ملخص:

تبحث الدراسة أداء وسائل الإعلام أثناء النزاعات التي تعصف بالعالم، والدور الذي يمكن أن تقوم به انطلاقًا من قدرتها على التأثير في الجمهور، من خلال تغطياتها للأحداث النزاعية وكيفية استخدامها للمفاهيم والمضامين المرتبطة بحلِّ النزاعات. انطلقت الدراسة من فرضيات ترى أن الإعلام، وعلى مدار التاريخ، كان دائم الصلة بالنزاعات والصراعات والحروب ومُؤَجِّجًا لها، وأن قدرته على المساهمة في تهدئة النزاعات وحلِّها محدودة جدًّا، باعتبار أن وسائل الإعلام كيانات غير مستقلة، وهي تَتْبَع، بغالبيتها، لجهات فاعلة، محلية أو إقليمية أو دولية، وتتعامل مع أي نزاع تبعًا لأجندات المُمَوِّلِين ومصالح الجهات التي ترتبط بها. وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي لتشخيص النزاع وتوصيفه وتحديد ملامحه ومظاهره، ومقاربة دور الإعلام في تغطيته للنزاعات ومعالجة العلاقة التفاعلية، على ضوئه، بين الإعلام والجمهور والنزاعات. وتتأسَّس أيضًا على المقاربة المعرفية للميديا بوصفها وسائل للبناء الاجتماعي للواقع، وتُحاول، على هذا الأساس، أن تبحث في العلاقة بين وسائل الإعلام والنزاعات من منظور النظرية البنائية ونظرية المسؤولية الاجتماعية. وخلصت الدراسة إلى أن وسائل الإعلام تؤدي أدوارًا أساسية في معظم النزاعات في العالم، لكن لا تزال، في معظمها، غير قادرة على تقديم نموذج إعلامي مهني يهدف إلى الخدمة العامة والإسهام في خَلْق مساحة مشتركة للمتنازعين وتيسير عملية التحاور فيما بينهم. وعلى الرغم من بروز بعض الاتجاهات الصحفية المراعية للنزاعات، والتي أطلقت على نفسها مسميات تهدف إلى اقتراح الحلول والسلام، فإن هذه الاتجاهات بقيت تجارب مرتبطة بحالات موسمية وظرفية وبعيدة كل البُعْد عن الممارسة الإعلامية الدائمة.

كلمات مفتاحية: حل النزاعات، صحافة السلام، الصحافة الحساسة للنزاعات، صحافة الحلول، الصحافة البناءة، المبادرات الإيجابية.

Abstract:

This study examines the performance of media outlets during conflicts affecting the entire world, and the role they can play by virtue of their capacity to influence audiences, through their coverage of conflict events and their use of concepts and content related to conflict resolution. It was based on the premise that the media, throughout history, has been closely intertwined with conflicts, disputes and wars, often fuelling them, and that its ability to contribute to de-escalation and resolution is highly limited. This is largely because media organisations are not independent entities; most are aligned with local, regional or international actors and approach conflicts according to the agendas of their funders and the interests of the parties to whom they are connected. The study adopts a descriptive methodology to diagnose and characterise conflicts, identify their features and manifestations, and examine the role of the media in covering them, as well as the interactive relationship—on that basis—between media, audiences and conflicts. It also draws on a cognitive approach to media, viewing it as a means of socially constructing reality. From this standpoint, it explores the relationship between media and conflict through the lens of constructivist theory and social responsibility theory. The study concludes that media outlets play essential roles in most conflicts around the world; however, they remain largely unable to offer a professional media model oriented toward public service—one that contributes to creating a shared space for conflicting parties and facilitates dialogue between them. Despite the emergence of certain strands of conflict-sensitive journalism, which present themselves as advancing solutions and peace, these have remained limited, situational experiments, far removed from sustained media practice.

Keywords: Conflict Resolution, Peace Journalism, Conflict-Sensitive Journalism, Solutions Journalism, Constructive Journalism, Positive Initiatives.

 

مقدمة

في تقديم كتابهما المشترك بعنوان “عنف العالم”، يركز اثنان من أبرز الفلاسفة وعلماء الاجتماع الفرنسيين، جان بودريار (Jean Baudrillard) وإدغار موران (Edgar Morin)، على موجة الأزمات والنزاعات والهجمات العشوائية والمذابح التي تجتاح معظم مناطق المعمورة. فقد تحوَّل البشر -في منظورهما- من كل الأجناس والأمكنة وعن قصدٍ أو غير قصدٍ، إلى حلبات عنف، وكأن “ثمة لوثة (جينية) تجذَّرت في الداخل، وبدا الجميع وكأنهم، ضد الجميع، كما لو أن الأنظمة والدساتير والنُّظُم المعرفية قد زُحْزِحَت عن مواقعها وتمَّ تَشْفِيرُها بصورة مفاجئة، كما لو أن الذي حدث في التاريخ، قد جاء من خارج التاريخ”(1). بهذه المشهدية التي تضعنا أمام “ثورة كوبرنيكية”، من نوع مختلف، يرسم بودريار وموران صورة العالم في القرن الحادي والعشرين، مع ما يُقابلها من حالة عجزٍ لدى المجتمعات المعاصرة عن إدارة اختلافاتها وخلافاتها، من دون اللجوء إلى العنف بأشكاله المتعددة (بدءًا من العنف النفسي وصولًا إلى الاحتكام للسلاح).

وفي بثِّها، على مدار الساعة، أخبار الحروب والتفجيرات والصراعات، تبدو وسائل الإعلام وكأنها تعيش على إيقاع الكوارث، وتتعمَّد أن تجعل مجتمعاتنا “مجتمعات إدارة الخوف” مُحَوِّلةً المتلقين إلى “جمهور الموت”، بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي، ميشال سير (Michel Serres). وليس حضور الإعلام، بهذا الشكل، بالأمر الجديد، فقد كان إخبار الرأي العام بتطورات العمليات العسكرية، إحدى مهام الصحافة الشعبية الكبرى في القرن التاسع عشر. وسرعان ما أفرزت “هذه المهمة” شخصية “المراسل الحربي” الذي جسَّده “الرحَّالة” ميشال ستروغوف (Michel Strogoff)، وهو يجوب سهول التارتاري باحثًا، بلا كلل، عن محطة تلغراف(2). لكن الأمر الجديد يتمثَّل في توظيف الإعلام في حلِّ النزاعات وإخمادها، وهو ما ستركز عليه هذه الدراسة، من خلال البحث في مظاهر التداخل بين دور وسائل الإعلام وعملية حلِّ النزاعات وبناء السلام، والتي تتم، عادةً، في الحقل الاجتماعي، وتقوم بها مؤسسات اجتماعية ومتخصصون في حلِّ النزاع(3).

شهدنا، منذ نهايات القرن الماضي، على حجم تأثير وسائل الإعلام في تطور الكثير من النزاعات الدولية، وتحديد مساراتها والعنف المتأتِّي عنها، وعلى قيام الفاعل الإعلامي بأدوار بالغة الفظاعة، كان أخطرها، بلا ريب، التقليل من حساسية الناس تجاه العنف، وجعْلهم أكثر تَقَبُّلًا له أو لا مبالين تجاهه؛ إذ إن الفعل المركَّز والمكرَّر للرسائل الإعلامية، يُسْهِم في “شحن” الميديا بقدرة هائلة على التأثير في السلوكيات والمعتقدات داخل المجتمعات، وفي اتجاهات الرأي العام ومزاج الناس سيكولوجيًّا(4). نواجه، حاليًّا، نزاعات وسوء فهم على مستويات مختلفة: محليًّا ووطنيًّا وإقليميًّا وعالميًّا: على المستوى الكلي، أي في المجالات الوطنية والعالمية، وفي المجال الاجتماعي والسياسي (الجماعة، والعِرق، والقبيلة، والمعتقد…إلخ)، والاقتصادي والطبقي، وعلاقات الهيمنة الدولية والسيطرة لصالح الصراعات الإثنية والأيديولوجية (وهذا ما يُحاول الخطاب الدولي، إلى حدٍّ ما، تعميمه)؛ وعلى المستوى المتوسط، أي على مستوى المؤسسات والأعمال، وعلى المستوى الجزئي، أي على مستوى العلاقات الشخصية وداخل الروابط الأسرية.

من هنا، كانت ضرورة تحديد مفهوم النزاع في هذه الدراسة، والتمييز بينه وبين مصطلحات أخرى يتم مقاربتها وتعريفها وتحريرها إجرائيًّا وكأنها مرادفات (النزاع، التنازع، الصراع، الأزمة، الحرب، المواجهات.. وغيرها)(5). من المهم التأكيد أن النزاع ظاهرة اجتماعية سياسية شديدة التعقيد والتشابك بسبب حركيتها وديناميكيتها وتعدُّد أطرافها وتنوُّعُهم بين الداخلي والخارجي؛ مما يؤدي إلى صعوبة متابعة تفاعلاتها. وإذا كانت جميع النزاعات تُعبِّر عن حالة التعارض في أهداف الأطراف المعنية بها ومصالحهم، غير أن مستويات النزاع وأنواعها تتعدَّد، لكن أخطرها هو، بالطبع، النزاع الذي يأخذ طابعًا عنفيًّا. فالحروب التي شنَّتها أوروبا في القرنين، الخامس عشر والسادس عشر، مثلًا، لغزو العالم والسيطرة على موارد القارات الأخرى، تختلف عن النزاع بين إثيوبيا ومصر على مياه النيل، ومطالب الانفصال في جنوب السودان والأكراد عن دولهم، والصراع على السلطة في السودان أو ليبيا، وتختلف حتى عن النزاع بين أميركا ودول العالم الأخرى على الرسوم الجمركية.

وجميع هذه النزاعات تختلف، كذلك وجذريًّا، عن الصراع العربي-الصهيوني أو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بوصفهما صراعًا بين احتلال وشعب يُقاومه، وبين كيان غاصب للأرض كجزء من مخطط للهيمنة الاقتصادية والسياسية على شرايين الاقتصاد العالمي، وبين منطقة (عربية) تسعى لأن تستعيد مكانتها (الاقتصادية والسياسية) في العالم. ويجب التوضيح، في هذا الصدد، أن استخدام الباحثة لـ”مفهوم النزاع”، إنما هو استخدام إجرائي فرضه التداول في الأدبيات والنصوص، ومن ضمنها الورقة المفاهيمية لمؤتمر الدوحة (29-30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، من دون أن نُغفِل حقيقة أن حرب الإبادة الجماعية، التي تشنُّها إسرائيل على الشعب الفلسطيني، تتجاوز، بالتأكيد، مفهوم النزاع المعمَّم خطأً.

ولذلك نصوغ إشكالية الدراسة في هذا السؤال المحوري: إذا كانت هناك قوة دينامية في وسائل الإعلام للتركيز على أخبار النزاعات والأحداث السيئة، في أي بقعة في العالم، تطبيقًا للقاعدة المعروفة “إذا كانت هناك دماء ومصائب وخسائر وفضائح، فالخبر رئيسي”، فكيف يمكن لتلك الوسائل أن تدحض هذا “المبدأ” وتُضَاعِف من مساحة المحتوى الإيجابي* في معالجاتها للأحداث النزاعية؟

 

  1. الإطار النظري للدراسة ومنهجيتها

تسعى الدراسة إلى البحث في أداء وسائل الإعلام، عامة، وتحاول استكشاف قدرة الميديا في التأثير على الجمهور من خلال التغطيات والمعالجات الإعلامية للأحداث النزاعية، ومن ثم إبراز مدى استخدامها للمفاهيم والمضامين المرتبطة بحلِّ النزاعات. وتنطلق من ثلاث فرضيات: الأولى ترى أن الإعلام كان، وعلى مدار التاريخ، دائم الصلة بالنزاعات والصراعات والحروب بل مُؤَجِّجًا لها، والفرضية الثانية ترى أن وسائل الإعلام، وبهدف “رفع شعبيتها”، تُسَلِّع وتُرَوِّج الخوف (الشرط الأساسي لإدراك النزاع وإحدى أدوات التحكُّم السياسي في العصر الحالي). أما الفرضية الثالثة فتفترض أن عدم حيادية وسائل الإعلام ولا موضوعيتها، يحدَّان من قدرتها على المساهمة في تهدئة النزاعات وحلِّها.

تتأسَّس الدراسة على المقاربة المعرفية للميديا، بوصفها وسائل للبناء الاجتماعي للواقع، وإعادة تشكيل أحداث العالم وتحويل الموضوعات المجردة إلى معلومات ومعطيات ملموسة، تحتكم في بنيتها وتصوراتها إلى ذهنية جماعية. وتحاول، على هذا الأساس، أن تدرس العلاقة بين وسائل الإعلام والنزاعات من منظور النظرية البنائية التي تجعل من الخطاب الإعلامي أداةً لـ”بناء الأحداث” و”صياغة الواقع” و”عملية إنتاج المعنى” بهدف صياغة الرأي العام وتوجيه إدراك الجمهور، بدلًا من مجرد نقل المعلومات. كما تعتمد، في مجال آخر، على نظرية المسؤولية الاجتماعية التي تُبيِّن وجوبَ تَقَيُّدِ الصحفي وتَقَبُّلِه لمجموعة معينة من الالتزامات (خلال تغطية النزاعات)، ولاسيما بعض المعايير المهنية في نقل المعلومات إلى الجمهور. لقد استندت الدراسة إلى المنهج الوصفي لتشخيص النزاع وتوصيفه وتحديد ملامحه ومظاهره من منطلق أنه نتاج تفاعلات نشأت قبل ظهوره، ومقاربة دور الإعلام في تغطيته للنزاعات ومعالجة العلاقة التفاعلية بين الإعلام والجمهور والنزاعات(6).

أما مدونة البحث، فتألَّفت من 62 مادة منشورة، منذ بداية عام 2000 وحتى نهاية 2025، وتناولت مواضيع ذات صلة بالإعلام والأزمات والحروب وأخلاقيات العمل الصحفي (دراسات وأوراق بحثية ومواجز سياسات ومعايير وقوانين وتقارير ومقالات تحليلية وأعمال صحفية). وتُشير الباحثة هنا إلى أن جَمْعَ نصوص هذه المدونة لا يهدف إلى نقدها أو تحليلها، فهي تُمثِّل مصادر للمعلومات وخلفية معرفية للاطلاع على كيفية تناولها لدور وسائل الإعلام أثناء النزاعات. وبما أن الدراسة بحث نوعي، تستعين الباحثة بتقنية المقابلة من أجل وصف المشكلة وإعطاء تفسيرات لبعض المعلومات من قِبَل المعنيين بموضوعها(7). وقد بلغ أفراد العينة 24 مبحوثًا من الصحفيين الذين غطوا نزاعات مختلفة حول العالم(8)، وأساتذة في كليات الإعلام والاتصال والعلوم السياسية والحقوق والعلوم الاجتماعية(9).

