Affective Publics: Sentiment, Technology, and politics, (Oxford University Press, 2024), “accessed March 15, 2026), https://academic.oup.com/book/26400.
(13) Mercier, “War and media,” p649
(14) عبد السلام رزاق، “الجزيرة وجمهورها من سياق الصدمة إلى شروط التغيير”، في الجزيرة تروي قصتها: دراسات في العمق، تحرير مصطفى سواق وآخرون، ط 1 (الدوحة، شبكة الجزيرة الإعلامية، 2021)، ص 193.
(15) Lars Elleström, Narrating Through Media Modalities: Narratives and Stories in Different Media, In book Transmedial Narration, (Switzerland: the registered company Springer Nature, January 2019), 46.
(16) Mona Baker, Translation and Conflict, (London & New York: Routledge, Taylor & Francis Group,2006), 101.
(17) Ibid, 101.
(18) محمود محمد الحرثاني، شيماء محمد شهاب، “المدني الفلسطيني في الإعلام الغربي والآليات السردية لتشكيل صورته”، الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 5، يناير/كانون الثاني 2025)، ص 119-120.
(19) المرجع السابق، ص 120.
(20) “نتنياهو يثير عاصفة اقتصادية بدعوته لتحويل إسرائيل إلى إسبرطة”، الجزيرة، 19 سبتمبر/أيلول 2025 (تاريخ الدخول: 18 مارس/آذار 2026)، https://tinyurl.com/yu7jfuk7.
(21) Jean-Paul Bertaud, Quand les enfants parlaient de gloire: L’armée au cœur de la France de Napoléon, (Paris: Aubier, 2006), 220-225.
(22) Mercier, “War and media,” 651-652.
(23) Ibid, 653.
(24) “مقتل ثلاثة صحفيين بنيران أمريكية في بغداد”، بي بي سي عربي، 8 أبريل/نيسان 2003 (تاريخ الدخول: 15 مارس/آذار 2026)، https://tinyurl.com/sp2u2mnu.
(25) المرجع السابق.
(26) المرجع السابق.
(27) رزاق، “الجزيرة وجمهورها من سياقات الصدمة إلى شروط التغيير”، مرجع سابق، ص 191-192.
(28) المرجع السابق، ص 192.
(29) جون بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة جوزيف عبد الله، ط 1، (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 37.
(30) المعز بن مسعود، “أخلاقيات الصحافة الإلكترونية العربية: رؤية جديدة للممارسة المهنية”، في بيئة الصحافة الإلكترونية العربية: سياقات التطور وتحدياته، تحرير محمد الراجي، ط1، (الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات، 2021)، ص 209.
(31) نظام جدام (JDAM) أو “ذخائر الهجوم المباشر المشترك”، عبارة عن حزمة من أجهزة توجيه متعددة تُرَكَّب على القنابل غير الموجهة التي يُصطلح عليها بـ”القنابل الغبية”، فتجعلها ذخائر موجهة -أي ذكية- قادرة على إصابة أهدافها بدقة. صنعت هذا النظام شركة بوينغ، وكان نتاج تعاون بين القوات الجوية والقوات البحرية الأميركية. يتميز النظام بدقته العالية لاعتماده على الأقمار الاصطناعية لتوجيه القذائف، ويعني ذلك أنه لا يتأثر بالظروف الجوية مثل الصواريخ الموجهة بالليزر. للاستزادة، انظر: “نظام جدام.. أداة تحول القنابل “الغبية” إلى ذكية”، الجزيرة نت، 16 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 19 مارس/آذار 2026)، https://tinyurl.com/44pdzjz3.
(32) ميشال مافيزولي، تأمل العالم: الصورة والأسلوب في الحياة الاجتماعية، ترجمة فريد الزاهي، سلسلة ترجمات 1، (الرباط، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، 2005)، ص 111.
(33) بودريار، المصطنع والاصطناع، مرجع سابق، ص 27.
(34) المرجع السابق، ص 32.
(35) Mercier, “War and media,” 654.
(36) Ibid, 651.
(37) Ibid, 652.
(38) Ibid, 654.
(39) طه العاني، “منتظر الزيدي للجزيرة نت: لو عاد بي الزمن للوراء لرميت بوش بالحذاء رفضًا لاحتلال العراق”، الجزيرة نت، 14 ديسمبر/كانون الأول 2020 (تاريخ الدخول: 19 مارس/آذار 2026)، https://tinyurl.com/p82jp3dy.
(40) عبد الله بخاش، “تأثيرات سرديات الدعاية والحرب النفسية الإسرائيلية في الرأي العام الفلسطيني خلال الحرب على غزة (25 يوليو/تموز -16 أكتوبر/تشرين الأول 2024)، الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (الدوحة، مركز الجزيرة للدراسات، العدد 5، يناير/كانون الثاني 2025)، ص 59.
(41) المرجع السابق، ص 61.
(42) المرجع السابق، ص 61.
(43) “نكث الوعود: سياسات ميتا والرقابة على المحتوى المتعلق بفلسطين على إنستغرام وفيسبوك”، هيومن رايتس ووتش، ديسمبر/كانون الأول 2023، (تاريخ الدخول: 7 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/362trhef.
(44) المرجع السابق، ص 65.
(45) محمد الراجي، “الحرب على غزة، وهندسة الإبادة الإعلامية للجماعة الصحفية الفلسطينية (2023-2024)”، الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 4، يوليو/تموز 2024)، ص 19-62.
(46) “ارتفاع عدد الشهداء الصحفيين إلى 262 منذ بدء العدوان على غزة”، المركز الفلسطيني للإعلام، 8 أبريل/نيسان 2026 (تاريخ الدخول: 9 أبريل/نيسان 2026)، https://tinyurl.com/3znwwrnm.
(47) الراجي، “الحرب على غزة، وهندسة الإبادة الإعلامية للجماعة الصحفية الفلسطينية (2023-2024)”، مرجع سابق، ص 47.
(48) محمد أحمد إبراهيم، “شبكات التواصل الاجتماعي وآليات التحكم في الرأي العام العالمي: الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني خلال الحرب على غزة (2023-2024)”، الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام (مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، العدد 5، يناير/كانون الثاني، 2025)، ص 34.
(49) Zeitzoff Thomas, “How social media is changing conflict,” Journal of Conflict Resolution, Vol. 61, No. 9, (1979-1991): 2017.
(50) Borger Julian, “Israel and Hamas deploy Twitter feed in media war,” The Guardian, November 15, 2021, “accessed September 7, 2025”. https://tinyurl.com/ys6zkjtm.
(51) جوهر الجموسي، الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي، ط 1 (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 138.
(52) Aouragh Miriyam, Anne Alexander, “The Arab spring, the Egyptian experience: Sense and nonsense of the internet revolution,” International journal of communication, Vol. 5, (2011): 15.
(53) الجموسي، الافتراضي والثورة، مرجع سابق، ص 88.