وأجريت المقابلات مناصفةً بين الصحفيين والأكاديميين، خلال الفترة الممتدة بين 14 يوليو/تموز و14 أغسطس/آب 2025، عبر “زووم” أو “واتساب” أو “البريد الإلكتروني”. وتُشير الباحثة في هذا الصدد إلى الجهود التي بذلتها لمحاورة صحفيين ومراسلين حربيين غربيين لكن دون أية استجابة أو تفاعل مهني، إما بسبب عدم التمكن من الوصول إليهم وإنجاز المقابلات ضمن المهلة المحددة لإعداد هذه الدراسة، وإما بسبب رفضهم إجراء المقابلة والإجابة على الأسئلة. ولسدِّ هذا النقص، قامت الباحثة بمراجعة ما استطاعت إليه سبيلًا من كتب أصدرها مراسلون حربيون أجانب، وتضمنت تقارير وشهادات وانطباعات تكوَّنت لديهم من خلال تغطياتهم في الميدان(10).

 

  1. جيوبوليتيك الإعلام في زمن “فورة” المعلومات والنزاعات

منذ الحربين العالميتين، انتقلت وسائل الإعلام بوضوح من المحلية إلى العالمية بفضل التطورات التي حصلت في العالم والابتكارات والتغييرات المتعددة التي تربط الاتصالات بالرقمنة؛ مما أتاح الحصول على المعلومات، في أي مكان وزمان. وإذا كان من الجدير التذكير بإطار “أحوال” المعلومات في أوقات الحروب، فإن التطور الملحوظ يستحق الإشارة إليه، أيضًا، فيما يتعلق بكل حالة، بدءًا بـ”متلازمة فيتنام” التي قَضَّت مضجع الولايات المتحدة (في حربها الطويلة)، مرورًا بالصراعات غير المتوقعة في يوغوسلافيا بعد 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وصولًا إلى التداعيات الدولية لأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 (بعواقبها المتعددة بما فيها “حرب العراق”، عام 2003). ولقد دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة، أيضًا، وكأن العالم يُعاني اختلالًا كبيرًا جرَّاء النزاعات والأزمات التي تجتاح المعمورة، وترتبط بحالة الإنهاك المتزامنة للحضارات كافةً، وبخاصة المجموعتيْن الثقافيتيْن اللتيْن يدَّعي العالم نفسه الانتماء إليهما، ألا وهما الغرب والمنطقة العربية(11).

صار العالم اليوم عالمًا مُحارِبًا بامتياز، على كل الجبهات، ويعيش صراعًا شرسًا على كسب الرأي العام حيال النزاعات التي تُخاض حول مواضيع الإرهاب والحدود والسلطة والنفوذ والاقتصاد والثروات الطبيعية والهيمنة وإعادة هندسة العالم…إلخ؛ ما أدى إلى إعادة تشكيل العلاقات بين الدول والشعوب، وفق عوامل ومعطيات يعجز الأفراد والمؤسسات، وحتى الأنظمة، عن التحكُّم بها. ولذلك، لا يمكن اعتبار النزاعات الدولية مجرد صراع بين الدول، وإنما مواجهة تُراقِبُها الشعوب ويُراقِبُها الإعلام، أيضًا، بالنظر إلى العلاقة البنيوية والوظيفية التي تجمعه بالجماهير والرأي العام، وتجعله إما شاهدًا على هذه النزاعات أو جزءًا منها(12). وإذا كانت النزاعات قد مثَّلت، عبر التاريخ، محور العلاقات المركزية في ظهور الدولة واستمرارها، بكل أشكالها، فإن طبيعتها (النزاعات) قد شجَّعت وأفرزت ظواهر سياسية واجتماعية. ومن هذه الظواهر، ما يمكن أن نَعُدَّه نظامًا رمزيًّا موازيًا اصْطُلِح على تسميته بـ”النظام الإعلامي” الذي عزَّز من مكانة الوسائل الإعلامية والاتصالية، في التحولات السياسية وفي الحراك والتفاعل ضمن معطى المصالح والنفوذ(13).

في حقبة ثمانينات القرن الماضي، بدأ البُعْد الجيوسياسي لوسائل الإعلام والاتصال بالتبلور، مذ صار يُتَرْجَم انعكاسًا طبيعيًّا للاضطرابات والصراعات العالمية (وخاصةً بين القوى الكبرى)، ونظامًا يتعامل مع دراسة العلاقات بين الأفراد والأقاليم، وبين الفضاء والسياسة؛ إذ تدرس جيوبوليتيك الإعلام العلاقة الجدلية المركبة بين كل تلك المكونات، وكيفية مساهمة الوسائل الإعلامية في تشكيل الوعي الجيوسياسي لدى الأفراد والمجتمعات، ومن ثم كيفية استخدام هذه الوسائل للتأثير في الرأي العام وتشكيل السياسات. وتكمن أهمية هذا الفرع من الجيوبوليتيك في كونه يركز على العلاقة بين الإعلام والجغرافيا والسلطة، وهو يتعمق في البحث في آليات التنافس على السلطة، في منطقة ما، وفي تَمَثُّلات الصراعات القائمة (في أو حول تلك المنطقة) من أجل التأثير عبر وسائل الإعلام. فهذه الأخيرة، “باتت جزءًا من القوى المنغمسة في النزاعات ومرتبطة بالأطراف المتنازعة التي تستخدمها، بشكل مباشر أحيانًا، وسيلةً للتحريض والتجييش، كما حصل في روندا على سبيل المثال”(14)؛ إذ إن الوسائل الإعلامية “تملك القدرة على إنتاج الخطاب المهيمن، خاصة عندما تتحوَّل، بشكل صريح، إلى أداة للدعاية السياسية والترويج لسردية ضد سردية أخرى”(15).

ليست الميديا والقنوات الاتصالية الرقمية مجرد ناقل للمعلومة والخبر إذن بل تُعد انعكاسات وعناصر فاعلة للتغيرات الجيوسياسية وتناقضات المجتمعات الإنسانية، ومن ثم للاختلالات الكبرى في عالم اليوم، بالنظر إلى طبيعة علاقة الإعلام بـ”الواقع” والتي يوجد حولها خلاف؛ إذ يعتقد بعض الباحثين أن الإعلام يعكس الواقع، ويعتقد آخرون أنه يخلق الواقع من خلال إدارته للمعتقدات السائدة. فوسائل الإعلام والاتصال، ولكونها تنقل “الرسائل” المتصلة بالعالم الخارجي، فهي قادرة على توجيه الأحداث والتأثير في السياسات، والقيام بدور حاسم في قلب موازين القوى وإعادة تشكيل الخريطة السياسية العالمية، وإدارة نظام دولي يتلاشى وآخر يتشكَّل من جديد. ولذلك، فإن الدول الغربية الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة وحلفاءها في أوروبا، وبناء على فهمها الموضوعي للخريطة التأثيرية للعالم، أدركت أن الإعلام سيكون أثناء النزاعات أحد المساند الأساسية لخططها وإستراتيجياتها، فضلًا عن القوة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية(16).

من هنا، نفهم السعي الحثيث لأنظمة تلك الدول ومؤسساتها، وخاصة المؤسسة العسكرية، لـ”وضع اليد” على قطاع الإعلام (أثناء النزاعات والحروب)، والتحكُّم في ما يُبَثُّ ويُنْشَر. فهذا “الاستعمار الإعلامي” المنشود يعني العملية التي تتعرَّض فيها ملكية وسائل الإعلام وتركيبها ومضمونها، في دولة معينة، لضغوط خارجية من المصالح الإعلامية لدولة أخرى، والهيمنة على محتوى الرسائل الإعلامية من خلال امتلاك زمام أدوات هذه الهيمنة (من وكالات أنباء ومنظومات إعلامية ومراكز إنتاج سينمائي وشركات اتصال عملاقة مثل أمازون وآبل وغوغل وميتا)(17). من هنا، نفهم أهداف وطموحات الإعلام الغربي، الذي ينتقد كل تعاطف مع الدول النامية، وضَخَّه يوميًّا كمًّا ضخمًا من المعلومات والأخبار ذات المحتوى المُحَرَّف، والتي تُنْقَل إلى شعوب الجنوب المتلقية في صورة حقائق ومواقف (صادقة ودقيقة)، فيُمَارَس عليها ما يمكن وصفه بـ”ديكتاتورية المعرفة” المُعتبَرة سببًا في دعم عدم المساواة بين دول العالم(18).

وعلى أساس ما يَضُخُّه هذا الإعلام من رسائل إعلامية، يتم تشكيل المضمون الإعلامي وفق القواعد التالية:

– خَلْقُ عقدة التفوق والهيمنة والشعور بالقوة والتميز لدى المواطن الغربي في مواجهة “تخلُّف” مواطني العالم النامي.

– تبرير عمليات الإبادة والقتل التي ترتكبها القوى الاستعمارية عبر تصوير الشعوب (التي تُباد) بوصفها أقل من مرتبة البشر.

– محاولة إقناع الناس، عبر “سيكولوجية الإيحاء العكسي”، لكي تدفع مَنْ تُريد إقناعه باتجاه ما تُضْمِره من رغبات.

– تخويف الغربيين البيض “المتطورين” الذين بنوا الحضارة الغربية المتفوقة من “عنف” الشعوب الأخرى الملونة و”المتخلفة” بوصفهم برابرة يمكن أن يُدمِّروا الرفاهية التي يعيش فيها الغربيون(19).

لقد سلَّطت بعض الأبحاث الإعلامية الضوء على بعض الاتجاهات المقلقة في ثقة الجمهور بدقة وموثوقية تغطية الصحفيين للنزاعات. ولذلك، كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى تحرص، على الدوام، على الحفاظ على سمعتها مصادرَ موثوقةً ومعتمَدةً، فلا تُخاطِر بنشر معلومات دقيقة، وتسعى إلى التزام أخلاقيات الممارسة الصحفية في النزاعات المسلحة، على وجه الخصوص، حتى ولو تعارضت مع سياسات دولها(20). لكن هذا الواقع تحطَّمت “جدرانه” في شوارع غزة؛ حيث أثار السقوط الأخلاقي في تغطية معظم وسائل الإعلام الدولية للحرب جدلًا كبيرًا بشأن مسؤولية الصحفيين الذين لم يكونوا مجرد مُبَلِّغِين عن العنف المنظَّم المُمَارَس بحقِّ الشعب الفلسطيني، فحسب، بل شهود عيان ومشاركين في تضليل الرأي العام عن إحدى أكبر عمليات إبادة المدنيين في التاريخ الحديث (تمزيقُ الصحفية والمصوِّرة الكندية في وكالة رويترز، فاليري زينك (Valerie Zink)، بطاقتها الصحفية، في 25 أغسطس/آب 2025، احتجاجًا على ما وصفته بـ”تورط الوكالة في تبرير جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة”، دليلٌ ساطع على هذا الكلام).

ويمكن أن يؤدي الصحفيون دورًا مُعاكسًا بالكامل، “فحين يلتزمون بالدقة في نقل المعلومات، ويُقَدِّمون تغطية نوعية متعمقة وغير انفعالية، يمكنهم من خلال السياقات التي يرسمونها أن يتحوَّلوا إلى جسرٍ يربط بين أطراف النزاع، وأن يقوموا بدور في بناء مساحات تواصُل غير مباشرة وتهدئة أو إشعال الميدان”(21). وربما يكون أهم دور “يمكن للصحفي أن يقوم به في النزاعات، هو التلاعب بقلوب الجماهير وعقولها، إذا جاز التعبير، لكن ليس بصانعي القرار. وما نشهده، منذ قرابة العامين في غزة، هو أكبر برهان على صحة هذا القول”(22)؛ فقد استُخدِم النظام الإعلامي الدولي لتحديد أجندة القضايا العالمية وأولوياتها، وفرض رؤية القوى الكبرى للعالم (الولايات المتحدة تحديدًا) وتقسيمها له، وإدارتها للنزاعات العالمية وإشعال الحروب. ولذلك بَنَت وسائل الإعلام صورةً لـ”هذا العالم”، بحسب الرؤية الغربية لأهمية الدول، وتوزيع الموارد والثروات وطُرُق التجارة. وفي هذا الإطار، تتم عملية انتقاء الأخبار تبعًا للمعايير التي وضعتها الاحتكارات الإعلامية المسيطرة على صناعة المعلومات، وطبقًا للقيم الخبرية التي تُرَوِّجُها الأيديولوجيا الإعلامية الغربية (الخفية)(23).

 

  1. بناء النصوص الإعلامية ومعالجتها لأخبار النزاعات

النزاعات مادة خصبة لوسائل الإعلام، وتُعد أحداثها جوهر الأخبار المؤثرة وتحظى بمساحات واسعة في التغطيات والمعالجات الصحفية التي تُشكِّل تحديًا كبيرًا أمام غالبية الصحفيين المتمرسين منهم والمبتدئين. وتُمثِّل التغطية الإعلامية للنزاع (في الميدان أو في مكاتب التحرير)، حالة استثنائية في عمل الصحفيين؛ إذ تستنفر، كل وسيلة إعلامية، كافة طاقاتها وتحشد كل جهودها لمتابعة الأحداث، والتحري عن المعلومات والحقائق المتعلقة بتطورات النزاع، واكتشاف الاتجاه العام حيالها، وتوضيح المشاكل النابعة عنها، ورسم الاستنتاجات ذات الصلة بالموضوع. وتوجد ثلاثة مستويات للدور الإعلامي أثناء تغطية النزاع، تتمثَّل في: 1) نقل المعلومات عبر الأخبار والتقارير والرسائل المباشرة، فضلًا عن التصريحات والبيانات المختلفة الصادرة عن الجهات المعنية بالنزاع (بشكل مباشر أو غير مباشر). 2) رصد ووصف وقائع الأحداث وتطوراتها المختلفة. 3) إبداء الرأي في إطار تحليلات وتعليقات يخرج محتواها عن مستوى النقل ليؤكد اتجاهًا أو موقفًا معينًا، سواء ما يتعلق بالأحداث عامة، أو بجزئية معينة منها.

فالخطاب الإعلامي ليس لغة عمومية فقط، ولكنه خطاب عمومي كذلك، لكونه مصدرًا وهدفًا مُوَجِّهًا ومُوَجَّهًا، في الآن عينه؛ إذ يعتمد هذا الخطاب أثناء النزاعات، وبشكلٍ خاص، على النظرية البنائية لتشكيل الواقع الاجتماعي من خلال إستراتيجيات تشتغل على تأطير المعنى وترتيب الأولويات وليس على نقل هذا الواقع كما هو؛ إذ تقوم وسائل الإعلام باختيار وإبراز أحداث ورموز معينة وسياقات محددة تتناسب مع سياستها التحريرية، وتحجب أحداثًا ورموزًا وسياقات أخرى على الأُسُس ذاتها؛ مما يؤدي إلى “بناء” نسخة خاصة من الواقع في أذهان الجمهور. أي بتعبيرٍ آخر، لا ينقل الإعلام “الحقيقة” مجردةً، بل يُعِيد إنتاجها بهدف بناء صور ذهنية نمطية، وتأطير القضايا لخدمة مصالح أصحاب المؤسسات الإعلامية (ومن يؤيدونهم من أطراف النزاع)؛ ما يجعل الجمهور يبني معانيه الخاصة بناء على هذا التشكيل(24).

من هنا، فإن تغطية النزاعات تتطلب فهمًا صلبًا للمواقف المتنوعة حول النزاع (الذي يُغَطَّى)، وتحكمها معاملات شديدة الحساسية والدقة يتخلَّلها الكثير من التفاصيل التي يجب ربطها، كلها، بالمسؤولية الاجتماعية في عمل الصحفي ومؤسسته؛ بدءًا من عرض الفكرة وإجراء البحث المعمَّق حولها، مرورًا بدراسة موقع الحدث النزاعي وترتيب أولويات الصحفيين فيه وحسابات المخاطر الجسدية والنفسية (على الصحفي)، وصولًا إلى أدوات الإنتاج والانتقاء المتكافئ والمنصف لمصادر المعلومات (بين أطراف النزاع)، والتعامل مع الانحياز اللاواعي والانتباه بشدة للحساسيات العسكرية والسياسية والأخلاقية المرتبطة بتفاصيل التغطية. وبلا شك، تؤثر معتقداتُ الصحفي وتَوَجُّهَاتُه في انتقاء الأخبار وعرض التقارير والتحقيقات وبناء السرديات والروايات التي ينقلها للجمهور. كما تتعدَّد سلوكيات الصحفيين أثناء التغطيات: فبعضهم، من ذوي التوجُّهات الأيديولوجية المتطرفة، يكونون أبواقًا تُكَرِّر، عن عمد، ما تُمْلِيه عليهم الجهات السياسية المسيطرة (في مكان التغطية)، وهناك صحفيون يَبُثُّون، من دون وعي، الدعاية المنشورة والمُرَوَّجَة عن الأحداث ولا يتحقَّقون من المعلومات، إما بدافع الكسل، وإما بدافع الجبن، حتى لا يُناقِضوا الرأي العام الإعلامي السائد(25).

وتعتمد العملية الإعلامية أثناء تغطية النزاعات على توافر جملة أمور، أهمها:

– تحديد الأهداف التي يتوخى الصحفي تحقيقها بدقة.

– تحديد مواقف أطراف النزاع (والأصدقاء والأعداء) بكل موضوعية تجاه القضايا المستهدَفة، وتحليل ردود فعلهم المتوقعة على ما سيُطرح من قضايا وآراء.

– اختيار الأسلوب الإعلامي الأفضل والوسيلة الأنسب لمخاطبة الجماهير المختلفة، والتي يُراد كسبها أو تحييدها أو إحباطها (من خلال معالجة هذه القضية أو تلك).

– تحديد الفئات النشيطة التي يُتوقَع أن تؤدي دورًا أساسيًّا في قيادة الجماهير وفي توجيه قرارات سياسية وغير سياسية ذات العلاقة الوثيقة بالموضوع المُعالَج(26).

وتعتمد الوسائل الإعلامية أثناء النزاعات (والأزمات عامة) على مجموعة من التقنيات لرفع سقف الزخم الإعلامي للموضوعات المعالَجة، وجذب أكبر عدد ممكن من المتلقين. ومن أبرز هذه التقنيات تلك المعروفة بـ”الرافعة التواصلية”، وتعني القيام بعدد من الإضافات النوعية التي ترتكز على الحقول الدائرية للحدث الأساسي، من خلال ما نُسَمِّيه، بلغة الإعلام، “الإسقاط الأفقي والعمودي” للحدث والمعلومات الأساسية المتصلة به (مثل إعداد “تقارير خلفية” تستجلب معلومات وصورًا وفيديوهات من الأرشيف تتعلق بالمعلومات الخارجة من الحدث وتُعِيد وضعها في سياق الحدث)(27).

هناك ثلاثة أنواع من المعالجات الإعلامية أثناء النزاعات:

المعالجة المثيرة: وتميل في تغطيتها إلى التهويل والمعالجة السطحية، وينتهي اهتمامها بأخبار النزاع بانتهاء الحدث، لذا تُعَدُّ معالجة مبتورة تتسبَّب في تضليل وعي الجمهور وتشويهه. وتكون هذه المعالجة الإعلامية، عادةً، استجابةً لما تفرضه اعتبارات السلطة في بعض الأنظمة أو احتياجات السوق الإعلامية، والتي تركز على الوظائف التسويقية للإعلام من دون النظر إلى وظائفه الأخرى.

المعالجة الناقصة: تناقض هذه المعالجة سابقتها، بالكامل؛ إذ لا تقوم على التهويل بل على التهوين، أي قد تُقَلِّل من معلومـات وأخبـار ذات أهمية قصوى للمجتمع، مثل إبراز الأصوات الداعية إلى انتهاج الحوار السياسي حلًّا للأزمـة، أو تبالغ في اعتبار هذه الأصوات خطيرة على المجتمع.

المعالجة المتكاملة: وهي المعالجة التي تتعرَّض للأبعاد المتعددة للأزمة والنزاعات المختلفة (مواقف الأطراف المعنيين، الأسباب، السياق، التطورات، الآفاق..إلخ). وتتسم هذه المعالجة (وهي الأفضل بطبيعة الحال) بالشمولية والعمق والمتابعة الدقيقة وباحترام الجمهور المتلقي.

غالبًا ما تتوسَّل وسائل الإعلام المعالجتيْن، “المثيرة” و”الناقصة”، فلا تشرح للجمهور طبيعة النزاع ونوعيته وحجمه وخصوصية المرحلة الزمنية التي يمرُّ بها. وفي هذا السياق، تُشير الباحثة إلى أن البناء الإعلامي للحدث النزاعي لا يشترط طريقة من الوصف والنظر للواقع فقط، وإنما يتطلب بناء واقع جديد يتمُّ، في العادة، من خلال “إستراتيجية إعلامية موقفية” تعكس فلسفة الجهات المعنية بالنزاع، وترتكز على عدد من العناصر، كما يظهر في الجدول رقم (1).

 

جدول (1): أبرز عناصر بناء الإستراتيجية الإعلامية أثناء النزاعات

 

م العنصر المضمون
1 التشخيص سرد الأحداث واختصارها عبر الشخصيات التي تعتقد وسائل الإعلام أنها تؤدي دورًا استثنائيًّا في حدوثه.
2 الإثارة تستند إلى القطيعة مع الوضع القائم والخروج عن المألوف والانحراف عن الاعتيادية.
3 الاقتتال اللجوء إلى الاستعارات المستقاة من الحرب فتُقَوْلَب الأحداث وتُنَمَّط وتُحَوَّل إلى مادة للاقتتال لخلق اصطفاف لدى الجمهور.
4 الأَسْطَرَة توظيف الأساطير والسرديات لإعطاء معنى للأحداث، حتى وإن كان هذا التوظيف يؤدي إلى اختصارها وسجنها في صور نمطية.
5 خَلْق الرعب المجتمعي إعطاء النزاعات أبعادًا غريبة عنها والانسياق وراء نظرية المؤامرة لتحويل أي حدث (محلِّي) بسيط إلى أزمة كبرى.
6 الترقب بث معلومات غير مؤكدة وتكرارها باستمرار لترك الجمهور المتلقي في حالة قلق وانتظار(28).

 

سار معظم الإعلام في العالم على هدي بعض الأضاليل، مُتَسَلِّحًا بعناوين فضفاضة، مثل: الاستقلالية والموضوعية والحياد وحرية التعبير، وكان من مفاعيل هذا “النهج”، في معظم الأوقات، أن تمَّ العمل على تجهيل الفاعل، وتناوُل الأحداث خارج سياقاتها، واستخدام التعابير الاختزالية الجاهزة من دون تمييز معانيها، واستعمال الصيغ الإطلاقية والتعميمية، وتكريس المنمَّطات والأحكام المسبقة، والاستعجال في حَسْم الأمور وتوقع النتائج، وشَخْصَنَة القضايا المعقدة، وشَيْطَنَة الخصم، وترْك الأسباب والانشغال بالنتيجة، والتوقف عند سؤال الـ”كيف” وإغفال الـ”لماذا”، فضلًا عن بعض المفاهيم التي تَجُرُّ معها دلالات أخرى مراوِغة (مثل طرح عنوان الحياد)(29).

ولا تتم التغطيات والمعالجات الإعلامية بالسهولة التي يعتقدها غير العارفين بالجوانب الخفية في العمل الصحفي وحيثياته ومساراته؛ إذ يُعاني بعض الصحفيين من صعوبات كبيرة، ولاسيما العاملون منهم في وسائل إعلامية لا تتناسب سياستها التحريرية مع قناعاتهم (وهذا ما ظهر جليًّا في تغطية وسائل الإعلام الغربية الرئيسية للحرب على غزة). وتُعَبِّر صحفية سابقة في “بي بي سي” (BBC) قائلةً: “كل يوم معركة، وكل يوم جدل، هل هم يحاولون أن يُنبِتوا المستحيل كشوكٍ على أطراف أصابعنا، لا أعلم، ولكن هذا ما أُحِسُّه مع مرور الأيام”(30). “فالحاصل اليوم، أن وسائل الإعلام صارت تتطاحن وتتنازع فيما بينها؛ إذ لم تَعُد السردية وحدها العامل الأساسي في تكريس أداء الإعلام الانحيازي، وإنما التنافس السلبي الذي تقوم به المؤسسات الإعلامية لاعتبارات إدارية وسياسية وتجارية، وأحيانًا كثيرة شخصية”(31).

الخطاب الإعلامي، عامة، والخطاب الإعلامي الغربي، خاصة، هو -وكما حاولت الباحثة أن تُبيِّن- خطابٌ “مُبَنْيَن” يتشكَّل، وفق وجهتيْن: المقول والمسكوت عنه. أي، تُمَارس وسائل الإعلام، وتبعًا لارتباطاتها بالأجندات السياسية المختلفة، انتقائيةً فيما تقول وتُصَرِّح وتوحي، وفيما تُهَمِّش وتَسْكُت عنه وتُقْصِيه. فالصمت الإعلامي، “وحين يترافق مع الانتقائية في التغطية أو التسطيح في المقاربة، يُصبح شريكًا غير مباشر في إدامة النزاع وتأجيجه”(32). وتكمن إشكاليات التأثير في البناء الإعلامي لتغطية النزاعات، في كونها لا تُحَدِّد الأجندة العامة للنقاش السياسي (حول هذه النزاعات)، لكنها، بالمقابل، تُبْرِز مظاهر مدى تبعية الوسيلة الإعلامية للنُخب الحاكمة (على أكثر من مستوى)، والتي تظهر في السيطرة على عملية تدفق المعلومات وتوظيفها، وفي مجموعة المفاهيم والمصطلحات التي يتم توظيفها وتمريرها وتعميمها على الصحفي، قبل الجمهور المتلقي.

 

  1. التضليل بالمصطلحات أثناء النزاعات

معلوم أن الإعلام هو أكثر الأنشطة الاجتماعية استخدامًا للغة، منطوقةً كانت أو مكتوبةً. واللغة التي يستخدمها، تُسَمَّى “اللغة الإعلامية”، والتي ليس لها وجود مستقل عن اللغة في معناها الواسع، إنما تُعد جزءًا لا يتجزأ من العملية الاتصالية التي تُطْلِقُها وسائل الإعلام وتؤدي فيها اللغة وظائف أساسية لا تتجلَّى إلا من خلال فعل الاتصال، بمجمله، والظروف التي يحدث فيها، فضلًا عن سياق الكلام/الكتابة (أي المكان والوقت والأهداف الاتصالية والوضعية العائدة لقطبيْ العملية الاتصالية)(33). ولِلُّغة أسلحتها التي أجادت السلطات استخدامها (سلطة الحُكم أو سلطة العِلم أو سلطة المال أو سلطة “رجال الدين” أو سلطة الإعلام)، من خلال إستراتيجيات المؤسسات التي تسعى لاحتكار ملكية التخاطب مُسْتَغِلَّةً في ذلك “التكتيكات” البلاغية لمزج القيم بالآراء، وتوسيع الجزئي في هيئة الكُلِّي وتقليص الكلي ليبدو جزئيًّا، والقفز إلى نتائج غير مُسْنَدَة من المقدمات، وإخفاء الغرض في أغلفةٍ براقة من طقوس الكلام(34).

ما يهم في هذا المحور البحثي هو التعرف على كيفية تعاطي الصحفيين “مع اللغة” في تغطياتهم للنزاعات، وعلى ما يختارونه ويستخدمونه (في صياغتهم لموادهم) من تعابير ومصطلحات وأساليب، لها خصائصها ودلالاتها ولفتاتها التحليلية وخلاصاتها التركيبية، في لغة التداول الإعلامي. فمن دون أدنى شك، يُسْهِم الصحفي في صناعة المعلومة، ويتعمَّد، لإيصالها إلى الجمهور المتلقي، تَوَسُّلَ أسلوبٍ مُحَدَّدٍ (غير عفوي)؛ فهو يُدرِك أن وظيفته لا تكمن في الإخبار، فحسب، بل كذلك في توجيه الأذهان والتأثير في الجمهور، من خلال الترويج لأفكار دون أخرى، تخدم، في كثير من الأحيان، مصالح معينة(35). ولقد شكَّلت قضية التعامل مع “المصطلح الإعلامي”، أحد أركان سياسة التأزيم في القضايا السياسية والاجتماعية والأمنية، في البلدان التي تحتضن تلك القضايا. صحيح أن المصطلحات ليست شيئًا ثابتًا مستقرًّا، بل يعتريها الاختلاف والتغيير والتبديل بين فترة وأخرى وبحسب التطورات والمستجدات غير أن انتقاء المصطلحات والتلاعب المقصود فيها، يُعَدَّان أحد أبرز أنماط التحيز الإعلامي، وخاصة في السياقات التي تتقاطع فيها الكوارث الإنسانية والنزاعات والأزمات مع حسابات السياسة والاقتصاد المعقدة(36).

نميل في العمل الصحفي، غالبًا، إلى الاعتماد على جمل وتعابير اعتيادية لإيصال الرسالة الإعلامية إلى المتلقي، ويسود هذا النهج بصورة أوسع عندما يكون هناك ضغط، أثناء الأزمات والنزاعات، لتقديم تقرير إخباري أقوى وأشد وقعًا. لذا يجب أن يحرص الصحفي على اختيار المصطلحات والتعابير التي يضمن أنها لن تُعطي الجمهور نظرة متناغمة خاطئة عن المجتمعات المنغمسة في النزاع(37). من هنا، فإن الصحفي لا يختار “ما يقوله” “وكيف يقوله” بطريقة عشوائية أو كيفما اتفق، بل ينتقي كلماته ومفرداته وتعابيره بشكل يرسم من خلاله، وإلى حدٍّ كبير، إطار رسائله المبثوثة للمتلقي، لكي تخلق صورة ذهنية مُحَدَّدَة وتُعبِّر عن مضامين ومفاهيم وأفكار معينة وذات أهداف واضحة (كامنة غالبًا).

من هنا، كان لتحديد المصطلحات وتحريرها في البناء الإعلامي للنصوص الصحفية أهمية خاصة، ولاسيما عندما يكون المصطلح متعدِّد الدلالات وذا قابلية للاختلاط بغيره من المصطلحات (مثل: مصطلح النزاع الذي يستخدمه الصحفيون مرادفًا أحيانًا للصراع أو الأزمة أو المواجهة أو الحرب أو حتى أعمال الشغب…وغيرها)(38). ولكل وسيلة إعلامية ما نُسَمِّيه، بلغة المهنة، “دفتر يوميات” أو “سجل التحرير”، وعبره يُعَمَّم على الصحفيين ما يجب استخدامه من مصطلحات وتوصيفات تتناغم، بطبيعة الحال، مع السياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية، وتعكس أفكارها وميولها واتجاهاتها وأهدافها (مثلًا، كأن يتم الاختيار بين مصطلح ثورة أو انتفاضة أو تمرد أو احتجاج أو تجاوزات، وبين مصطلح اجتياح أو غزو أو عدوان أو تدخل عسكري أو إعادة انتشار، وبين شهيد وقتيل وضحية…إلخ).

وفي تعاملها مع النزاعات والحروب، تُخطِّط وسائل الإعلام للتغطيات ولتأمين لوجيستي لفِرَق العمل الميداني، وتتبارى في إرسال صحفييها إلى مناطق الأحداث وفتح هوائها لأيام وأسابيع. لكن اهتمامها يظل محدودًا للغاية، كما يؤكد معظم الصحفيين الذين التقيناهم، فيما يخص التدقيق فيما يجب أن يختاره أو يتجنَّبه الصحفي من مصطلحات لتوصيف هذا النزاع أو ذاك، أو الأسس التي يتم الاستناد إليها في اعتماد مصطلح ما، أو المعايير التي تضبط استخدام تلك المصطلحات(39). ومن خلال بعض التسميات والمصطلحات، يأخذ الخطاب الإعلامي على عاتقه مهمة تصنيف الأحداث ويتدخل، بشكل مباشر، في إدراك المتلقين للوقائع والحقائق، وفي عملية تكوين صورة عن الحدث أو القضية أو النزاع في أذهانهم. ما يعني، مساهمة الإعلام، مساهمةً عضويةً، في تكوين الرأي العام وتوجيهه من خلال تبنِّيه لبعض المصطلحات دون سواها، وتبنِّيه للقناعات والخلفيات التي قام من أجلها ذلك الصراع أو تلك الحرب.

بكلام أدق، تتنوَّع المصطلحات وتتخذ أشكالًا مختلفة وتنتقل من خطاب إلى خطاب، بين دول العالم، فتضطرب تحديداتها وتَفْقِد أحيانًا هويتها، وتُصبح قناةً تُمرَّر من خلالها تصورات أصحابها بطريقة تعسفية؛ ما يُفْضِي إلى ما يمكن وصفه بـ”فوضى استخدام المصطلح”، وأخطر تَمَثُّلاتها يتجلَّى في تحوُّل هذه الفوضى إلى ما بات يُوصَف بـ”حرب المصطلحات” التي أصبحت إحدى سمات العصر الحالي، وحيث يصبح لعنف اللغة المُمَارَس (بهدف الإقناع) فعل تدميري(40). ماذا يعني ذلك؟

بالنظر إلى عوامل عديدة، بيئية وثقافية ومعرفية، يُشير العديد من الباحثين إلى جملة من الإشكاليات التي تعترض تَوَسُّل الإعلام للمصطلحات، عبر تصنيعها ونحتها وتسويقها ونشرها بما يتناسب مع مصالح القوى المالكة للمؤسسات الإعلامية، والتي تؤدي (من خلال المصطلحات) دورًا مركزيًّا في بناء المفاهيم أو تغييرها، وفي كسب المواقف أو تبديلها. وتزداد أهمية هذا الدور وقوة تأثيره أثناء الأزمات والنزاعات، ولاسيما في المناطق غير المستقرة في العالم، وتحديدًا تلك التي تشهد صراعات مسلحة؛ إذ تتأثر المفاهيم والمصطلحات، بشكل أو بآخر، بالحقب السياسية والفكرية ذات التأثير المباشر في حياة المجتمعات، وتنعكس على مفردات الإعلام، بعامة. فهذا ما حدث، مثلًا، خلال فترة ما قبل الغزو الأميركي للعراق، في مارس/آذار 2003، وما رافق ذلك من تحولات في “الثقافة الإعلامية”؛ إذ “لم تَعُد لغتنا مجرد حليف ذليل (للصحفيين)، بل شريكًا لفظيًّا كاملًا في لغة الحكومات والجيوش والجنرالات والأسلحة”(41).

وما حصل في الحرب على العراق، تكرَّر في أماكن أخرى من العالم خلال أربعة العقود الماضية؛ إذ أُغْرِق الإعلام بأخبار كان يتم اختيارها وصياغة مفرداتها، وفقًا لمعايير اجتماعية وسياسية تُحاول تمرير العبارات والمصطلحات ذات المضامين المعينة، وكان هناك انسياق لافت لتبنِّيها، من دون الانتباه إلى أنها صُنِعَت وصيغت في سياق غربي ينطلق من موقف القوة والهيمنة الذي تتمتع به “الدول الكبرى”. ويُبَيِّن الجدول رقم (2) نماذج من هذه المصطلحات.

 

جدول (2): عينة من المصطلحات المتداوَلة في الإعلام الدولي

 

المصطلح الأصلي المصطلح المتداوَل
الأراضي الفلسطينية الأراضي المتنازَع عليها
المستعمرات الإسرائيلية المستوطنات (أو الأحياء اليهودية)
وفيات المدنيين أضرار جانبية
قصف ضربات دقيقة
الغزو الأميركي للعراق تحرير العراق
السلاح العراقي أسلحة الدمار الشامل
الرئيس صدام حسين هتلر دجلة
حرب أفغانستان عملية الحرية الدائمة

 

الخطاب الإعلامي ليس لغةً عمومية فقط، ولكنه خطاب عمومي كذلك، لكونه مصدرًا وهدفًا مُوَجِّهًا ومُوَجَّهًا. والخطير في الأمر أن الناس (الجمهور) غالبًا ما ينظرون إلى خطاب وسائل الإعلام بوصفه أبرز الأدوات التي تعكس العالم المحيط بهم، وأهم راصد ومتابع لحركة أي مجتمع من المجتمعات. وفي المقابل، تتحدَّد قوة الوسيلة الإعلامية، وقبل أي عامل آخر، بقدرتها على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتابعين واختراق أغلب شرائح المجتمع و…”هندسة” ردود أفعالها.

 

  1. الإعلام بين تأجيج النزاعات وتهدئتها

لا يمكن اتهام الإعلام بأنه وراء اندلاع الأزمات والنزاعات والحروب، أو يُخَطِّط لشن المواجهات العسكرية واختراق حدود البلدان أو اجتياحها؛ لأنه لا يمكن له، ومهما كانت قوته، أن يكون مَنْبَعَ الأحداث إلا في حالات نادرة واستثنائية، مثل إطلاق إشاعة أو خبر مُلَفَّق. لكن تواطؤ الإعلام المكشوف مع “المعتدي”، في حربيْ العراق ومقتلة غزة تحديدًا، يُبَيِّن أن الخطط الحربية صارت تتضمن خططًا إعلامية، أيضًا، لتشكيل تصورات الجمهور المُسْتَهْدَف وتوجيه الانتباه الجماعي. فقد أضحى الإعلام “ركنًا أساسيًّا في إدارة الحروب والنزاعات المعاصرة، سواء عبر ما يختار تسليط الضوء عليه أو ما يتجاهله أو حتى عبر ما يُكَرِّرُه (من معلومات)، لكي يُصبح طبيعيًّا في وعي الناس. من هنا، فالقول: إن الإعلام طرف منغمس في النزاعات لا يُعَدُّ اتهامًا بل توصيفًا لوظيفته المركَّبة التي لا تعكس الواقع فقط، بل تصوغه”(42).

تُشَكِّل النزاعات، ولاسيما الحروب، نقطة تكثيف إعلامي تتمحور حولها حركة اتصالية كبيرة لدى الصحفيين. فنراهم ينقلون المعلومات وأنباء التحضيرات والاستعدادات للمواجهة، ويُحاولون تقديم تحليلات سياقية وسببية أو استشعارية للحدث المرتقَب. كما يُبِيحُون لأنفسهم، في بعض الأحيان، وضع سيناريوهات افتراضية لما يمكن أن يحدث في الميدان أو في كواليس المفاوضات، التي تسبق أو تواكب أو تعقب المعارك، فضلًا عن توقع النتائج والترتيبات الجديدة للحقل المعني. وبطبيعة الحال، تزداد لدى الصحفي تعقيدات بناء الحدث ومعالجته واتخاذ موقف من “صُنَّاعِه”، في المجتمعات التي شهدت (أو تشهد) نزاعات متأصلة وكفاحات وجودية، مثلما هي حال الصحفيين في فلسطين المحتلة أو لبنان أو العراق، وبمستوى أقل في البلدان حيث تطغى سمة النزاعات العابرة والظرفية، كما هي الحال في بعض دول أوروبا والساحل الإفريقي(43).

تُواجه الممارسة الإعلامية في النزاعات المختلفة رهاناتٍ وتحدياتٍ عديدة تُصبح جزءًا لا يتجزأ من النزاع نفسه، وتؤدي دورًا مزدوجًا: إما المساهمة في التهدئة والتخفيف من حدة أي نزاعٍ يطرأ، من خلال تقديم تغطية متوازنة ونزيهة وغير منحازة للأحداث (في الميدان وبعيدًا عنه)، فتشرحها وتُفَسِّر بدقة أبعادها ونتائجها وتداعياتها المتوقعة، من دون أي خلفية تحكم أداء الصحفيين، وإما المساهمة في التأجيج والتحريض والتعبئة، من خلال تضخيم الخلافات بين أطراف النزاع ونشر المعلومات المُضَلِّلَة عنه، واختيار التركيز على موضوعات وقضايا مُحَدَّدَة، دون سواها، بهدف تحقيق بعض المصالح والأهداف للقائمين على الوسائل الإعلامية(44).

وللتأكيد على دور الإعلام الملحوظ في تأجيج النزاعات، يكفي أن نأخذ مثالًا لما حدث في حرب “طوفان الأقصى”. فقد شهدنا “بحرًا” من التفسيرات والتحليلات والطروحات (ولا نُبالغ في التشبيه)، من جانب متحدِّثين ومعلِّقين ومحلِّلين وخبراء (معظمهم لا علاقة له بالتحليل الصحفي)، استُخدِموا، في بعض الوسائل الإعلامية العربية ومعظم الميديا الدولية، أداةً لتسريب معلومات مغلوطة أَجَّجَت الأوضاع. وفي إسرائيل، أسهمت وسائل الإعلام، بشكل كبير، في إدامة الحرب “بسبب تجاهلها المطلق لحقيقة الوضع، ولما يُنَفِّذُه الجيش الإسرائيلي من مذابح بحقِّ الفلسطينيين. ولم يستفق هذا الإعلام، إلا في شهر يوليو/تموز 2025 (أي بعد مرور 21 شهرًا على الحرب) في صحوة خجولة دفع إليها إعلان عدد من الصحفيين الإسرائيليين قرارهم نشر حقيقة ما يحدث في غزة وعدم استمرارهم في الصمت”(45).

وفي المقابلات التي أجرتها الباحثة مع الاثنيْ عشر صحفيًّا، ركَّز معظمهم على أن تغطية الحرب على غزة كانت الاستثناء، في كل تغطياتهم؛ إذ اختلف فيها أداؤهم عن سائر تغطياتهم للنزاعات المختلفة حول العالم (في: فلسطين، لبنان، سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، تونس، الجزائر، الصحراء الغربية، السودان، الصومال، أفغانستان، الشيشان، ناغورنو قرةباغ، جورجيا، أوكرانيا، البوسنة والهرسك، كوسوفو، كمبوديا/تايلاند، الهند/باكستان، مالي، الكونغو، فنزويلا).

 

جدول (3): أداء صحفيي العيِّنة أثناء تغطية النزاعات

 

السؤال نعم كلا نوعًا ما بحسب النزاع تفادي التغطية لا جواب
خلال النزاع، هل كانت مؤسستك تُؤيِّد طرفًا من أطراف النزاع؟ 3 1 2 5  – 1
هل كانت توجهاتك تنسجم مع موقف المؤسسة حيث تعمل (أو كنت)؟ 3 2 6  – 1
إذا حصل تباين في المواقف، هل كان ينعكس على تغطيتك؟ 2 2 4 4
هل حصل وتغيَّر موقفك من “نزاعٍ ما” أثناء التغطية في الميدان؟ 3 7  –  – 2

 

تُبَيِّن نتائج الجدول رقم (3) أن طبيعة النزاع تفرض على الصحفيين كيفية التعامل مع تغطيتهم، والتي تكون محكومة مسبقًا بموقف الصحفي “الثابت” من النزاع وأطرافه (سلبيًّا أو إيجابيًّا)؛ إذ لا تؤثر مجرياته على تغيير موقفه. ولاحظت الباحثة الحذر في الردود والحرص على: إما إظهار التماهي بين الصحفيين والمؤسسات التي يعملون فيها حيال موقفهم من النزاع، أو الامتناع عن الإجابة في حال حدوث تباين في الاتجاهات والأفكار والمواقف. ومن الجدير قوله، في هذا الإطار: إن الممارسات الصحفية خلال النزاعات لا تختلف، غالبًا، بين نظام إعلامي وآخر ولا بين نظام سياسي وآخر، بل تُصبح تلك الممارسات متشابهة. ويُصبح الإعلام أداةً في النزاع (على أنواعه)، ويمكن له تعميق الانقسامات والتحريض على العنف من خلال تزييف الوعي والتلاعب بالحقائق ونشر الدعاية وتشويه القصص وتصوير الخصوم بوصفهم أشرارًا أو أقلَّ من البشر (حدث ذلك بشكل فاقع في حربيْ الإبادة في غزة ورواندا).

فخلال النزاعات (المسلحة خصوصًا)، غالبًا ما يقع الصحفيون في مأزق الحيرة للاختيار بين تَبَنِّي وجهة نظر الفاعلين الأساسيين في الأحداث وقناعاتهم الشخصية. وقد تُشَلُّ قدرة الصحفيين على التزام الحياد والموضوعية، ويتوارى ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الإعلام عن الدعاية المعتبَرة الابنة الشرعية للحروب، والتي غيَّرت أدوار وسائل الإعلام فدفعتها للجنوح نحو الدعاية أكثر من الإعلام(46). ومنذ القرن الماضي، فشلت اتحادات الصحفيين والنقابات المهنية، في وضع الضوابط والقواعد والمواثيق التي تحمي الصحفيين، أثناء تغطياتهم، من مخاطر الانزلاق إلى الدعاية والغوغائية والتحريض. وبدورهم، فشل المنظِّرون لممارسة الإعلام، في المجتمعات المختلفة، فشلًا كبيرًا، في وضع معايير وأُسُس لشرح سلوك المؤسسات الإعلامية والصحفيين أثناء تغطية الأزمات والحروب، والتي من شأنها أن تحفظ مصالح المجتمع والجماعات من مزالق وانحرافات تُفْقِد الإعلام صدقيته، وتترك آثارًا في غاية السلبية والخطر على الوحدة الاجتماعية وتماسكها، فضلًا عن الترويج للحروب والتنابذ وتغذية مشاعر الحقد والكراهية(47).

نورد فيما يلي، أبرز تلك الآثار السلبية:

– غياب فرص السلام والتعايش بين المواطنين؛ ما يخلق بينهم أجواءً أكثر عنفًا وتَنَمُّرًا وعنصرية.

– تهديد التماسك الاجتماعي، ومن ثم التأثير سلبيًّا في الهوية الوطنية عند المتلقين.

– زيادة التكهنات لدى الجمهور المتلقي، نظرًا لعدم دقة الروايات الإخبارية؛ الأمر الذي يُعزِّز نظرية المؤامرة، ويُعمِّق حالة الإحباط (وكأن الحرب مصير محتوم لا سبيل من النجاة منها).

– التأثير العاطفي على سلوك المتلقي من خلال خَلْق صور نمطية وذهنية، تستهدف القيم وتَبَلُّد الإحساس بالآخر، فتطغى المصالح الشخصية على المصالح العامة.

– أخبار القمع والحرب والدمار والقتال تصنع مجتمعًا عنيفًا مستهلِكًا للأخبار وصانعًا لها، في آنٍ معًا، ويُصبح العنف وكأنه بطولة.

– تَفَاقُم الصراع وغياب الحلول والمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان من جانب أطراف النزاع، وعدم توافر إحصائيات وأرقام دقيقة بمخاطر استمرار النزاع والحرب.

– التركيز على النخبة السياسية والانتصارات العسكرية، ومنع سرد قصص الأقليات والنازحين والمتضررين من الحرب(48).

وإذا كان قرار إنهاء أي نزاع، ومهما كانت طبيعته، يعود للمستوييْن، السياسي والعسكري، فإن الدور الذي يمكن أن تقوم به وسائل الإعلام هو المساهمة في “ممارسة” التهدئة لتخفيف حِدَّة النزاعات والتأثير في صانعي القرار؛ إذ أصبحت وسائل الإعلام والاتصال قادرة، وفي لحظة واحدة، على ضبط إيقاع الاهتمام بين الناس العاديين، في شتى أنحاء الأرض، وبين “صانعي” الأزمات والنزاعات.

 

  1. مساهمة الإعلام في حل النزاعات

يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، ريمون آرون (Raymond Aron)، أن التنافس الأيديولوجي والسياسي يجعل إمكانية تحقيق سلام دائم بين الدول هدفًا صعب التحقيق، معارِضًا فكرة أن الحروب يمكن أن تؤدي إلى حلول نهائية للصراعات؛ لأنها لا تُوَلِّد إلا المزيد من العنف والكراهية(49). وهل ما يزيد من هذا العنف وهذه الكراهية أكثر من الخطاب الإعلامي؟

لابد من فتح قوسيْن، بدايةً، للتأكيد على أن كل الكلام عن مبادرات إيجابية يمكن أن تطرحها الميديا في التداول الإعلامي بهدف تهدئة النزاعات والمساهمة في إيجاد حلول لها، لا يمكن أن يسري ويُطَبَّق على ما تشهده غزة وفلسطين. فما يحصل هناك ليس “نزاعًا” يُدْرَج في خانة النزاعات العادية المعروفة في العالم، ولا يُشْبِه، كذلك، ما ارتكبه النازيون في ألمانيا والفاشيون في إيطاليا والستالينيون في الاتحاد السوفيتي السابق، بل هو “واقع” لم يجترح له المؤرخون، حتى اللحظة، تعريفًا أو توصيفًا. ونعود إلى الإعلام وحلِّ النزاعات. إن مفهوم “حلِّ النزاع” هو مفهوم إشكالي، وإشكاليته تَنْبُع من ارتباطه بالسياق الذي يُطرح فيه. ويمكن الإشارة، في هذا الصدد، إلى سياقيْن: الأول يتصل بطبيعة أطراف النزاع، وما إذا كانت قوى داخل المجتمع الواحد، أو بين قوى خارجية تعمل للسيطرة والهيمنة على هذا المجتمع. أما السياق الثاني، فيرتبط بمَن يطرح موضوع حلِّ النزاع، أي يختلف الموضوع، إذا كانت الدعوة تأتي من قِبَل قوى متصارعة داخل المجتمع الواحد، أو من قوى وجهات سياسية على المستوى العالمي.

وإذا كانت وسائل الإعلام لا تقوم، عادةً، بمبادرات لحلِّ النزاع، بل تقوم بها جهات ومؤسسات متخصصة في آليات حلِّ النزاعات؛ “غير أن تلك الجهات والمؤسسات تعمل مع وسائل الإعلام والعاملين فيها، بهدف تبنِّيهم خطابًا يخدم التهدئة واستعمال مصطلحات تفيده والإضاءة على قضايا تُساعد توجهاتها في حلِّ النزاعات، تبعًا للمصالح التي تنطلق منها”(50). وهنا، يَبْرُز ما عُرِف بـ”مدرسة حلِّ النزاع” التي شكَّل عالم الاجتماع النرويجي، يوهان غالتونغ (Johan Galtung)، أحد أهم منظِّريها بطرحه مفهوم “صحافة السلام”. فهو يرى أن النزاع حالة من التعارض بين أطراف حول أهداف أو مصالح أو قيم، ويمكن أن يكون ظاهرًا أو كامنًا، ويُميِّز بين العنف المباشر (حرب، قتل) وبين العنف البنيوي (فقر، تهميش، لا مساواة) والعنف الثقافي (أفكار تُبَرِّر العنف). وفي هذا السياق، يركز غالتونغ على الدور المؤثر الذي يضطلع به الإعلام في الصراع؛ إذ يعدُّه عنصرًا أساسيًّا يمكن أن يُسْهِم في تصعيد النزاع أو تحويله نحو مسارات سلمية عبر ترسيخ الصور النمطية والخطابات التبريرية لأطراف النزاع(51).

صحيح أن مهمة الإعلام هي طرح القضايا وليس بالضرورة إيجاد حلول لها، ولكن مجرد طرح القضية هو إثارة لواقع يحتاج لمعالجة. وتتم هذه المعالجة، بالدرجة الأولى، من خلال تنوير الرأي العام بتشعبات القضية وخلفياتها، ووجود جهة قادرة على طرح القضايا وليس بهدف الإثارة، فحسب. كما ينتج عن طرح وسائل الإعلام للقضايا، وفي مقدمها مواضيع النزاعات التي ينشغل بها الجمهور أكثر من سائر المواضيع، إزالةُ الأحكام المسبقة أو التقديرات الخاطئة حيال هذا النزاع أو ذاك. وعندما نتحدث عن دورٍ للإعلام في حلِّ النزاعات، يبدو هذا الحديث في بعض “الحالات” مستحيلًا؛ “لأن الحروب لا تنشب، غالبًا، من دون ثنائية الحق والباطل. ولكي يلعب الإعلام دورًا، قد يحتاج إلى التغاضي عن هذه الثنائية ومعاملة الطرفيْن بتوازن، وفي هذا الأمر غيابٌ للمهنية، عدا عن أنه ظلم. فإذا كان الإعلام قادرًا، مثلًا، على الدعوة إلى حوار، سيفشل في حالة فلسطين؛ لأن أي حوار بين الطرفيْن لن يمضي قدمًا في ظل وجود طرفٍ يجب أن يُسَمَّى احتلالًا، وفي هذه الحالة قد ينتهي الحوار قبل أن يبدأ. وإذا كان الإعلام قادرًا على تغطية قصص إنسانية تكشف آثار النزاع على الطرفيْن، وليس على طرفٍ دون آخر، فهذا، أيضًا، أمرٌ صعب في غزة مثلًا؛ حيث تُشَنُّ حربٌ للإبادة، لا توازن فيها بين الطرفيْن”(52). ولكن، ماذا عن حلِّ النزاعات “العادية”؟

بمجرد نشوب أي نزاع، يتوارى الدور السياسي أو الدبلوماسي، بينما تتعاظم أهمية البُعْد الإعلامي في إدارته، وتَتَقَدَّم الميديا إلى خطِّ التماس الأول للتعامل مع النزاع، منذ مراحله الأولى، و”تُصبح طرفًا فاعلًا فيه، وتتموضع بحسب موقعها من أطرافه وطروحاتها، تبعًا لانتماءاتها وولاءاتها وأجنداتها السياسية والاقتصادية وغيرها”(53). وتُعَدُّ مواجهة النزاعات، أحد التحديات المفروضة على المؤسسات الإعلامية؛ إذ ترتبط، وبشكل أساسي، بكفاءة الاتصال التي تتطلبه تلك المواجهة، من فهمٍ لطبيعة النزاع، من جهة، ومن ثم ترشيد التعامل معه، من جهة ثانية. فتغطية النزاع تتضمن، حتمًا، أخبارًا مفزعة وتضاربًا في التصريحات وعدم دقة في البيانات وقلَّة الوقت اللازم للتأكد من المعلومات وتحديد المسؤوليات من خلال بعض الاعتبارات، مثل: استيعاب دروس النزاعات السابقة، وتقديم الحقيقة بما يخص مجريات النزاع، ومخاطبة الجمهور بما يُريد سماعه، وجعل النزاع فرصة لعدم تكراره، ومحاولة طرح الحلول الممكنة لإنهائه.

لا أحد، بالطبع، يستطيع تقديم الضمانات حول الأفعال (الإعلامية) التي ستُساعد على الخروج السريع من النزاع؛ لكن هناك شيء واحد أكيد، وهو أن الصحفيين غير المهنيين أو غير الكفوئين، لن يتمكَّنوا من مجرد التفكير في كيفية التعامل مع أخبار النزاع ومساره وتطوراته، ولا الطريقة الأنجع لنقل الرسائل الإعلامية إلى الجمهور(54). فتحتاج إدارة النزاع ومواجهته، إعلاميًّا، إلى وضع الخطط للتغطيات المطلوبة من جانب المؤسسات والصحفيين الموكَلة إليهم تلك المهمة، والمعالجة الإعلامية المتكاملة (التي أشرنا إليها في إطار البناء الإعلامي للنزاعات)، وتعني التعرُّض للجوانب المختلفة للنزاعات (مواقف الأطراف المعنيين، الأسباب، السياق، التطورات، الآفاق..إلخ)، و”تبيان مدى خطورتها على الأفراد والمجتمعات، والتركيز على أن الحوار هو المدخل الطبيعي لأي حلٍّ بين الأطراف المتنازعة، وتشجيع الحلول السلمية بدلًا من أسلوب تأجيج الصراعات وتبنِّي خطاب الكراهية”(55). كيف تنظر عينة الدراسة إلى دور الإعلام ومبادراته أثناء النزاعات؟

كان لافتًا إجماعُ عناصر العينة الأربعة والعشرين (صحفيًّا وأكاديميًّا)، على اعتبار وسائل الإعلام “منغمسة”، بشكل شبه كامل، في النزاعات القائمة في العالم، بل ومسؤولة، إلى حدٍّ بعيد، عن إذكاء نار معظم الأزمات التي نشهدها، ولاسيما عندما تكون هذه الأزمة نزاعًا مسلحًا أو حوادث عنف وإرهاب.

 

جدول (4): رأي صحفيي وأكاديميي العيِّنة في دور الإعلام في النزاعات

السؤال نعم كلا لا جواب
هل يمكن لوسائل الإعلام أن تُخَفِّف من حدة النزاعات؟ 17 4 3
هل الإعلام طرفٌ معني بحلِّ النزاعات؟ 14 6 4
هل يُقَدِّم الإعلام مبادرات إيجابية لحلِّ النزاعات؟ 0 12 12

 

يتبيَّن -من خلال نتائج الجدول رقم (4)- كيف يتفق الصحفيون والأكاديميون على أن وسائل الإعلام طرفٌ معنيٌّ بحلِّ النزاعات، ولديها القدرة الكبيرة على التأثير للتخفيف من حِدَّتها وخَلْق مناخ إعلامي إيجابي (هذا في حال تمكُّنها من فكِّ ارتباطها بالمصالح والأجندات التي تُعَبِّر عنها هذه الوسيلة أو تلك). لكن اللافت في إجابات الصحفيين والأكاديميين أن نصف أفراد العينة لا يرون أن الإعلام يُقَدِّم مبادرات إيجابية لحلِّ النزاعات، في حين امتنع نصفهم الآخر عن تقديم إجابة. ونعني بالمبادرات الإيجابية في الإعلام القدرةَ أو الميل المطلوب لبدء “شيءٍ ما” يحكمه التفكير الإيجابي المتفائل والعملي لتنفيذ العمل المقترح الهادف إلى المنفعة، من دون مماطلة، على أن تندرج ضمن المبادرات اقتراحاتٌ للحلول(56).

 

جدول (5): رأي صحفيي وأكاديميي العينة في مساهمة الإعلام في حل النزاعات

 

العنوان الوظيفي الأفكار
اختيارات تحريرية – نقل الحقائق وتقريب وجهات النظر ومساءلة الخطابات المسيطرة.

– التخفيف من بَثِّ الأخبار والمعلومات والأفكار والمشاهد التي تُؤَجِّج النزاع، والتزام خطاب التهدئة.

– تجنُّب الانتقائية في التغطية والتسطيح في المقاربة.

– التركيز على ضحايا النزاعات لإعادة الطابع الإنساني للأحداث والتذكير بها.

– كشف ممارسات كل أطراف النزاع وأصحاب النفوذ والقرار فيه من دون مواربة، وتحميل أصحابها المسؤولية بوضوح.

انتقاء زوايا المعالجة الصحفية – تحليل المشكلة بناءً على موقف الآخرين وسلوكهم وليس موقف الإعلام منهم.

– إتاحة المجال لمختلف أطراف النزاع للتعبير عن رأيها، ونقل وجهات نظر مُغَيَّبَة.

– إتاحة المجال لإيصال أصوات النخب المعتدلة المالكة لمقاربات عقلانية.

– التركيز على المسائل الإيجابية التي تجمع أطراف النزاع والفائدة المشتركة (في حال التوافق).

– تقديم سرديات تاريخية (أو راهنة) تركز على أهمية التصرف بعقلية “تسووية” وتُبْرِز مخاطر الاستمرار بالنزاعات وإيجابيات التصالح والسلام.

آليات الاستجابة لحل النزاعات – التركيز على الوساطات المطروحة لحلِّ النزاعات، والحَضُّ على التجاوب معها.

– تعبئة رأي عام مؤيد لفكرة حلِّ النزاعات بواسطة الدبلوماسية.

– التركيز على أُطُر الحلول ومبادرات التسوية والمقترحات التي تُخَفِّف حدة النزاع.

– إبراز وتحفيز أنشطة ومبادرات إيجابية يقوم بها أفراد أو جمعيات أو منظمات.

– تسليط الضوء على مبادرات السلام وحركات التضامن الإنساني.

 

لا يمكن فصل العمليات الاتصالية والإعلامية، في سياق النزاع، عن القضايا والمصالح السياسية الكامنة وراءه، والجهات الفاعلة التي تُشكِّله. لذا “لا يمكن مقاربة وسائل الإعلام باعتبارها كيانات مستقلة في دورها ولها خياراتها واتجاهاتها الخاصة، بل وسائل تَتْبَع، في غالبيتها، لجهات فاعلة محلية أو إقليمية أو دولية، ومثلما تُكَلَّف بالانغماس في النزاعات (لتوظيف انغماسها باتجاه دول أو جهات معينة)، يُوعَز إليها للترويج لمناخ إعلامي يُسْهِم في حلِّ النزاعات. وهنا ندخل، في الحقيقة، في حلقة مفرغة؛ لأن وسائل الإعلام، وكي تكون قوية ومؤثرة، يجب أن تكون مدعومة بالمال والنفوذ؛ الأمر الذي لا يمكن تحقيقه من دون أن تكون لها مرجعيات سياسية كبرى (دول أو أحزاب أو غيره)”(57).

إذن، تسعى الأطراف المتنازعة إلى استخدام وسائل الإعلام لرفع أو خفض نبرة التغطية الإعلامية، وتتنافس على الأدلة والأُطُر والأجندات الرئيسية. ورغم أن الجهود، قصيرة المدى، للتأثير في التغطية الإعلامية للنزاعات من غير المرجح أن تُثير التفاؤل، لكن يبدو أن برامج دعم الإعلام، في هذا الإطار، يمكن أن تُحْدِث تأثيرًا إيجابيًّا (ولو محدودًا) في حال صُمِّمَت لكي تُناسب ظروف كل بلدٍ وكل نزاع، وأُدْمِجَت في إستراتيجيةٍ مستدامةٍ أوسع لتغطية النزاعات الجارية. ولذلك ظهرت مفاهيم واتجاهات جديدة في العمل الصحفي الحساس للنزاعات، تبحث في أسباب نشوبها ومدى تأثيرها على حياة المواطنين.

 

  1. حل النزاعات والاتجاهات الصحفية الجديدة

تؤكد منظمة اليونسكو الدولية، في مقدمة دستورها، أن “الحروب تبدأ في عقول الناس، وفي عقول الناس يجب أن تُبْنَى حصون السلام”. ومنذ صدور “مرسوم السلام”، في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، الذي عدَّه المؤرخون بدايةً موصوفة في تقنين قواعد الشرعية الدولية والوطنية، يتأرجح العالم بين قمم حوار وسلام نادرة، وهاويات حروب كثيرة متلاحقة. ولأن معظم وسائل الإعلام تعيش على إيقاع الكوارث وتؤدي الوظائف المُؤَجِّجَة للفتن والانقسامات والتمييز والعنف، بادر بعض المعنيين بالشأن الإعلامي إلى “اجتراح” أنماط واتجاهات جديدة في عالم الصحافة والإعلام. أنماط، حاولت كسر مقولة ترسخت على مدى عقود من الممارسات الصحفية تؤكد أن سِرَّ النجاح في مجال الإعلام يكمن في مقدار ما يحمله من الغرابة والإثارة وأخبار العنف والفضائح، وأنه ما لم يكن هناك صراع أو خلل أو فساد أو خطأ أو مشكلة، فلن يستطيع الصحفي بناء قصة صحفية تخلق قراءً ومستمعين ومشاهدين ومتابعين أوفياء(58). لكن الواقع الذي آلت إليه حال هؤلاء “المتلقين والمتابعين الأوفياء المفترضين” أفضى إلى تفكير جديد في عالم الصحافة.

فمنذ تسعينات القرن الماضي، طرح أهل الصحافة والإعلام تساؤلًا إشكاليًّا كبيرًا، هو: لماذا لا يُقَدِّم الصحفيون، الذين هم “على تماسٍّ” مع النزاعات أكثر من غيرهم، الحلول مثلما يطرحون المشاكل؟ وتَعَزَّز هذا التساؤل، عندما أشارت تقارير بعض مراكز دراسات الجمهور إلى بروز حالة من السلبية والنفور والرغبة في عدم التعرُّض للوسائل الإعلامية لدى الجمهور المتلقي، منذ نهايات القرن الماضي(59). وهذا العزوف عن متابعة وسائل الإعلام، ترك آثاره، بطبيعة الحال، على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والجهات التي تملكها وتُمَوِّلُها؛ إذ صار لديهم هاجس الوصول إلى الجمهور، لما في ذلك من تأثير على “عمليات إنتاج” الأخبار وتسويقها، وخاصة في أوقات الذروة، أثناء الأزمات والكوارث والنزاعات. وفي هذه الأجواء السلبية،

دخلت مفاهيم جديدة إلى الفضاء الاتصالي، اعتبارًا من سبعينات القرن الماضي، أسَّسَت لما يمكن أن نُدرِجَه ضمن خانة “الصحافة الإيجابية” التي يقول القائمون عليها إنها تهدف إلى بناء قدرات الفاعلين الإعلاميين في مجالات منع النزاعات ومحاولة المشاركة في إيجاد حلول للنزاعات. وثمة أكثر من مسمى أُعطِي لـ”صحافات” تتشارك في أُسُسِها وأهدافها وآليات عملها، وأبرزها بحسب تاريخ ظهورها:

صحافة السلام: وهي ممارسة صحفية تهدف إلى تحسين تغطية النزاعات من خلال مفهوم إصلاحي للعمل الصحفي، يَرُدُّه إلى طريقه الحقيقي الذي يركز على الأخلاقيات والمبادئ ويُصَحِّح التحيزات ويخلق جوًّا يُفضي إلى السلام. وفي هذه الصحافة، يلجأ المحررون والمراسلون إلى خيارات تعمل على تحسين احتمالات السلام، وتدعم المبادرات وصانعيها وحلول اللاعنف والمقترحين لها وتمنحهم صوتًا. ويرى منظِّرو “صحافة السلام” أن هذا النموذج يقوم على أربعة مبادئ؛ الأول: صحافة حساسة للنزاع وقادرة على فهمه والتعريف بخطورته والتنبؤ بإمكانية حدوثه. والثاني: صحافة مُوَجَّهَة إلى الناس وتُعَبِّر عن هواجسهم ومشاكلهم والفئات المهمشة. أما المبدأ الثالث، فإن هذه الصحافة تُعْنَى بالحقائق وتبتعد عن الأخبار الزائفة والأجندات السياسية والدعاية الحربية. ثم المبدأ الرابع والأخير، ويتمثَّل في اعتماد “صحافة السلام” مفهوم الحلول، ليس عبر تقديم حلول للنزاعات بل عبر عرض آراء خبراء لديهم حلول حقيقية لها(60).

الصحافة البنَّاءة: تقوم على قاعدة تقديم أخبار وتقارير متوازنة تزيد من مستوى مشاركة الجمهور، وتسعى إلى تحسين المجتمع وتشجيع المواطنين على أن يكونوا أكثر تفاؤلًا تجاه بيئتهم. ولا يمكن تنفيذ أهداف هذا النموذج الصحفي من دون تحوُّلٍ في عقلية أصحاب وسائل الإعلام، وإبداء استعداد للاستفادة من الأدوات التكنولوجية الجديدة. ويرى منظرو “الصحافة البناءة” أن هذا النموذج يقوم على ثلاثة أُسُس؛ الأول: هو تمكين المواطن من خلال المتابعة والإيمان بحقِّه في المعرفة. والثاني: العمل على توفير المعلومات والبيانات، وزيادة وعي المواطنين بأهمية المشاركة في الحياة المدنية والسياسية والتركيز على مراقبة أداء الحكومة. أما الأساس الثالث، فهو إحداث المعرفة في ظل انتشار الشبكات الاجتماعية والمدونات والتدفق المطلق للمعلومات، والتحقُّق من هذه المعلومات والحدُّ من الفوضى والشائعات وإغراق الجمهور بالأخبار السلبية التي قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات ذات طبيعة تشاؤمية(61).

صحافة الحلول: يُساعد نهج هذه الصحافة الصحفيين على استكشاف المواضيع وإعداد تقارير عن قصص معقَّدة أو مثيرة للاستقطاب أو الجدل وعرض حلولٍ لها لم توجد بعد. ولـ”صحافة الحلول” أربع ركائز تتمثَّل في:

– عرض المشكلة وتوضيح جذورها وأسبابها وسياقها.

– توضيح خطوات الاستجابة للحلِّ (المقترح) والفئات التي استهدفها والتكلفة والمدة الزمنية وكل تفاصيل الحلِّ.

– تقديم الأدلة، من بيانات أو بحوث علمية أو مصادر بشرية وتجارب سابقة (أي الشبيهة للمشكلة المطروحة)، بغية الإجابة على سؤال: “لماذا هذا الحلُّ سيكون ناجحًا؟”؛

– تحديد ما إذا كان الحلُّ يصلح لفئة معينة فقط، أم سيكون مستدامًا، أم محدود الزمان والمكان؟(62).

الصحافة الحساسة (أو المراعية) للنزاعات: وهي الممارسة التي تُمكِّن الصحفيين من أن يكونوا على دراية بالتداعيات التي تُخَلِّفُها التغطية والتقارير التي يُعِدُّونها في المناطق المتضررة من النزاعات (أو فيما يتعلق بها)، وأن يكونوا مراعين لها. وتُساعد “الصحافة الحساسة للنزاعات” في:

– فهم طبيعة النزاعات والأثر الذي يتركه أداء وسائل الإعلام على مختلف الفئات المعنية.

– إدراك أهمية الحفاظ على المعايير الأخلاقية في العمل الصحفي، والدقة في نقل المعلومات ونشرها.

– توفير معلومات شاملة وغير متحيزة حول النزاعات الدائرة.
– تعزيز الحوار البنَّاء بين جميع الأطراف المتنازعة وعكسه في وسائل الإعلام.
– رفع مستوى الوعي حول التكلفة التي يتكبَّدها البشر جرَّاء النزاعات وحاجة الوصول إلى حل سلمي(63).

ويُظْهِر التقصِّي في القصص الصحفية التي تنشرها الأنواع الأربعة من الصحافات المذكورة أن صحفييها ينتقون ما يجب الكتابة عنه، ويكتبونه بأسلوب يتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة، وذلك اعتمادًا على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة والدقة في إعداد المواد الصحفية (أخبار وتقارير وتحقيقات ومقالات..إلخ). بتعبيرٍ آخر، لا يعتمد هؤلاء الصحفيون على تغطية الأخبار، فحسب، بل يتجاوزون هذا الحدَّ، من خلال دَمْجِ الجماهير في التوصية بالحلول أو عرض نماذج استطاعت أن تتغلب على تحديات مماثلة. فيقومون، مثلًا، بنقل القصص الإخبارية ذات المضامين الهادئة وحسنة النية والمصطلحات الدقيقة التي لا تُشَوِّش على المعلومة (من خلال حملها معاني مشحونة بالأحكام القيمية والمثيرة للجدل)، وعلى الرسائل التي تُظْهِر التفاعل الإيجابي بين الأفراد والجماعات المختلفة، وتُبَدِّد المعتقدات الخاطئة وتنشر الوعي في مجتمعات النزاع بعيدًا عن “البروباغندا” التي تُعَدُّ، في “صحافة العنف والحرب” أداةً فعَّالة قادرة، وبسهولة مطلقة، على تحويل الأفراد العاديين المسالمين إلى قَتَلَة متعطشين للدماء وشهداء متحمسين(64).

برأي الخبراء، فإن هذا النوع من الصحافة قد يكون حاجةً ملحَّة تنطوي على أهمية كبيرة، وخاصة خلال الأوقات الانتقالية وفي فترة ما بعد النزاعات؛ حيث تبدأ مرحلة ما يُسَمَّى “فرض الاستقرار”، عبر محاولة تثبيت النتائج السياسية للحرب (غالبًا من جانب المنتصر في حال وجوده). ففي هذه المرحلة، تدخل المجتمعات المعنية في قصص المصالحة والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار وترميم الشبكات الاجتماعية، كي يستطيع الناس التواصل فيما بينهم، أما دور الإعلام، فيظهر تبعًا لانتمائه إلى شبكة مصالح مُحَدَّدَة ومشروع سياسي مُحَدَّد، فيتموضع (كل إعلام) على هذا الأساس. “فإذا كانت هناك مرحلة مصالحة (بعد النزاع)، يؤدي الإعلام دورًا كبيرًا يتمثَّل في مساهمته بإعادة ترميم الهوية الوطنية، وتعزيز الوعي المجتمعي من خلال محاربة الأفكار المتطرفة ونقضها وتبيان الحقائق قدر المستطاع، والتأكيد على المحاسبة وفضح أي انتهاكات متجددة، والإضاءة على مسألة العدالة وتَمْثِيل كل الأصوات، والتركيز على المبادرات والنجاحات الدبلوماسية (الرسمية وتلك التي تقودها شخصيات غير دبلوماسية)”(65). فللإعلام وظيفة مهمة في مواكبة السعي الإيجابي للأطراف التي تسعى إلى تفكيك النزاع وحلِّه بشكل بنَّاء يصل الجسور، و”يمكن لوسائل الإعلام، في مثل هذه الحالات، أن يكون لها دور في مراقبة عمليات حلِّ النزاعات ولاسيما ما يتعلق منها بضمان الشفافية والمساءلة”(66). هل يمكن للصحافة الحساسة للنزاعات أن تنجح؟

في الحقيقة، تبقى تجربة هذه الاتجاهات الصحفية محدودة جدًّا، ولم تستطع حتى الآن إثبات وجودها والوصول إلى المتلقي. فـ”صحافة الحرب”، بمعنى غير الحساسة للنزاعات، هي التي تُسيطر على المشهد الإعلامي اليوم، وإن كان هناك بعض المضمون المتطابق مع المعايير والمبادرات والمقترحات التي تطرحها “صحافة السلام” وتبقى “مجهولة”، ربما، لدى غالبية الصحفيين. لذا تعمل الجهات القائمة على هذا الاتجاه الصحفي على “مَأْسَسَة هذا المفهوم ونشره، والتشبيك مع منظمات محلية ودولية للترويج له وجذب الانتباه إلى أهمية دور وسائل الإعلام في بناء السلام، وخَلْق مساحة فكر ونقاش، ويتم ذلك، عبر تنظيم منتديات ومؤتمرات وورش عمل تبحث، أكاديميًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا، في كيفية تعزيز هذا الإعلام الهادف”(67).

وفيما يلي، بعض التحديات التي تُواجه الأنماط الصحفية الجديدة:

–  عدم وجود دراسات كافية وأبحاث متخصصة لتطبيق منهجية “صحافة السلام” وتدريب الصحفيين عليها.

– ندرة مصادر الأخبار أثناء النزاعات، وزيادة إمكانية التضليل في أرقام الانتهاكات وإحصائيات وتبعات الحروب الكارثية.

– سهولة انتشار الأخبار المزيفة؛ ما يصعِّب على “صحافة السلام” تفكيك المصادر وتحليلها وتتبع مصداقيتها.

– الاختلاف في تفسير مفهوم السلام من قِبَل المواطن العادي (الذي يراه وكأنه أحيانًا دعوة للاستسلام)، ومن قِبَل أطراف النزاع (الذين يُفَسِّرونه بما يتناسب مع رؤيتهم).

– القمع وتضييق الحريات الصحفية، في أغلب النزاعات؛ ما يؤثر على أداء الصحفيين.

– تباين أجندات أطراف النزاع، وفقًا للمناطق التي تُسيطر عليها؛ الأمر الذي يُصعِّب استقطاب صحفيين مستقلين.

– عدم توافر الدعم الكافي والميزانيات التشغيلية لإعلام مستقل ينشد السلام، على غرار ما يتوافر لـ”صحافة الحرب والعنف” من تمويل هائل من جانب أطراف النزاع(68).

وفي الخلاصة، يتبيَّن أن النزاع والسلام يتكوَّنان إثر تفاعلات مركَّبة بين مجموعة من العناصر، وهما لا ينشآن بطريقة مفاجئة، بل تفصل بينهما مجموعة من المراحل(69). وإذا كانت بعض النزاعات لا تصل إلى مرحلة المواجهة العسكرية، غير أن بعضها يمكن أن يشهد، للحسم، عنفًا اقتصاديًّا أو أمنيًّا أو سياسيًّا (عقوبات، حصار اقتصادي، عزل من مؤسسات دولية وإقليمية…إلخ). من المؤكد أن الإعلام لا يستطيع أن يجد حلولًا للنزاعات؛ لأنه، ببساطة، لا يملك قوة القرار والإقرار بشأنها، ولكونه إحدى أدواتها. لكن بإمكان الإعلام، وانطلاقًا من المصالح التي يُمَثِّلها، أن يُبْرِز الإيجابيات (من خلال تغطياته)، وأن يؤدي دورًا أساسيًّا في الترويج للحلول المقترحة، وفي نشر المبادرات، وفي المساهمة في تقريب وجهات النظر بين الكُتَل الاجتماعية المتنازعة. من هنا، فإن الدعوة إلى “إعلام مسؤول” في زمن الأزمات والنزاعات والحروب، ليست دعوةً تقنية بل هي دعوة سياسية وأخلاقية تتعلق بموقع السلطة الرمزية في إنتاج العدل والسلم.

 

خاتمة

حاولت الدراسة أن تقوم بمراجعة نقدية لدور الإعلام خلال النزاعات، والتعرف على مدى مساهمة تغطياته في عرض قضايا واعتماد لغة تساعدان على تخفيف حِدَّة المواجهات، تمهيدًا لإنهائها، وإيجاد حلول مستدامة لها. ولقد طُرِحَت الإشكالية على خلفية التنامي الحادِّ، منذ نهايات القرن الماضي، للانتقادات المُوَجَّهَة للأداء الذي تواكب به معظم وسائل الإعلام، المحلية والإقليمية والدولية، الأزماتِ والنزاعات والحروب التي تعصف بالعالم. أداءٌ، يكشف الوظائف الخطيرة التي تُؤدِّيها غالبية المؤسسات الإعلامية، خلال النزاعات وقبلها وبعدها، خدمةً لمصالح وأجندات المُمَوِّلين والأهداف العسكرية والسياسية لأطراف النزاع. ويتمثَّل أبرز تلك الوظائف، في منح المتنازعين شرعية الدخول في النزاع، عبر تقديم الإعلام مسوغات تُبَرِّر مشاركة هؤلاء أخلاقيًّا (الدفاع عن النفس، الحماية من الإرهاب، بث أكاذيب من قبيل أسلحة الدمار الشامل في العراق أو وجود مخازن أسلحة للمقاومة بين بيوت المدنيين..إلخ).

من هنا، فإن التأكيد على انغماس الإعلام في النزاعات، لا يُعَد اتهامًا إنما هو أقرب إلى توصيفٍ لدوره المركَّب؛ فالميديا لا تعكس الواقع فقط، بل تصوغه، وغالبًا ما تسعى إلى تسخين النزاع وتأجيجه وإدامته عبر تحشيد الرأي العام والتعبئة له، ونادرًا ما تكون “وسيطًا” أو “منصة” للتقريب والتفكيك النقدي للانقسامات (جرَّاء النزاعات). ولتغيير هذا الاتجاه السلبي السائد، لدى معظم المنظومات الإعلامية في العالم، أُدْخِلَت مفاهيم واتجاهات جديدة إلى الفضاء الاتصالي أَسَّسَت لما يمكن أن نُدْرِجَه ضمن خانة “الصحافة الإيجابية”، والتي تؤكد أدبياتُها طموحاتِها إلى بناء قدرات الفاعلين الإعلاميين في مجالات منع النزاعات، وتعزيز ما يمكن توصيفه بـ”الصحافة المراعية للنزاعات”. ولذلك، يصير الدور المحدد الذي تقوم به وسائل الإعلام يعتمد، وبشكل أساسي، على كيفية تحويل ادِّعاءات وتفسيرات ووصفات الجهات الفاعلة في النزاع إلى محتوى يتخذ مقاربةً أكثر إيجابية في التعامل مع الأخبار وصوغ سرديات جديدة، تذهب إلى حدِّ تغطية ما يمكن عَدُّه حلولًا ممكنة للنزاعات. ونورد، فيما يلي، أبرز ما خَلُصَت إليه الدراسة:

– لا تزال معظم وسائل الإعلام غير قادرة على تقديم نموذج إعلامي مهني، يهدف إلى الخدمة العامة والإسهام في خَلْق مساحة مشتركة للمتنازعين وتيسير عملية التحاور بينهم.

– أثناء النزاعات، يتحوَّل الإعلام، وأينما وُجِد، إلى مزيج من الأخبار والعلاقات العامة والحرب النفسية وثقافة الإقصاء بين الشعوب والأمم.

– ينغمس الإعلام، كليًّا، في معظم النزاعات في العالم ويقوم بأدوار أساسية فيها، وتتجاوز وظائفه مجرد نقل الأحداث إلى صناعتها وتشكيل سرديات متنافسة تعكس تصورات الأطراف المتنازعين وتخدم إستراتيجياتهم ومصالحهم.

– صحافة الحرب (بمعنى غير الحساسة للنزاع) هي التي تُسيطر على المشهد الإعلامي اليوم، ويظهر أداؤها، في معظم الأحيان، بوصفه فعلًا دعائيًّا أكثر منه ممارسة أخلاقية ومهنية.

– لا تُعَبِّر الاتجاهات الصحفية التي برزت تحت عنوان “صحافة السلام والحلول والمراعية للنزاعات” عن أداء إعلامي قائم على قناعة حقيقية بـ”دور الإعلام” في حلِّ النزاعات، وبقيت تجارب مرتبطة بحالات موسمية وظرفية بعيدة، كل البُعْد، عن الممارسة الإعلامية الدائمة.

 

المراجع

(1) جان بودريار، إدغار موران، عنف العالم، ترجمة عزيز توما، ط 1 (سوريا، دار الحوار للنشر والتوزيع، 2005)، ص 9-10.

(2) “ميشال ستروغوف” (Michel Strogoff) رواية من تأليف الروائي الفرنسي جول فيرن (Jules Verne) صدرت عام 1876، وتُعَدُّ من سلسلة روايات المغامرة والخيال التاريخي. تقوم قصتها الرئيسية على تعاقب الأحداث التي يعيشها البطل ستروغوف، وتنطوي على الإثارة والمجازفة والخطر الجسدي. وصفها العديد من النقاد بأنها إحدى أفضل أعمال فيرن وأكثرها إثارة على الإطلاق، وتم اقتباس الرواية عدة مرات في الأفلام والمسلسلات التليفزيونية والكرتونية.

(3) طوني جورج عطا لله، نزاعات الداخل وحروب الخارج، (بيروت، المكتبة الشرقية، 2007)، ص 30.

(4) Patrick Charaudeau, Les médias et l’information, (Bruxelles: de boeck, 2005), 214.

– Benoit Lafon (dir), Médias et médiatisation. Analyser les médias imprimés, audiovisuels, numériques, (Grenoble: Presses Universitaires de Grenoble, 2019), 191.

(5) تكمن إشكالية تحديد مفهوم النزاع في أنه لا يوجد تعريف موحَّد له، إن كان لدى الأمم المتحدة التي تتسم تعريفاتها بالعمومية وتقتصر على تعريفات إجرائية ترتبط بطبيعة المهام المحددة لكل وكالة من وكالاتها، أو لدى علماء الاجتماع الذين عرَّفوه تعريفات سوسيولوجية كلاسيكية. ففي خطاب مجلس الأمن، يرتبط التعريف بالصراع بين الدول:

United Nations, An Agenda for Peace: Preventive Diplomacy, Peacemaking and Peace-keeping, 1992.

وفي خطاب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يرتبط بعملية الإدراك لتهديد المصالح بين الجماعات، ويشمل الهوية والقيم وليس فقط المصالح:

UNDP Conflict-Related Development Analysis (CDA), Bureau for Crisis Prevention and Recovery, (2003), 2.

أما بالنسبة لإدارة الشؤون السياسية وبناء السلام في الأمم المتحدة، فإنه يميز بين النزاع وبين الحرب، أي تحوُّل النزاع إلى عنف:

United Nations Guidance for Effective Mediation, Department of Political Affairs, (2012), 2.

ويبقى أخيرًا تعريف اليونيسيف الذي يبسِّط النزاع إلى علاقة بين طرفيْن أو أكثر، لديهم أهداف غير متوافقة أو متعارضة:

UNICEF Conflict Sensitivity and Peacebuilding Programming Guide, (2012), 12.

أما بالنسبة إلى المفكرين السوسيولوجيين، فنجد أن كارل ماركس (Karl Marx) تحدث عن الصراع الطبقي بوصفه مواجهة تاريخية وبنيوية بين الطبقات الاجتماعية ذات المصالح المتناقضة يمكن أن يتبلور عندما يتشكَّل الوعي الطبقي فتبدأ المواجهة المنظمة. وبالنسبة إلى ماكس فيبر (Max Weber)، فيُعرِّف النزاع بأنه علاقة اجتماعية يسعى فيها الفاعل إلى فرض إرادته رغم مقاومة الآخرين، وبهذا المعنى فهو ليس اقتصاديًّا فقط، بل هو صراعٌ على السلطة والمكانة الاجتماعية والنفوذ. أما بيير بورديو (Pierre Bourdieu) فلا يستخدم مفهوم النزاع بل الصراع؛ إذ يرى أن المجتمع يتكون من حقول  (Fields)وكل حقلٍ هو مجال صراع بين الفاعلين من أجل السيطرة على الرأسمال (الاقتصادي، الثقافي، الاجتماعي، الرمزي) والشرعية.

* نعني بالمحتوى الإيجابي ذاك الذي يركز على البناء والتطور والحلول، ويُقدِّم معلومات ذات مصداقية، ويحترم المعايير الأخلاقية للمهنة، ويُبْنَى على أساس المصالح الوطنية دون سواها، بدلًا من التركيز على الإثارة والأزمات فقط.

(6) Paul Attalah, Théories de la communication-Histoire, Contexte, Pouvoir (Canada: PU QUEBEC, 2005), 255-256.

(7) منير بوراس، “المنهج الوصفي في الدراسات الإنسانية والاجتماعية: العلوم القانونية نموذجًا”، مجلة النبراس للدراسات القانونية (جامعة العربي التبسي، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر، المجلد 6، العدد 4، 21 أبريل/نيسان 2023)، ص 184-193.

(8) الصحفيون هم، بحسب التسلسل الأبجدي: آمال شحادة، مراسلة قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال الدولية المعروفة باسم (LBCI) وإندبندت- عربية. ديانا مقلد، سكرتيرة تحرير موقع “درج” وشريكة مؤسسة فيه (مراسلة حربية سابقة). سلطان سليمان، صحفي وكاتب سياسي في موقع “180 بوست” (مراسل حربي سابق في وكالة رويترز). صفاء كنج، صحفية ومراسلة في وكالة الصحافة الفرنسية. علي هاشم، مراسل حربي وكاتب صحفي. فانيسا باسيل، الخبيرة الدولية في صحافة السلام ومؤسسة ورئيسة “منظمة إعلام للسلام” (MAP). كارمن جوخدار، مراسلة قناة الجزيرة في بيروت. مازن عباس، صحفي مستقل (مراسل حربي سابق). محمد فرحات، كبير مراسلي قناة “فرانس 24”. منى فرح، كاتبة صحفية في موقع “180 بوست” (مراسلة سابقة لتليفزيون “المستقبل” ومجلة “لوموند ديبلوماتيك” وصحيفة “القبس”). نظير مجلي، كاتب صحفي متخصص في الشؤون الإسرائيلية. ⁠نور صفي الدين، مدربة متخصصة في التنمية الإعلامية في أماكن النزاع وحالات الطوارئ في غزة والسودان.

لقد طرحت الباحثة على الصحفيين مجموعة أسئلة تمحورت حول: أبرز النزاعات التي غطوها وأخطر المواقف التي تعرضوا لها أثناء تغطياتهم، وكيفية تصرفهم في حال حصول تباين بين أفكارهم وتوجهاتهم حيال النزاعات (موضوع التغطية) وبين موقف المؤسسة التي يعملون فيها (أو كانوا يعملون فيها)، وما إذا كانوا يعتقدون بوجود دور للوسائل الإعلامية في التخفيف من حدة النزاعات وإنهائها، والشروط التي يجب أن تلتزم بها وسائل الإعلام لكي تستطيع المساهمة في حل النزاعات.

(9) الأكاديميون هم بحسب التسلسل الأبجدي: أسعد صدقة، رئيس قسم الإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية. حسام مطر، أكاديمي متخصص بالعلاقات الدولية. جوسلين نادر، عميدة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية. العميد الركن حسن جوني، أستاذ جامعي في العلوم السياسية. زاهرة حرب، أستاذة الإعلام في جامعة سيتي- بريطانيا (صحفية ومراسلة حربية سابقًا). شهيرة بن عبد الله، أستاذة في معهد الصحافة وعلوم الإخبار، جامعة منوبة- تونس. عبد الله محيي الدين، منسق مختبر الاقتصاد والتنمية في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. علي مراد، خبير قانوني وأستاذ محاضر في القانون العام، جامعة بيروت العربية. محمد القاسمي، مدير مختبر الدراسات الأدبية واللسانية وعلوم الإعلام والتواصل، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس- المغرب. مهى زراقط، مديرة مختبر علوم الإعلام والاتصال في مركز أبحاث كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية (صحفية سابقة). ⁠نبيل الخوري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الحكمة. نزار أبو جودة، منسق مختبر علم النفس الاجتماعي في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية.

تركزت أسئلة المقابلات للأكاديميين على: رأيهم فيما إذا كان الإعلام أحد الأطراف المعنيين بحل النزاعات في العالم، وحدود الدور والمسؤولية التي تترتب على الوسائل الإعلامية في هذا الإطار، والمعنى المقصود بالمبادرات الإيجابية في التغطيات الإخبارية لوسائل الإعلام لحل النزاعات، والجهات (بخاصة الإعلام) التي يقع على عاتقها طرح الأفكار المؤسسة لمرحلة ما بعد النزاعات والحروب.

(10) فيما يلي بعض عناوين لتلك الكتب: “حروب قذرة” لجيريمي سكاهيل، “ملاك غروزني- بارقة أمل في ظلمة الشيشان” لآسني سييرستاد، “صحفيون تحت النار- الأخطار النفسية لتغطية الحرب” لأنتوني فاينشتاين، و:

“Profession reporter” par Jacques Merlino, “Profession reporter” par François Naud, “Grands reporters” recueil de 100 reportages rassemblé par “la plus belle rédaction de France”, “Le reportage à la télévision” par stéphanie Brabant, “Priorité au direct” par Guillaume Dubois.

(11) Amin Maalouf, Le dérèglement du monde- Quand nos civilisations s’épuisent, (Paris: Grasset, 2009), 11.

(12) جيمس فيرون، “بين التراجع والمواجهة: كيف تصنع الجماهير مسارات الأزمات؟”، موقع الخنادق، 30 يوليو/تموز 2025 (تاريخ الدخول: 6 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/ym3wwt3z.

(13) صباح ياسين، الإعلام حرية في انهيار، ط 1 (بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010)، ص 121.

(14) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتورة زاهرة حرب، أستاذة الإعلام في جامعة سيتي- بريطانيا (صحفية ومراسلة حربية سابقًا)، لندن، 30 يوليو/تموز 2025.

(15) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور نبيل الخوري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الحكمة، بيروت، 15 يوليو/تموز 2025.

(16) Philippe Boulanger, Géopolitique des médias- Acteurs, Rivalités et conflits, (Paris: Armand Colin, 2014), 225-226.

(17) عبد الناصر العبري، الإعلام والحرب في بيئة أمنية متغيرة: توازنات إستراتيجية وفاعلون جدد، ط 1 (بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2021)، ص 139.

(18) جوناثان فينبي، الإعلام الدولي، (الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 2008)، ص 31.

(19) سليمان سالم صالح، الاتصال الدولي ومستقبل النظام الإعلامي العالمي، ط 1 (عمان، دار الفكر، 2017)، ص 98-101.

(20) Laurent Teisseire, “Place et rôle des médias dans les conflits”, Revue internationale et stratégique, 2010/2 n0 78 “accessed September 12, 2025”. https://tinyurl.com/4ana8htp.

(21) مقابلة أجرتها الباحثة مع علي هاشم، مراسل حربي وكاتب صحفي، بيروت، 24 يوليو/تموز 2025.

(22) مقابلة أجرتها الباحثة مع سلطان سليمان، صحفي وكاتب سياسي في موقع “180 بوست” (مراسل حربي سابق في وكالة رويترز)، 14 يوليو/تموز 2025.

(23) Jean-Paul Marthoz, Journalisme international, 2e éd, (Bruxelles: de boeck, 2012), 22-34-41.

(24) نور الدين هميسي، “النظرية  البنائية في بحوث الاتصال: المرجعيات، الأسس والتيارات”، مجلة العلوم الإنسانية (جامعة أم البواقي، الجزائر، المجلد7، العدد 3، ديسمبر/كانون الأول 2020)، ص 243-244 .

(25) Michel Collon, Israël, parlons-en!, (Bruxelles: Couleur livres, 2011), 310.

(26) بشرى حسين الحمداني، مصداقية وسائل الإعلام بين الحقائق وتطميس الأكاذيب، ط 1 (الإمارات العربية المتحدة، دار الكتاب الجامعي، 2018)، ص 32-33.

(27) Yves Agnès, Manuel de journalisme, (Paris: La Découverte, 2008), 374-375.

(28) سهام الشجيري، البناء الإعلامي للأزمات: إشكاليات العرض والتناول، ط 1 (الإمارات العربية المتحدة، دار الكتاب الجامعي، 2018)، ص 171-173.

(29) نهوند القادري عيسى، “إسهامات الإعلام في تعميق الأزمات: نحو مقاربة جديدة”، مركز دراسات الوحدة العربية، 24 أغسطس/آب 2023 (تاريخ الدخول: 11 أغسطس/آب 2025)، https://tinyurl.com/9wsew2td.

(30) سعاد قطناني، BBC انكسار الصورة، ط 1 (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018)، ص 36.

(31) مقابلة أجرتها الباحثة مع نور صفي الدين، مدربة متخصصة في التنمية الإعلامية في أماكن النزاع وحالات الطوارئ في غزة والسودان، صور-لبنان، 21 يوليو/تموز 2025.

(32) مقابلة أجرتها الباحثة مع نظير مجلي، كاتب صحفي متخصص في الشؤون الإسرائيلية، الناصرة-فلسطين، 19 يوليو/تموز 2025.

(33) أندريه مارتينه، وظيفة الألسن وديناميتها، ترجمة نادر سراج، ط 1 (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 101.

(34) محمود خليل ومحمد منصور هيبة، إنتاج اللغة الإعلامية في النصوص الإعلامية، (القاهرة، مركز جامعة القاهرة، 2002)، ص 23-24.

(35) Florence Aubenas, Miguel Benasayag, La fabrication de l’information: les journalistes et l’idéologie de la communication, (Paris: La Découverte, 1999), 9.

(36) Ingrid Riocreux, La langue des Médias, (Paris: l’Artilleur, 2016), 58-60.

(37) “دليل الصحافة المهنية في مناطق الصراع”، (القدس، سيرش فور كومون جراوند، د.ت)، ص 42.

(38) Laura Calabrese Steimberg, L’acte de nommer: nouvelles perspectives pour le discours médiatique, (Bruxelles : Langage et société, 2012/2 n° 140), “accessed August 6, 2025”. https://tinyurl.com/54caezsa.

(39) في قراءة متأنية لصفحات جريدة أو موقع إلكتروني، وفي متابعة لنشرة إخبارية أو برامج حوارية أو، أيضًا، الرسائل المباشرة للمراسلين من ساحات المواجهات والحروب، يتكشف للمتلقي العربي، مثلًا، ما يحصل من “توطين للمصطلح” عبر استهلاك وسائل إعلامنا للكثير من المصطلحات التي جرى الترويج لها عبر الإعلام الغربي وتوجيهها للعالم الخارجي. تستخدم هذه الوسائل، غالبًا، المصطلحات الإعلامية الجاهزة المترجمة من الإعلام الغربي، بشكل حرفي، ومن دون مراعاة للسياق اللغوي العربي، فيُفَرِّغُها من خلفيتها الثقافية والحضارية (انظر: بدر حسن شافعي، “الإعلام وأزمة المصطلحات أثناء الصراعات والحروب”، مجلة الصحافة (معهد الجزيرة للإعلام، الدوحة، 15 مارس/آذار 2022) (تاريخ الدخول: 30 يوليو/تموز 2025)، https://tinyurl.com/49xmxrrc.

(40) جان جاك لوسركل، عنف اللغة، ترجمة محمد بدوي، ط1 (بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص401.

(41) Robert Fisk, “Fighting Talk: The new propaganda”, The Independent, June 21, 2010, “accessed August 8, 2025”. https://tinyurl.com/mwrmfke5.

(42) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور علي مراد، خبير قانوني وأستاذ محاضر في القانون العام، جامعة بيروت العربية، بيروت، 16 يوليو/تموز 2025.

(43)  Jean-Claude Abric, Psychologie de la communication, (Paris: Duno, 2019), 142-143.

(44) Daniel Cornu, Journalisme et vérité, (Genève : Labor et Fides, 2009), 32-33.

(45) مقابلة أجرتها الباحثة مع آمال شحادة، مراسلة قناة المؤسسة اللبنانية للإرسال الدولية المعروفة باسم (LBCI) وصحيفة “إندبندنت- عربية”، حيفا-فلسطين، 10 أغسطس/آب 2025.

(46) شهيرة بن عبد الله، الحرب في وسائل الإعلام: آليات بناء المعنى وإنتاج المعرفة، (بيروت، دار النهضة العربية، 2019)، ص 120-121.

(47) حسين سعد، “الإعلام والأخلاق: نماذج من انحرافات الإعلام الأميركي والبريطاني خلال الحرب على العراق”، في الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم، تحرير: عبد الإله بلقزيز، ط 1 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص 331.

(48) انظر: مقالة في صحافة السلام بعنوان “لماذا يؤجج الإعلام النزاعات؟”، peacejournalism.co.uk، 30 يناير/كانون الثاني 2025 (تاريخ الدخول: 7 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/5cxherf7.

(49) Raymond Aron, Paix et guerre entre les nations, (Paris: Calmann-Lévy, 1962), 58-59.

(50) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور عبد الله محيي الدين، منسق مختبر الاقتصاد والتنمية في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، بيروت، 19 يوليو/تموز 2025.

(51)  Johan Galtung, “Peace  Journalism  and Reporting on the United States”, Vol. 22, N. 1, (Winter 2015), “accessed March 28, 2026”. https://tinyurl.com/ytzbr9xx.

(52) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتورة مهى زراقط، مديرة مختبر علوم الإعلام والاتصال في مركز أبحاث كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية (صحفية سابقة)، بيروت، 27 يوليو/تموز 2025.

(53) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور أسعد صدقة، رئيس قسم الإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية، بيروت، 4 أغسطس/آب 2025.

(54) حسن عماد مكاوي، الإعلام ومعالجة الأزمات، ط 2 (القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 2009)، ص 57-60-63.

(55) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور محمد القاسمي، مدير مختبر الدراسات الأدبية واللسانية وعلوم الإعلام والتواصل في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس، المغرب، 18 يوليو/تموز 2025.

(56) انظر: جورج صدقة وآخرون، “رصد المبادرات الإيجابية في التغطيات الإخبارية لوسائل الإعلام”، مؤسسة مهارات، 31 مايو/أيار 2016 (تاريخ الدخول: 15 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/4hntytnx.

(57) مقابلة أجرتها الباحثة مع العميد الركن الدكتور حسن جوني، أستاذ جامعي متخصص في العلوم السياسية، الدوحة، 17 يوليو/تموز 2025.

(58) Régis Revéret, Jean-Nicolas Moreau, Les Médias et la Communication de Crise, (Paris : Economica, 1997), 9-10.

(59) للتوسع، انظر:

“Reuters institute- Digital News Report 2019”, “accessed September 16, 2025”. https://tinyurl.com/5953x5yt.

(60) Andi Faisal Bakti et al., (dir.), “Journalisme pour la paix et résolution de conflit dans les médias”, tome I, (Paris: Les Éditions de l’Immatériel, 2018), 14-15.

(61) رشا علام، “دور الصحافة البنَّاءة وقت الأزمات”، arabmediasociety.com،17 فبراير/شباط 2018 (تاريخ الدخول: 18 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/fmffy2y8.

(62) انظر: وفاء خيري، “مقدمة إلى صحافة الحلول”، شبكة الصحفيين الدوليين، 9 مايو/أيار 2024 (تاريخ الدخول: 17 سبتمبر/أيلول 2025)، https://tinyurl.com/33vvdky4.

(63) Philippe Breton, L’argumentation dans la communication, 5e éd, (Paris: La Découverte, 2016), 62-63.

(64) سينيشا مالشيفيتش، سوسيولوجيا الحرب والعنف، ترجمة طارق عثمان، ط 1 (بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2022)، ص 279.

(65) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور حسام مطر، أكاديمي متخصص في العلاقات الدولية، بيروت، 15 يوليو/تموز 2025.

(66) مقابلة أجرتها الباحثة مع الدكتور نزار أبو جودة، منسق مختبر علم النفس الاجتماعي في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، بيروت، 25 يوليو/تموز 2025.

(67) مقابلة أجرتها الباحثة مع فانيسا باسيل، الخبيرة الدولية في صحافة السلام ومؤسسة ورئيسة “منظمة إعلام للسلام” (MAP)، بيروت، 17 يوليو/تموز 2025.

(68) مقالة “لماذا يؤجج الإعلام النزاعات؟”، مرجع سابق.

(69) انظر: دراسة بعنوان “أنواع الصراع ومفهومه”، الجزيرة نت، 3 أكتوبر/تشرين الأول 2004 (تاريخ الدخول: 18 سبتمبر/أيلول 2025)، https://n9.cl/l9mvh.